.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
قبل هبوطه على سطح القمر في 20 تموز 1969، أمِل والد نيل أرمسترونغ أن يقول ابنه كلمة مهمّة عندما تطأ قدماه أرض الجرم السماوي الذي سحر مخيّلة الإنسان منذ القِدم. لكنّ والدته لم تستبعد أن يكون أرمسترونغ في حالة ذهول تام حين يصل إلى القمر بحيث يعجز عن قول أيّ كلمة. \r\n
في نهاية المطاف، أطلق رائد الفضاء نفسه الجملة الأشهر في التاريخ الحديث: "إنّها خطوة صغيرة للإنسان لكنّها وثبة كبيرة للبشريّة". غير أنّ هذه العبارة، على الرغم من عمقها، انطوت على إشكاليّة كبيرة في ذلك الحين. الحديث عن "وثبة كبيرة للبشريّة" في ذروة الحرب الباردة كان أقرب إلى أمنية منه إلى واقع ملموس. فإذا كان العلماء وروّاد الفضاء يعطون الأولوية عادة للتقدم العلمي والإنساني على ما عداه من عناوين سياسية، فإنّ الواقع غالباً ما يكون مغايراً لدى القادة أو الحكومات. وهذا على أيّ حال ما أثبتته السنوات اللاحقة، إضافة إلى تلك السابقة.\r\n
يمكن أن يُكتب الكثير عن وقائع مهمّة "أبولو-11" بدءاً من فترة التحضيرات وصولاً إلى الأحداث والتوتّرات التي شهدتها الرحلة ومن بينها الثواني القليلة التي فصلت أرمسترونغ عن اتّخاذ قرار بإلغاء المهمّة قبل أمتار من الهبوط بسبب طارئ تقني. لكن للبعد السياسيّ في ذلك الحدث أثره الخاص أيضاً.
نيكسون يتصل... ويتحدث باسم العالم
بعد هبوطهما على سطح القمر بدقائق قليلة، تلقّى أرمسترونغ وزميله إدوين "باز" ألدرين اتصالاً هاتفياً من الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون الذي كلّمهما من المكتب البيضوي مباشرة، وقد نسّق ذلك مركز جون كينيدي للفضاء في هيوستن. وممّا قاله الرئيس الأسبق:
"... على هذا أن يكون حتماً أكثر اتّصال تاريخيّة تمّ إجراؤه على الإطلاق. لا أستطيع أن أقول لكم (مايكل كولينز كان ينتظرهما في المركبة الأم ضمن المدار) كم نحن جميعاً فخورون بما قمتم به. بالنسبة إلى كلّ أميركيّ، على هذا أن يكون أكثر يوم فخراً في حياتنا".
وأضاف مشدّداً على عالميّة الحدث: "بالنسبة إلى الناس حول العالم، أنا واثق من أنّهم ينضمّون إلى الأميركيّين في الاعتراف بضخامة هذه الخطوة. بفضل ما فعلتموه، أصبحت السماوات جزءاً من عالم الإنسان. في الوقت الذي تكلّموننا من ‘بحر السكينة‘، يلهمنا هذا لمضاعفة جهودنا من أجل إحلال السلام والسكينة على الأرض. للحظة لا تُقدّر بثمن في تاريخ الإنسان كلّه، جميع سكان الأرض هم حقاً واحد: واحد بفخرهم بما أنجزتم، وواحد في صلواتنا كي تعودوا سالمين إلى الأرض".
شكر أرمسترونغ نيكسون على تشجيعه قائلاً أيضاً إنّهم لا يمثّلون الولايات المتّحدة فقط بل "رجال السلام من جميع الأمم". لقي الحدث متابعة مباشرة من حوالي 600 ألف شخص حول العالم وهو رقم كبير بالنسبة إلى المعايير التكنولوجيّة في ذلك الزمن. لكنّ "بحر السكينة" (إحدى المناطق الجغرافية على القمر) لم يكن ينعكس على أحداث الأرض. مع انتهاء مهمّة أبولو-11، عاد العالم إلى انشغالاته بالحرب الباردة بين واشنطن وموسكو.
من بحر السكينة إلى بحر الإخفاقات
استطاعت حرب فيتنام حينها أن تغطّي على الحدث بعد فترة قصيرة من انتهائه وتمكّنت حتى من أن تقوّض بعضاً من حجم الجهود التي ساهمت بإنجاحه. انعكس الإخفاق الفيتناميّ غياباً في ثقة الأميركيّين بحكومتهم، وامتدّ ليشمل التشكيك بالإنجاز الذي تحقّق على سطح القمر. لم تستطع التحولات المهمّة على الأرض مواكبة الحدث الفضائيّ. كان نيكسون قد بدأ يجري مفاوضات مع هانوي تحت ضغط رأي عام أميركي ودولي مناهض لاستمرار الحرب. أدّت المفاوضات إلى سقوط فيتنام الجنوبيّة في نهاية المطاف بعد حوالي سنة على اضطرار نيكسون للاستقالة بسبب فضيحة ووترغيت.