قائد فاغنر لا يزال خاضعاً للتحقيق رغم وعود الكرملين

سينما - عبدالله الطايع سينمائيّ مثليّ من المغرب!
Smaller Bigger

كتب المغربي عبدالله الطايع تسع روايات بالفرنسية، قبل أن يتجه الى الاخراج السينمائي وينجز فيلمه الروائي الأول، "جيش الخلاص"، الذي عُرض في الدورة الأخيرة من مهرجان البندقية في قسم "أسبوع النقاد"، ثم في تورونتو. يؤفلم الشريط التأملي سيرته منذ مراهقته في مدينة سلا حتى وصوله الى جنيف في أواخر التسعينات بحثاً عن حياة أفضل. كان الطايع ذاع صيته في المغرب، حزيران 2007، بعدما أعلن مثليته ونشر لاحقاً رسالة مفتوحة الى أمه في احدى المطبوعات المغربية متحدثاً فيها عن ميوله الجنسية. فيلمه الذي يقول كلّ شيء عن معاناته بلغة نابضة بالأحاسيس، سيشكل، في حال عرضه داخل المغرب، صدمة للمحافظين.


"أنا مدرك تماماً ان هذا أول فيلم عربي يمنح شخصية مثليّ عربي البطولة المطلقة"، يقول الطايع بشيء من الاعتزاز. ويردف: "المثلية في بعض البلدان جريمة يحاسب عليها القانون، وإن كان لمغنّي فرقة "مشروع ليلى" في لبنان جرأة الاعتراف بمثليته. ينسى العرب ان بعض كبار الكتّاب والمثقفين والشعراء كانوا مثليين: أبو نواس والجاحظ وإبن عربي وعمر الخيام. يتصرفون بنكران شديد كأن هذا كله لم يشكل جزءاً من الثقافة العربية. لكن فيلمي لا يتكلم عن المثلية، بل كيف يمكن ان يتوغل مثليّ في الديناميكية المتناقضة للمجتمع المغربي. وايضاً كيف توصله هذه الحالة الى أن يلحق الضرر بالآخرين".
في لقائي معه، غداة عرض الفيلم في البندقية (أيلول 2013)، غمرته السعادة عندما علم ان صحافياً من العالم العربي على جزيرة الليدو، جاء يغطي "موسترا" البندقية. "يهمني جداً أن أتحدث الى وسائل الاعلام العربية"، اعترف لي قبل ان أشرح له أن النقاد العرب هاجروا المهرجان عاماً بعد عام بسبب الغلاء الفاحش وعدم قدرة صحفهم على تغطية النفقات. وجدته فخوراً وهو يحكي لي أن كتابه "يوم الملك" نشرته له في بيروت "دار الآداب"، بعد نقله الى العربية.
هذا الشاب الذي يبلغ الأربعين أصبح كاتباً، لكنه في الأصل كان يريد أن يصبح مخرجاً: "حتى عندما اكتب رواية، اشعر بأنني اكتب مشاهد من أفلام". اتخذ هذا القرار عندما كان في الثالثة عشرة؛ يومها فهم انه كي يمتهن الاخراج، عليه الذهاب الى باريس. وليذهب الى باريس، عليه أن يتقن لغتها. فدرس الأدب الفرنسي في جامعة محمد الخامس في الرباط، "كي لا اتعرض للاذلال في يوم من الأيام، من قبل الأغنياء المغاربة". الكتابة، بتعبيره، حررته من عقد كثيرة. أولاً كفرد، ثانياً كمثليّ عربي يعيش في مجتمع غير متسامح مع الذين يكسرون الثابت الاجتماعي.


سينما الفقراء
في حديثه عن طفولته، تعود كلمة "فقر" مراراً. فالطايع يأتي من أسفل المغرب، تلك البيئة المحرومة من أبسط الحقوق الانسانية. الأفلام المصرية أثّرت فيه كثيراً في صباه. "العار" أو "الحرام" من الأفلام التي صاغت ذائقته الفنية. يروي لي مطولاً تعلقه بممثلي تلك الشاشة، مخرجيها ورموزها الكبار. "هذه السينما كانت للفقراء. المفكرون المغاربة كانوا يشاهدون الأفلام الأجنبية. لكن الفقراء أمثالنا في الثمانينات في المغرب لم يكن لديهم الا المسلسلات والأفلام المصرية. هذا ما غذّاني من الداخل. كانت هناك فكرة حرية في هذه الأفلام، وإن رفض بعضهم الإقرار بهذه الحقيقة. كنت اجد فيها تجسيداً للمرأة الحرة في العالم العربي. لهذا السبب أشير الى أغنية "أنا لك على طول" لعبد الحليم حافظ في الفيلم، من خلال اطلالته في "أيام وليالي" لبركات. في داخلي، اجد أنني مسكون بالثقافة العربية. مرجعياتي مصرية. الى اليوم، عندما اعود واتفرج على هذه الأفلام، أجد أن حبي لها لا يزل قائماً. لذلك، أحبّ ان أعمّق صلتي بها، بدلاً من أن أدير ظهري لها، ذلك انها من الأشياء التي انقذتنا، نحن فقراء المغرب، في وقت من الأوقات. هذا جزء من الثقافة التي لا يعترف بها المفكرون العرب باعتبارها ثقافة، لكن بصراحة لا يهمّني رأيهم".
على الرغم من تأثره بالأفلام المصرية، فـ"جيش الخلاص" لا يشبه الارث المصري البتة، لا في المعالجة ولا في الجماليات، وهذا ما يقلق الطابع ويفاجئه. فهو يشبّهه بسينما أميركا الجنوبية، وتحديداً بأفلام الأرجنتينية لوكريسيا مارتيل. هناك سينمات اخرى تأثر بها، كتلك التي قدّمها المعلم الهندي ساتياجيت راي او الفرنسي روبير بروسون أو الألماني راينر فيرنير فاسبيندر، بيد انه لا يجد نفسه مخوّلاً لتبنيها، لأنها مرجعيات تسربت اليه لاحقاً. أما الممثلون الذين اختارهم الطايع للفيلم فليسوا مثليين. كان يريد أناساً يشبهون أيّ احد في المغرب، من أولئك الذين تصادفهم في الشارع ولا تسأل نفسك اذا كان الواحد منهم مثليّاً أم لا. لم يكن من الصعب اقناعهم بالانضمام الى هذه المغامرة السينمائية. معظمهم غير محترف. كانوا يتقبلون كل الأفكار التي تطرح عليهم، وهذا ما جعله يفاجأ مفاجأة ايجابية. فهؤلاء كونهم يعرفون الواقع، كانوا يؤكدون ما جاء في النصّ.


الأبواب المغلقة
أكثر ما ألهم الطايع، هو العودة الى السيرة المعذبة، الى ينبوع المآسي التي حولت حياته الى مأزق. بهذه الكلمات يتحدث عن تلك المرحلة، حين كان في قلب الوحدة والخوف: "كنت أشعر بأنني مثليّ، ولكن في الوقت نفسه كان عندي حبٌّ عظيم لأمي ولأخواتي. كنت معزولاً عنهن ومرتبطاً بهنّ في الحين نفسه. كان عندي احساس بأن حياتي كلها ستكون على هذا النحو. لم يكن هناك أيّ سبب كي اخرج من الوضع الذي انا فيه، وأن أتحول الى كاتب او مخرج. هذا كله كان من الأحلام البعيدة. كنتُ فقيراً ومثلياً، وكل الأبواب مغلقة في وجهي. فجأة يبدو لك العالم صغير الحجم، ولا تعرف كيف تنتقل الى عالم آخر. احلامي كانت كثيرة وأنا أدرك مسبقاً انها لن تتحقق أبداً. عندما نكون من المثقفين الذين طالعوا ابن خلدون ورولان بارت وميشال فوكو، نتسلح بذرائع تتيح لنا ان ندافع عن أنفسنا. لكن الصبي الأميّ والفقير، لا يملك شيئاً من هذا كله. هذا علّمني أشياء كثيرة: الحياة الحقيقية هي الحياة التي نكون فيها عزّلاً. يعني عندما نتصدى باللاشيء. وهذا ما كنت اريد اظهاره في الفيلم: مغاربة لا يملكون ايّ شيء، ويقاومون، ولكن في الحين نفسه يقمع الواحد منهم الآخر، ولا يريد دائماً الواحد منهم الخير لصديقه وزميله وجاره".
بالنسبة إلى الطايع، لا يتحرر الانسان مما عاشه من ذلّ وقمع. قد تكون كلمة "ذلّ" قوية، لكن لا بديل منها عندما يتعلق الأمر بناس يبصقون على الأرض عندما يرونك تمر أمامهم، ويلقّبونك بـ"الزامل"، ويصيحون تحت شبّاك بيتك "انزل يا عبدالله لنضاجعك"، على مرأى من الحيّ كله ومسمعه. "الأسوأ ان أحداً لا يستطيع انجادك"، يقول الطايع مانحاً الشعور بأن هذه التفاصيل صارت من حياة ماضية لكنها حاضرة.
المغرب الذي يصوّره الطايع ليس مغرب السياحة والفنادق الفاخرة. نظرته تحاجج الواقع وتعرّيه. هناك دائماً واحد يتحكم بالآخر، ويتنقل هذا من الأب الى الأم فالشقيق الأكبر. هناك طبقية واضحة حتى داخل مجتمع الفقراء. في وسط هذا كله، هناك شخصية المثلي، بطل الفيلم المضاد، لكن وجوده لا يلغي الآخرين. يقول الطايع: "كان مهماً لي ان أظهر الأمور على هذا النحو، كي لا يقال "انه مثليٌّ، اذاً هو في الهامش. لم أكن أريد هامشياً، بل شخصاً يجد فيه الجميع أنفسهم. المثلية ليست خياراً. انها طبيعة جنسية. ميول الشخص الجنسية لا تخص الا صاحبها، وعلى الآخرين ان يقيموا اعتباراً لها، الشيء الذي نفتقر اليه في العالم العربي. النفاق الاجتماعي موجود في المغرب، لكنه موجود أيضاً في كل مكان. يتغير شكله من بلد إلى آخر. لكن اللافت في المغرب هو الاصرار على جعل المجتمع مجتمعاً اعمى".


ليسقط كل شيء!
"جيش الخلاص" انتاجٌ فرنسي مئة في المئة. لم يبحث الطايع عن أيّ جهة انتاج مغربية. "كانت هذه لتكون مضيعة وقت"، يؤكد الطايع. "ولعل ما سيزعج الناس هو انني اقارب الموضوع مقاربة حسية. لو ادرجتُ بعض مشاهد الجنس في سياق الحكاية، لكان الفيلم تحوّل الى عمل فضائحي يفرغه من قيمته، وهذه التقنية أقل تأثيراً في الناس. كنت اريد ان اعرّي واقعاً سيجد فيه كل مغربي نفسه بطريقة أو بأخرى. أتمنى من كل قلبي أن يُعرض الفيلم في المغرب. في النهاية، هذا الفيلم يتكلم عنّا. وهو عن كائن مغربي يتصدى للواقع، على أمل أن يتحرر يوماً. طبعاً، أنا أنتقد المجتمع المغربي، وهذا واضح. لكن، لا يمكن ان ننجز عملاً فنياً من دون أن نشير بإصبعنا الى أشياء معينة ليست على ما يرام. ألقي نظرة سوداوية جداً على المغرب، على الرغم من أنني أبدو لطيفاً بشوش الوجه. نظرتي قاسية جداً. العلاقات بين الناس في المغرب ترتكز على القسوة؛ أحياناً عليك أن تكون مثل هرقل كي تتحمل ثقل الواقع على كتفيك. احد أسباب صعوبة الحياة يأتي من انك لا تفهم ما يريده الناس منك. في النهاية، تصل بنا الحال الى أن ننفجر من الداخل. أسأل: لماذا يجب عليّ أن أساير الآخرين؟ وسأساير مَن؟ الملك أم الدين؟ والدي ام الامام؟ وهؤلاء مَن يسايرون؟ لماذا الاستمرار في دعم هذا النظام حيث الكلّ يقمع الكلّ؟ الفيلم لا يقول هذا، لكنه يتيح لك رؤيته. اللافت في المغرب هو الاصرار على تعمية المجتمع، على الرغم من ان هناك مَن يعمل ضد هذه التعمية. "الربيع العربي" جاء ليلقننا فكرة تثوير العقليات. وأقول "يلقننا" لا أكثر. هذا يعني انه ازال الخوف الذي كان في داخلنا.
اليوم، الناس أقل خوفاً. قبل ثلاث سنوات، لم يكن الناس يتجرأون حتى على انتقاد الدين والقول انهم يرفضون خلط الدين بالسياسة. مَن كان يتجرأ على القول بأنه ملحد؟ أما الآن، فكثر يقولون هذا في مصر. الثورة العربية شيء سريع الانكسار والعطب. وهذا ما دفع بالمتطرفين الى مصادرتها. ودورنا هو أن نقاومهم!".


[email protected]

الأكثر قراءة

ايران 6/8/2026 8:06:00 AM
ما آخر التطورات في إسرائيل وإيران ولبنان واليمن بعد تجدّد تبادل الضربات؟
لبنان 6/8/2026 12:00:00 AM
لفتت إليه اوساط لبنانية مطّلعة عبر "النهار"، من أن إعادة إدارة ترامب منح إسرائيل "الإجازة" بضرب "مقنّن" للضاحية جاء على خلفية تجاوز إيران إلى نطاق غير مقبول الخطوط الحمر في تدخّلها وهجماتها على السلطة اللبنانية
حول العالم 6/6/2026 10:49:00 PM
عامل كندي أصبح مليونيراً بين لحظة وأخرى بعدما تلقى اتصالاً أثناء عمله أبلغه بفوزه بجائزة يانصيب تتجاوز 2.4 مليون دولار كندي