في خطوةٍ حازمة أعلن وزير التربية والتّعليم العالي أكرم شهيّب عن نيّته ضبط محاولات الغشّ داخل قاعات الامتحانات الرّسميّة، ودخل قراره حيّز التّنفيذ مع إصدار الوزارة تعميماً إلى مديرية التعليم الثانوي والمناطق التربوية في المحافظات بشأن تركيب كاميرات مراقبة في المراكز المعتمدة لإجراء الامتحانات الرسمية. وسرعان ما انقسمت آراء الطّلاب بين مؤيّدين، ولو بنسبةٍ خجولة، ومعارضين اتّخذوا من المنصّات الألكترونيّة منابر احتجاج وتهكّم. المشهد عينُه تكرّر في صفوف المسؤولين التّربويّين، حيث انبرى بعضهم يشيد بصوابيّة قرار شهيّب، في حين عبّر البعض الآخر عن استيائه أو حتّى لا مبالاته.
في حديثٍ لـ"النّهار"، نفى رئيس رابطة أساتذة التعليم الثانوي الرسمي نزيه جباوي أن يكون للكاميرات أي تأثير سلبي على نفسيّة الطّالب، بل هي تريحه. ورأى أنه من الصّعب الحدّ من محاولات الغشّ نهائيّاً، فهذه العمليّة تحتاج قرارٍاً مشتركاً وتآزراً بين القائمين على الامتحانات ورؤساء المراكز والمراقبين والطّلاب أنفسهم. وأضاف: "لا شكّ أن هناك مراكز تتمّ فيها عمليّات الغشّ أكثر من غيرها، وهذا ما يلاحظه المصحّحون من خلال الإجابات المتشابهة لدرجة بعيدة والتي تطرح علامات استفهام". كما أكّد أن الكاميرات مخصّصة فقط لمراقبة الامتحانات، وبالتّالي، فإن استخدامها آنيّ، وسيُصار إلى فصلها فور انتهاء الامتحانات الرّسميّة لئلا يتخذ استخدامها منحاً لا أخلاقياً، فالهدف منها ليس مراقبة الأساتذة وتلامذتهم في أيام التدريس والامتحانات العاديّة. وشدّد جباوي على احترام الرابطة لحقوق التلاميذ، داعياً إياهم للاجتهاد والمحافظة على الهدوء والانضباط.
في سياقٍ متّصل، أشار الرئيس السابق للمركز التربوي للبحوث والانماء الدكتور نمر فريحة أنّ للظروف أحكاماً، وهي التي تفرض اليوم استخدام كاميرات لمراقبة سير الأمور في مراكز الامتحانات. فالدّورات المنصرمة كشفت عن عمليّات غشّ لم تعد تخفى على أحد، من محسوبيّات، إلى وساطات وتسريبات، فتساهل بالمراقبة. أمام هذا الواقع، يرى فريحة أنه "لا بدّ من إيجاد وسيلةٍ لإيقاف هذا الانحطاط واعتمادها لمحاربة الغشّ، فقد حان الوقت لضبط الامتحانات". وإذ يرى أنّ الكاميرا تعطي نظرة شاملة ومضمونة عمّا يجري في المراكز، يشيد فريحة باعتمادها، محذّراً من سوء استغلالها لمآرب شخصيّة لدى جهات معيّنة، وأضاف: "في حال استغلالها سلباً، نكون غير جديرين بالنّجاح، بل بالفشل". وفي رأيه، لا يجب أن تؤثّر كاميرا معلّقة فوق رأس الطالب عليه، بل ستساعده في منع التّشويش والإرباك، وأمّا المرشّح المعتمد على الغشّ فسيكون عقابه وخيماً.
ماليّاً، أشار فريحة إلى أنّ الكاميرات لم تكلّف الكثير، وهي ستُشترى مرّة واحدة، ومهما كلّفت، سيهون الأمر متى أتت بنتائج مثمرة، جدّية ومرضية.
من جهته، لا ينفي نقيب المعلّمين السابق في المدارس الخاصة نعمة محفوض أنّ بعض المراكز بحاجة إلى مراقبة مشدّدة أكثر من غيرها، والأمثلة على التجاوزات التي حصلت فيها كثيرة. لكنّه يصرّ على وجوب إصلاح المنظومة التربويّة برمّتها قبل الاهتمام بأمور فنيّة ولوجستيّة بسيطة، إذ يرى أن الامتحانات الرسمية بحاجة لما هو أهم من هذه الكاميرات، فنظام التقييم المعتمد في المناهج الدراسية اللبنانية بحاجة إلى إعادة نظر. بالنّسبة لمحفوض "لا يمكن أن يدرس الطالب 3 سنوات متتالية ثمّ يقدّم امتحاناً واحداً في نهاية السنة الثّالثة، فيكون عبارة عن خلاصة لما اكتسبه خلال كل تلك الفترة". ويتابع حديثة لـ"النهار" قائلاً "الأفضل أن نسعى لإرساء نظام امتحانات جديد، يقوم على 3 تقييمات يخضع لها الطالب تباعاً في نهاية سنوات الثّانوية الثلاث، وينضوي امتحان الشهادة الثانوية العامة بفروعها الأربعة، والمرتكز على التقييمات الثلاث، على تقييمٍ شفهي وآخر لغوي، وثالث معرفي، إلخ... الأمر نفسه بالنّسبة للشهادة المتوسّطة". ويؤكّد محفوض ضرورة تطوير المناهج الدراسية، إذ إن آخر تعديل أجري عليها كان قبل حوالي العشرين سنة، وبالتالي، فإن الكتب الدراسية المعتمدة اليوم لا تواكب التطور العلمي والتقني الرهيب الذي شهده العلم في سنواتٍ قليلة خلت. ويلفت إلى أن "بعض اللجان الفاحصة غير مؤهّلة للقيام بالدور المنوط بها، وهي معيّنة من قبل جهات سياسية لا يهمّها إن كانت هذه اللجان عبارة مجموعة أميّين أم لا". ويجزم محفوض أنّه من حقّ التلميذ أن يبقى على سجياته، مرتاحاً، بلا قيود و"إرهاب". وهذا لا يعني أن يسمح له المراقبون بالغشّ والتمادي في خرق القانون والتخلّي عن انضباطه أبداً، بل إنّ ضغطاً ونظاماً إرهابيّاً يمارسا على مرشّحين لا يتجاوز عددهم العشرين في كل غرفة، وهم بالتالي بحاجة إلى مراقبَين اثنين كحدٍّ أقصى، يتمتعان بالجدية والحزم.
يُذكر أن الامتحانات ستنطلق أولاً مع الشهادة المتوسطة في 12 حزيران، ثمّ الشهادة الثانوية بفروعها الأربعة في 18 حزيران.
نبض