17-05-2019 | 21:00
أرشيف "النهار" - صلاح الدين الأيوبي في المعارك والقائد الذي انتصر مقداما
نستعيد في #نهار_من_الأرشيف مقالاً كتبه محمد قبيسي في "النهار" بتاريخ 26 أيار 1995، حمل عنوان "صلاح الدين الأيوبي في المعارك والقائد الذي أنتصر مقداما".
أرشيف "النهار" - صلاح الدين الأيوبي في المعارك والقائد الذي انتصر مقداما
Smaller Bigger

تميز صلاح الدين بتمسكه بمبدأ الوحدة، ولا ينحصر دوره في قضية الوحدة في الافادة مما خلفه سابقوه، انما ترجع اهمية هذا الدور وعظمته الى ايمان صلاح الدين بمبدأ الوحدة ايماناً لا يتزعزع، وحرصه على ان يجعل الوطن العربي من الفرات الى النيل قوة واحدة ويداً واحدة، وشعارها الجهاد، وهدفها تطهير ارض العروبة من الدخلاء. وكرس حياته في سبيل تحقيق هذه الرسالة مع تمسكه البالغ بالتسامح طوال حياته، اذ جمع بين الشجاعة، وكرم الخلق. وسنحت الظروف لصلاح الدين بالبدء في تحقيق رسالته عندما توفي نور الدين، واعتبر صلاح الدين نفسه الوارث الروحي للدولة النورية في الشام، ولكن المكانة الكبرى التي حققها صلاح الدين لنفسه في التاريخ، جاءت نتيجة لموقفه الحازم من الصليبيين، ولايمانه المطلق بالجهاد، ولادراكه العميق لخطورة المراكز الصليبية بالشام على كيان العروبة ومستقبلها. وتحدى صلاح الدين الصليبيين وهم في اوج مجدهم، بعد ان بلغوا من القوة واتساع النفوذ في النصف الثاني من القرن الثاني عشر درجة هددت اهل العراق والشام ومصر. بل اهل الحجاز وسكان الحرمين. فصلاح الدين عندما اعلنها حرباً دائبة على الصليبيين، كان يعلم تماماً انه سينازل خصماً قوياً مكن لنفسه في البلاد، ومن خلفه الغرب الاوروبي يمده بالعدد والعدة. واذا كان صلاح الدين بلغ درجة كبيرة من القوة - بوصفه حاكماً لمصر والشام - فانه بنزوله الى المعركة تحدى اكابر ملوك الغرب في انكلترا وفرنسا والمانيا، فضلاً عن البابوية ذات النفوذ الروحي الواسع في غرب اوروبا في العصور الوسطى. هذا فضلاً عن ان الامارات الصليبية ومملكة بيت المقدس بلغت عنفوان قوتها وشبابها، واكتملت لها اسباب الحياة والتنظيم السياسي والحربي. ادوار ويمكن تقسيم عهد صلاح الدين الايوبي منذ تولى زمام مصر ثلاثة ادوار: الاول في مصر. والثاني في الشام، والثالث في فلسطين. الاول كان في طور الدفاع، والثاني في طور اعداد العدة والتأهب، والثالث في طور الهجوم. وفي هذه الادوار الثلاثة كان صلاح الدين يوجه كل جهوده للدفاع عن رغبته الصادقة في اخراج الصليبيين من بلاد الشام وانشاء امبراطورية اسلامية متحدة تستطيع ان تقذف بالفرنجة الى البحر بل الى ابعد من ذلك. ففي الدور المصري (1169 - 1174م) وقف صلاح الدين موقف الدفاع امام الصليبيين وانصار الفاطميين وامام نور الدين صاحب دمشق الذي حكم صلاح الدين هذه البلاد باسمه، ومن ثم كانت سياسته في هذا الدور تنطوي على صد الاعتداء في الداخل والخارج وتقوية سلطانه من الناحيتين السياسية والحربية. اما في الدور الثاني او الشامي (1174 - 1186م) الذي يبدأ بوفاة نور الدين، فظهر صلاح الدين مظهر اكبر حاكم اسلامي في الشرق الادنى ونشر نفوذه في الشام والجزيرة، واعد العدة لجمع القوات الاسلامية للصراع النهائي مع الصليبيين. وفي الدور الثالث او الدور الفلسطيني (1186 - 1193م) وجه صلاح الدين كل جهوده الى الحرب المقدسة مع الصليبيين، تلك الحرب التي انتهت بصلح الرملة الذي اعقبه بعد شهور موت بطل الاسلام. ذلك انه لما توطدت قدم صلاح الدين في مصر، خشي السلطان نور الدين صاحب دمشق ازدياد نفوذه وفكر في خلعه. بيد ان الحظ بسم لصلاح الدين بوفاة نور الدين سنة 596ه (1174م) وعلى رغم ان الفرصة سنحت لصلاح الدين ان يبسط سلطانه على البلاد الاسلامية في الشرق ظل يرقب الحوادث خشية ان يعرقل اهل الشام اعماله، فاظهر احترامه للملك الصالح اسماعيل بن نور الدين، وظل يضرب النقود باسمه ويخطب له على المنابر. غير ان هذا الملك لم يلبث ان وقع تحت نفوذ وزرائه وبطانته، وقام الخلاف بينه وبين صلاح الدين الذي بعث الى هؤلاء الوزراء بكتاب شديد اللهجة يهددهم فيه بالمسير الى دمشق وانزال العقاب بهم على سوء تصرفهم. ثم استدعى احد امراء دمشق صلاح الدين لاحتلال المدينة، فاسرع صلاح الدين بالمسير اليها دون ان يكترث لوجود الصليبيين في طريقه، وتمكن من الاستيلاء على دمشق (570/ 1175) ثم ارسل الى اتابك الشام كتاباً يؤكد له فيه انه انما جاء الى هذه البلاد ليقدم فروض الطاعة لذلك الصالح اسماعيل الذي رد عليه رداً شديداً اتهمه فيه بالتمرد ونكران الجميل واثار بذلك استيلاء صلاح الدين الذي زحف الى حلب واوقع بأهلها، ثم فك الحصار واتجه الى حمص لمحاربة الصليبيين. ولما عاد صلاح الدين الى مصر بعد سنتين اخذ ينظم امورها ووجه همته الى تحصينها ليأمن شر غارات الاعداء. فعهد الى وزيره بهاء الدين قرقوش في بناء قلعة منيعة على قمة جبل المقطم غرباً لتكون مركزاً لحكومته ومعقلاً لجنده وليتقي بها خطر الفاطميين واشياعهم في الداخل اذا حدثهم انفسهم باذكاء نار الثورة والخروج على سلطانه. ثم حاول صلاح الدين التفاهم مع الملك الصالح، فارسل اليه كتاباً يعرض فيه استعداده للتخلي عن حماه وحمص وبعلبك على ان يقره على ولاية دمشق ومصر. وابى الملك الصالح اجابة هذا الطلب، فلم ير صلاح الدين بداً من محاربته، فاشتبك مع جيش اسماعيل في معركة قرب حماه وانتصر عليهم ثم حاصرهم في حلب وارغمهم على طلب الصلح. ولكي يستدروا عطف صلاح الدين ارسلوا اليه ابنة نور الدين، وكانت لا تزال في دور الطفولة، فتلقاها بالحفاوة واحسن وفادتها وقدم اليها الهدايا. ثم سألها عما تطلبه لقومها، فقالت انهم يريدون بلدة "اعزاز"، فوهبها هذه البلدة. ونزل لأخيها الملك الصالح اسماعيل عن جميع المدن التي استولى عليها من امارة حلب. واصبح صلاح الدين بهذا صاحب الامر في دمشق وحمص وحماه. وظل صلاح الدين يعمل على توحيد كلمة المسلمين حتى توفى الملك الصالح اسماعيل (577ه) فبسط سلطانه على حلب (579ه) والموصل، واصبح بذلك الحاكم المسيطر على غرب اسيا، واصبح الصليبيون محصورون بين قوات صلاح الدين المتحدة في الشمال والجنوب والشرق. وكان صلاح الدين منذ تولى زمام الحكم في مصر يبذل قصارى جهده لاخراج الصليبيين من المشرق، فلما اتصل به نبأ اغارة رينولد صاحب حصن الكرنك (بفتح الكاف والراء) على سواحل بلاد الحجاز وقطعه طريق الحج واخذه بعض قوافل المسلمين وهم في طريقهم الى بيت الله، اغار صلاح الدين على الولايات الصليبية وهزم الصليبيين هزيمة منكرة في موقعة حطين (بكسر الحاء والطاء مع التشديد) القريبة من طبرية سنة 579ه (1187م)، ثم اخذ يطاردهم حتى استولى على حصن طبرية ولما فرغ صلاح الدين من طبرية واصل زحفه حتى بلغ عكاء فحاصرها واستولى عليها، ثم وقعت في يده نابلس والرملة وقيسارية وارسوف ويافا وبيروت، كما سقطت في يده صور وطرابلس وعسقلان. وبذلك اخذ صلاح الدين يعد العدة لاسترداد بيت المقدس، فسار اليها على رأس جيش كبير، ولما اقترب منها بعث في طلب اشرافها وخاطبهم بقوله انه يحترم مدينة القدس ولا يرغب في انتهاك حرمتها باراقة الدماء، ولذلك ينصح لهم بترك استحكاماتهم وتسليم مدينتهم من غير حرب على ان يعوضهم عن املاكهم بالاموال والاراضي، لكن الصليبيين رفضوا اجابة هذا الطلب، فلم ير صلاح الدين بداً من محاصرة بيت المقدس. ولما رأى الصليبيون انهم اصبحوا عاجزين عن المقاومة وشارفوا الهلاك، طلبوا الصلح وتعهدوا ان يسلموا بيت المقدس الى صلاح الدين وان يخرجوا منها باموالهم واولادهم مقابل فدية يدفعها كل منهم. فكان يؤخذ من الرجل عشرون ديناراً ومن المرأة خمسة دنانير ومن الطفل ديناران، وضمن لهم صلاح الدين سلامة الرحيل الى صور او طرابلس. ثم دخل صلاح الدين بيت المقدس في 27 رجب سنة 583ه وكان جميع الفرنجة غادروها، ثم امر صلاح الدين بترميم ما دمرته الحروب من مبانيها واعادة تشييد المساجد والمدارس التي هدمها الصليبيون، كما وضع نظاماً خاصاً لاداراتها. ولما وصل الى اهل اوروبا نبأ سقوط بيت المقدس في ايدي المسلمين اخذ رجال الدين يدعون الشعوب المسيحية وملوك اوروبا لاعداد حرب صليبية اخرى، ولم تلبث ان تدفقت النجدات الى صور، واشترك في هذه الحرب ثلاثة من اعظم ملوك اوروبا شأنا وهم: فريدريك برباروسا امبراطور المانيا، وكان على رأس مائة الف جندي، وفيليب الثاني ملك فرنسا، وريتشارد قلب الاسد ملك انكلترا، وبينما كان الالمان يزحفون على انطاكية غرق ملكهم في الطريق ولم يصل من جنده الى بلاد الشام الا القليل، اما جيوش ريتشارد وفيليب فوصلت الى عكاء واستولت عليها. قلب الاسد على ان هذه الحملة الصليبية قضي عليها لوقوع النزاع بين فيليب وريتشارد، فعاد فيليب الى بلاده وانفرد ريتشارد بمحاربة المسلمين، واظهر من الشجاعة والفروسية ما اثار اعجاب اعدائه فلقبوه "قلب الاسد"، وانتصر ريتشارد اولاً على جيش صلاح الدين في الاسوف ثم تابع زحفه على عسقلان، غير انه لما شاهد بنفسه خرائب قلعتها ادرك انه امام خصم عنيد، فشرع في بدء المفاوضات معه وانهت بابرام صلح الرملة سنة 588ه (1192م)، ومن اهم شروطه: وقف الحرب بين الفريقين ثلاث سنين، وان يترك بيت المقدس تحت حكم المسلمين على ان يسمح للمسيحيين بالزيارة واداء مناسك الحج، وان يقوم الصليبيون بحماية ساحل الشام من صور الى يافا، وان يرد المسلمون المخلفات الدينية الى المسيحيين. اخراجهم ولم تمض سنة واحدة على ابرام هذا الصلح حتى حقق صلاح الدين اهم اغراضه في الحياة، وهو اخراج الصليبيين من بيت المقدس واعادة حق المسلمين. وانهكت هذه الحروب الطويلة قواه واضعفت صحته، واصيب بحمى وتوفى بدمشق في شهر آذار سنة 1192م ودفن فيها وحزن المسلمون لوفاة الزعيم العظيم الذي اعاد الى الاسلام قوته، وصد تيار الصليبيين الذي كاد يجتاح بلادهم، وخرج صلاح الدين من كل حروبه بقوة لا تقهر، وانتشر اتباعه في البلاد بين جبال كردستان وصحراء ليبيا، وسارعوا الى تلبية دعوته اذا ما دعاهم للجهاد، وعمل على محالفة ملك جورجيا وملك ارمينية وسلطان قونية وامبراطور القسطنطينية. وكان صلاح الدين مثلاً للآداب العلية والصفات الحميدة، وكان كما وصفه ابن الاثير وهناك كثير من القصص التي تدل على حسن السياسة التي سار عليها صلاح الدين مع اهالي المدن المفتوحة. وهي سياسة تنطوي على كثير من حسن المعاملة والعطف والرعاية واغداق الهبات وتحقيق الرغبات على ما تفيض به الكتب التي عنى مؤلفوها بتدوين سيرة صلاح الدين الحافلة بضروب الشجاعة والفروسية. وكان صلاح الدين محباً لمجالس العلم ميالاً لمناقشة رجال الفقه واصول الدين، ووصفه عبد اللطيف البغدادي طبيب بغداد بهذه العبارة: وجدته اميراً جليلاً مهيب الطلعة جديراً بالاحترام والتقدير، وديعاً متواضعاً ذكياً سمح النفس واسع الادراك، ثم قال: وجدته في ندوة من العلماء يتذاكرون العلوم، ورأيته وهو يحسن الانصات ثم يشترك في الحديث، وكان صلاح الدين - "مع هذه المملكة المتسعة والسلطنة العظيمة - كثير التواضع واللطف قريباً من الناس، رحيم القلب كثير الاحتمال والمداراة، وكان يحب العلماء واهل الخير ويقربهم ويحسن اليهم. وكان يستحسن الاشعار الجيدة ويرددها في مجالسه". ويقول لينبول: وليكفي صلاح الدين فخراً انه ادخل نظام المساجد المدرسية في القاهرة، وكان تطبيقه في القاهرة ما جعلها في مصاف مراكز العلم الاسلامية الشهيرة. الدكتور محمد قبيسي  المصادر: 1- ابن الاثير: الكامل. 2- ابن شداد: النوادر السلطانية، 3- ابن خلكان، 4- ابو المحاسن: النجوم الزاهرة. 5- cane-poole...، 6- موسوعة المعرفة.