29-04-2019 | 22:18
أرشيف "النهار" - عهد الياس الهراوي: العبور الشاق الى السلم
نستعيد في #نهار_من_الأرشيف مقالاً كتبته روزانا بو منصف في "النهار" بتاريخ 13 تموز 1997، حمل عنوان "جمهورية الرؤساء تبحث عن رئيس (1) عهد الياس الهراوي: العبور الشاق الى السلم".
أرشيف "النهار" - عهد الياس الهراوي: العبور الشاق الى السلم
Smaller Bigger

قليلة هي الفروق بين 1995 و1998، إذا قيست بظروف لبنان. ولذلك، فان الاستحقاق الرئاسي هذه السنة لا يفترض من الناحية المبدئية ان يعكس صورة تغيير لم يحصل واقعا.....الا إذا بدأ التغيير بتغيير الرئيس. قبل اربعة اشهر وبضعة ايام من الانتقال الدستوري، لا يزال لبنان يضرب في الرمل، بل ربما"يضرب المندل". كأن شيئا لم يتغير. فالرئيس علامة استفهام في الزمن اللبناني، ولا يتاح للمرؤوسين ان يعرفوا مرشحيهم الا في"حكايات" الجرائد! ولكن الحكايات وحدها هي السبيل الى اليقين المفترض، حتى تتبدل الاحوال وتبدأ الانتخابات كما يفترض ان تكون: مرشحون معلنون وبرامج واضحة وجدل وسياسة ومهرجانات انتخابية، والاهم من كل ذلك مجلس نواب يقترع ولا يصوت ل"كلمة السر". والانتخابات هذه السنة تزيد الغموض غموضا. فهي تقع في زمن اقليمي لا يقل ارتباكا عن الواقع المحلي. كل شيء مجمد. لا سلام ولا حرب، ولبنان دائما وسط شاقوفين، وعلى حافة الحرب يدفع ضريبة غياب السلم. فأي رئيس وسط قافلة المرشحين"المبدئيين"سيلائم المواصفات الاقليمية والمتطلبات المحلية لمرحلة لا يعرف أحد متى تتبدل؟ بل أي رئيس سيتمكن من أخذ راية عهد الياس الهراوي بكل ما تعنيه من تحولات جذرية وتاريخية في مسار انفصال جمهورية عن مرحلة الاستقلال والحرب وسيرها في مسار الالتصاق مع سوريا خارجيا والتشدد مع"طائفة"الرئيس داخليا ؟ وهل يكون الرئيس الآتي في ذاته عنوان إعادة التوازن داخليا بعدما بات التوازن المختل يغلب في خطورته على المشاكل الاخرى الكبيرة من افتقاد القدرة على القرار وصولا الى كوابيس الانهيارات الاقتصادية والاجتماعية؟ استحقاق 1998 هو اختصار لهذا كله ولأمور بعضها ظاهر ومباح ومعظمها مكتوم. فالخيار النهائي لن يكشف فقط الحال التي يراد للبنان ان يعيش في ظلها في السنوات الست المقبلة، بل سيعكس حال الناخب أيضا، خارجيا ومحليا. والبون شاسع جدا بين خيار وآخر ولا يجمع بين الخيارات الا كونها في سلة واحدة هي سلة المرشحين المحتملين لرئاسة الجمهورية. لا اوهام في فتح الملف الرئاسي تحضيرا لاستحقاق 1998 في تزكية خيار قد يكون الافضل لرئاسة لبنان على عتبة الالف الثالث، ولا اوهام في قدرة البرامج الرئاسية، اذا وجدت، على تغليب مصلحة مرشح على مرشح آخر. انهم الرجال فحسب. يعرفهم اللبنانيون او سمعوا بهم. نسعى عبر هذا الملف"جمهورية الرؤساء تبحث عن رئيس" الى تقديم صورة اكثر عمقا وغير معهودة لمن يمكن ان يكون الرئيس المقبل. تصعب مقارنة عهد الرئيس الياس الهراوي بأي من سير الرؤساء الذين سبقوه بدليل انه يبقى مرشحا وهو ذاهب الى بيته. فاحتمالات ترشيحه عبر الدوافع نفسها التي أملت التمديد له عام 1995 تكاد تنعدم. ورغم ذلك ثمة استحالة قبل أربعة اشهر من نهاية عهده في القطع نهائيا باستبعاد إدراجه في اللحظة الاخيرة مرشح التمديد ثانية. الياس الهراوي ليس كسائر المرشحين. فهو برنامجه وهو ايضا "التركة" التي ستثقل على المرشحين الموارنة بما يمثل من انجازات وتبعات، سواء كان التمديد واردا ام سقط نهائيا. والهراوي ليس كأسلافه من الرؤساء لان عهده أسقط على لبنان فاصلا بين جمهوريتين، ولو انه حكم تسع سنين بهاجس الحكام الموارنة الذين سبقوه والذين طاردته "لعنتهم" في دستور الطائف جاعلة منه رمز الانقلاب السياسي الجديد في لبنان. إجراء مسح لعهد الهراوي هو بعيد كل البعد عن أي محاولة لمحاكمة العهد او لتلميع صورته. فالتاريخ وحده يحكم على العهود. ومن المبكر جدا الحديث عن حكم مع او حكم ضد ما دام اختيار خليفة الهراوي يجري بالنسق نفسه الذي أوصله، مما يعني ان ما أرساه عهده سيستمر الى أمد طويل، تنعدم معه الظروف الموضوعية للتأريخ. مع الياس الهراوي بدأت مرحلة تحول جذري في لبنان وكان عنوانها اتفاق الطائف وبداية نهاية الحرب فيه. لكن لبنان قبل ذلك كان مختلفا ولم يعد نفسه بعد الحرب كما كان قبلا. الياس الهراوي شكل رمز هذه المرحلة الانتقالية بين لبنان الامس ولبنان اليوم. هو لم يصنع هذا التحول الذي كان حصيلة توافق اقليمي دولي عزّ نظيره في زمن الحرب بل رأس حربة فيه. ولعل الاختيار رسا عليه في هذه المهمة نظرا الى كونه من رعيل سياسي بدأ يغيب، فكانت الحاجة اليه مضاعفة لمعايشته الجمهورية الاولى، جمهورية الاستقلال برموزها الكبيرة وقدرته على العبورالى الجمهورية الثانية بكل ما تقتضيه من اثمان عزّ وجود مثيل للهراوي قبل بدفعها وتحمل تبعاتها. وحده الهراوي أبدى استعدادا لخوض هذه التجربة يدفعه طموح وشغف الى الرئاسة لم يفارقانه في أشد الازمات وطأة. وهو القائل امام المسؤولين السوريين قبل ان يصبح رئىسا "ما تطلبونه من غيري، استطيع انا ان اقدمه". عبر الياس الهراوي في عهده الى عصر سياسي جديد. وكان رمز عبور لبنان الى ما لم يكن عليه من قبل. دستور جديد انبثق من اتفاق الطائف، ساهم الهراوي في وضعه، مع مجلس نواب منتخب عام 1972، في مدينة الطائف في السعودية. بعد إطاحة العماد ميشال عون رئيس الحكومة العسكرية التي سلمها الرئيس امين الجميل السلطة لعدم امكان اختيار خلف له، ازيلت الحواجز التي كانت اقيمت بين شطري العاصمة الغربي والشرقي منذ بداية الحرب في لبنان عام 1975، لملمت اثار الدمار وبدأت مسيرة احياء لبنان ومؤسساته الدستورية واداراته. آمن الهراوي باتفاق الطائف الذي تحول دستورا جديدا في 21آب 1990 سبيلا لاخراج لبنان من الحرب وانبعاثه من جديد. فبدأ تنفيذه بتوحيد الجيش اللبناني وحل الميليشيات واعادة تنظيم الاعلام وتنظيم العلاقات المميزة بين لبنان وسوريا فربطت بين البلدين معاهدة "الاخوة والتعاون والتنسيق"في 22 ايار 1991. على ان ذلك لم يمر دون شوائب جسيمة كان يمكن تجاوز انعكاساتها في بلد ناهض من الحرب لولا انها ساهمت في ارساء خلل جديد في التركيبة السياسية في لبنان. فحكومات التوافق الوطني اختل مضمونها بعد نفي عون الى فرنسا وسجن قائد "القوات اللبنانية" سمير جعجع ومحاكمته وخلو الساحة المسيحية من القيادات السياسية. حل الميليشيات لم يطاولها جميعها تحت عناوين وشعارات مختلفة. وزعت وسائل الاعلام محاصصة طائفية وسلطوية. "الترويكا" الرئاسية اختزلت المؤسسات وغيبتها. الفساد السياسي التهم اي محاولة جادة لتطهير الادارة والدولة. والازمة الاقتصادية والاجتماعية ابتلعت كل الاحلام والوعود وباتت تهدد الاقتصاد بالانهيار مع بلوغ الدين العام ارقاماً خيالية. وطبعا كل ذلك فيما جوهر اتفاق الطائف لم ينفذ فلا اعادة انتشار القوات السورية حصلت ولا نفذ القرار 425 القاضي بانسحاب اسرائيل من الجنوب اللبناني. I - سوريا ركيزة ونقطة انطلاق الثابتة الاساسية وشبه الوحيدة في عهد الهراوي علاقاته الوثيقة جدا مع سوريا والتنسيق الدقيق مع رئيسها في كل شاردة وواردة تتصل بالقضايا المصيرية او حتى الداخلية. لم يبخل في العطاء مع سوريا ولم يعط رئيس لبناني سوريا كما اعطاها اياه الهراوي. رغب في ان يكون بالنسبة الى دمشق رجل قرار يمكن الاعتماد عليه ورجل انقاذ لبنان بالاعتماد على سوريا. فاظهر ثباتا على خياره السوري الذي انتخب على اساسه ولم يظهر اي نية او كلاما او تصرفا في الخروج على هذا الخيار. ولا يذكر احد انه سمع الهراوي منتقدا اي شيء يمكن ان يمت الى هذا الخيار بصلة رغم تعليقاته اللاذعة التي يوزعها في كل الاتجاهات من دون استثناء. كان همه الاساسي منذ انتخابه كسب ثقة الرئيس السوري حافظ الاسد ونسج علاقة صداقة معه. حين كان لا يزال في المقر الرئاسي الموقت في الرملة البيضاء يبحث عن طريقة استعادة مقومات الجمهورية معانيا من وحدة قسرية فرضها انحسار الزوار نتيجة الحماية الامنية المشددة حوله واشتداد الانقسامات اللبنانية، لم ينكر الهراوي ان طموحه في كسب ثقة الرئيس السوري دفعه حتى حزيران 1990 الى عقد 19 قمة مع الاسد والمسؤولين الكبار في دمشق جلها غير معلن وحصلت سرا، منتقلا الى العاصمة السورية متخفيا برا او جوا خشية اثارة المزيد من الحساسيات الداخلية مسيحيا واسلاميا. كان انزعاجه اساسيا في ذلك الوقت من حرص رئيس مجلس النواب حسين الحسيني ورئيس الحكومة سليم الحص على مشاركته في هذه القمم وعدم اتاحة الفرصة امامه للتنفس من دونهما. كانا دوما الى جانبه وخصوصا في دمشق، في القمم التي عقدت وغالبيتها موسعة، الهراوي جالسا على كنبة واحدة يحوطه الحسيني والحص. والحسيني لا يربطه ود بالهراوي منذ التحالف الوثيق بين خصم الهراوي التقليدي والتاريخي في زحله جوزف سكاف والرئيس السابق لمجلس النواب الذي لم يكتم بعد اغتيال الرئىس رينه معوض في 22 تشرين الثاني 1989 حماسته الشديدة لتزكية النائب بيار حلو مرشحا رئاسيا لدى المسؤولين السوريين وعدم رغبته في وصول رئيس من البقاع ومن زحله تحديدا يستقطب الزعامة البقاعية. هذا الود المفقود جاهر به الهراوي امام نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام قبل ساعات من انتخابه. كان العميد غازي كنعان قائد جهاز الامن والاستطلاع في القوات السورية العاملة في لبنان قد ابلغ اليه في فندق بارك اوتيل شتوره الذي انتقل اليه النواب من بيروت من اجل انتخاب رئيس جديد، فشل محاولات اقناع بيار حلو بترشيح نفسه ورغبة خدام في لقائه لابلاغه أمراً ما. توجه الهراوي الى دمشق حيث زف اليه خدام نبأ تزكيته للرئاسة الاولى. قال له: انت مناسب والان وقتها. وأضاف: بيار حلو لا يريد الرئاسة، مخايل ضاهر لم يعد واردا، سليمان فرنجيه (الجد ) لا نستطيع ايصاله بقرار دولي. رد الهراوي بان الحسيني يتحفظ عن ترشيحه ولن يدعمه. أجابه خدام ان الحسيني سيتبنى ترشيحه. وفي طريق عودته من دمشق، تلقى الهراوي اتصالا من خدام الذي طلب اليه ان يمر الى بلدة شمسطار لاصطحاب الحسيني الى جلسة انتخابه التي ستتم في بارك اوتيل شتوره. كانت مخاوف الحسيني في محلها، فلم يلبث ان انحسر دوره بعد الانتخابات النيابية الاولى في ظل دستور الطائف التي جرت صيف 1992 والتي فاز فيها وحده مع النائب يحيى شمص من لائحته، لكن بعد نجاحه في تثبيت مشاركة الطائفة الشيعية في قرار السلطة التنفيذية من خلال "ترويكا" الرئاسات فضلاً عن استئثار الطائفة برئاسة السلطة التشريعية. لم تكن علاقة الهراوي بالحص اقل وطأة من علاقته بالحسيني. فالحكومة الاولى في عهد الهراوي التي ترأسها الحص هي من تركة الرئيس الراحل رينه معوض وكان على وشك اعلانها قبيل اغتياله. وورثها كاملة مع تعديل طفيف طاول شخصين فقط اذ حل النائبان ادمون رزق والياس الخازن المارونيان مكان النائبين اوغست باخوس وبيار حلو اللذين كان معوض رشحهما للوزارة الاولى. وشكا الهراوي الطامح في بداية عهده الى ممارسة صلاحيات رئىس للجمهورية لم تتضاءل بفعل اتفاق الطائف من سعي الحص الى ممارسة مهماته كرئيس حكومة بصلاحيات جديدة ضاعفها اتفاق الطائف نفسه. لم يتأخر سعي الهراوي وسط هذه الاجواء الى ابدال الحص بعد سنة وشهر واحد من تسلمه الرئاسة وتأليف الحكومة الاولى في عهده، في حين طال وجود الحسيني الى جانبه حتى الانتخابات النيابية صيف 1992، وقد خلفه في رئاسة مجلس النواب رئيس حركة "امل" نبيه بري الفائز القوي في محافظة الجنوب بلائحة مكتملة من 22 نائبا، والذي لم تخل علاقته بالهراوي من تجاذب كان يخف او يشتد بنسبة تحالف الهراوي ورئيس الحكومات الثلاث الاخيرة في عهده بعد الانتخابات النيابية نفسها رفيق الحريري، فتقوى هذه العلاقة متى اختلف الهراوي والحريري وتضعف متى اتفقا. لكن الهراوي حافظ على وتيرة واحدة من تأييده لبري دعما لزعامة شيعية معتدلة في مواجهة شيعية اصولية يتزعمها"حزب الله". الفرصة الاولى التي اتيحت امام الهراوي لكسب ثقة الاسد اطلت في تشرين الاول 1990 حين برزت معطيات اقليمية تمثلت في حرب الخليج الاولى اعطت الضوء الاخضر لاطاحة العماد عون عسكريا. فاجأ الهراوي السوريين بتغطيته منفردا دخول الجيش السوري الى المناطق الشرقية من العاصمة حيث سيطرة عون بعدما امتنع رئيس الحكومة سليم الحص عن الموافقة عليها، وكذلك عمر كرامي وزير التربية والفنون الجميلة في حكومة الحص. اوفد الهراوي صهره فارس بويز مزودا رسالة منه الى دمشق تطلب مساندة رسمية من الجيش السوري، بعد انعقاد قمتين علنيتين للتنسيق في 19 آب و29 ايلول 1990. كان التنسيق كاملا حول دقائق المعركة وحيثياتها وتم تحديد السادسة صباح السبت 13 تشرين الاول 1990 الساعة الصفر لبدء العملية وتحليق الطائرات السورية فوق بعبدا. ولم يبلغ الهراوي الموعد بدقة حتى الى عائلته واقرب المقربين اليه الا قبل ساعة واحدة طالبا بقاء كل منهم في مكانه حرصا على سلامته. وسرى قلق كبير من احتمال توقف العملية بعد تأخر الطائرات السورية في التحليق خشية ان تؤثر على صدقية التهديدات التي كان يطلقها الهراوي منذ انتخابه في 24 تشرين الثاني 1989 باستعادة السلطة ومقر الحكم في بعبدا في انتظار الساعة المناسبة. لكن سرعان ما انجلى الامر عن خطأ في تنسيق فارق الوقت بين بيروت ودمشق نتيجة استمرار العمل بالتوقيت الصيفي في لبنان. وحين اعترضت فرنسا التي كانت مؤيدة لعون على الدخول العسكري السوري الى المناطق الشرقية وقررت تقديم شكوى لدى مجلس الامن، وقف الهراوي في وجهها بشدة معترضا على"التدخل الفرنسي"في شؤون لبنان الداخلية وتقديم شكوى بهذا المعنى الى مجلس الامن في المقابل. اثارت صلابة موقف الهراوي دهشة السوريين الذين لم يتأخروا في ابداء تقديرهم له في قمة ثنائية مع الرئيس السوري خص الهراوي فيها باستقبال اكتسب ابعادا مهمة. فسار الهراوي في مطار دمشق على السجادة الحمراء التي امتدت من سلم الطائرة الى المنصة الرئيسية حيث وقف قرب الرئيس السوري الذي استقبله في المطار يستمع الى النشيدين الوطنيين اللبناني والسوري قبل ان يقدم له الاسد اركان حكومته ومعاونيه الكبار. كانت تلك لفتة رمزية معبرة، اعترض على اثرها الرئىسان الحسيني والحص على تفرد الهراوي بزيارة دمشق وعقد قمة ثنائية مع نظيره السوري، فرد الهراوي بان الدعوة وجهت اليه شخصيا واحالهم للشكوى على القيادة السورية.  قبيل انعقاد مؤتمر مدريد في تشرين الاول 1991 كان الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في وضع داخلي فلسطيني لا يحسد عليه في ظل نزاعات داخلية حول تمثيل الفلسطينيين في المؤتمر بينه وبين فيصل الحسيني واعتراضات حركة المقاومة الاسلامية "حماس". بدأت المخيمات الفلسطينية في لبنان تغلي بهذه التناقضات وخشي الهراوي والحكومة برئاسة عمر كرامي الذي خلف الحص انعكاسات هذا الغليان على الوضع الداخلي في لبنان. توجه الهراوي الى دمشق حيث التقى نظيره السوري وابلغ اليه خشية لبنان من انفجار المخيمات وسأله امكان ان يحل الجيش السوري مكان عناصر الجيش اللبناني على الحواجز لكي تتفرغ هذه العناصر لمواجهة اي مشكلة تنشأ في المخيمات، وامكان امداد الجيش بالذخيرة اللازمة لتمكينه من المواجهة. تلكأ الرئيس عمر كرامي في المشاركة في قرار توجه الجيش الى مخيم عين الحلوة في صيدا وغادر بيروت الى طرابلس تفاديا للاحراج.فيما اخذ الهراوي على عاتقه هذه المسؤولية. وقد قتل نتيجة المواجهة ضابطان مسيحيان. في اليومين اللذين اعقبا المواجهة مع الفلسطينيين تصاعدت الاصوات في بعض الدول العربية مستنكرة ومنددة، فادار لها الهراوي اذناً صماء. وحين اعلن نائب الرئيس السوري ان هذا الامر غير مقبول ويتوجب وضع حد له بسرعة، كان كل شيء قد انتهى. هذا الحادث اثار لدى القيادة السورية مزيدا من التقدير للهراوي وساهمت الانتخابات النيابية صيف 1992 في تعميقه وتثبيته اكثر فاكثر. فازاء فشل ابنه روي الذي عين نائبا في حزيران 1991 وفقا لما نص عليه الدستور المنبثق من اتفاق الطائف بزيادة عدد النواب الى 108 مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، لم يصدر عن الهراوي اي تذمر علني او انتقاد لهذه الانتخابات التي شابها عيب جوهري في مقاطعتها من اللبنانيين بنسبة تعدت 80 في المئة، ولو انه عتب ضمنا على العميد غازي كنعان معتبرا انه لم يبذل قصارى جهده تجاه ابنه. لكن هذا العتب لم يلبث ان تبدد سريعا ولم يأخذ حيزا من الاهتمام لدى الهراوي الذي احسن مواجهة النكسات المماثلة افضل من شركائه في الحكم. فالرئيس حسين الحسيني لم يتوان في اثناء انتخابات 1992 ازاء الصعوبات التي واجهت اللائحة التي ترأسها عن اتهام اجهزة بالتحرك ضده. وقدم استقالته من رئاسة مجلس النواب احتجاجا على الانتخابات التي اعتبر نتيجتها مؤامرة عليه.ورغم انه جمدها بعد عريضة نيابية طالبته بالعودة عنها، الا انه قاطع جلسات المجلس المنتخب حتى نهاية مدته. وكرر الرئيس عمر كرامي بدوره في الانتخابات النيابية عام 1996 الاتهامات نفسها ومقاطعة جلسات مجلس النواب الحالي.  تجربة الثقة بين الهراوي والقيادة السورية احتاجت الى السنوات الاربع الاولى من عهده لكي تترسخ بعمق. فلم يلبث ان اختلف الاستقبال السوري للرئيس اللبناني في دمشق واضحى اكثر حميمية مراعاة لبعض الشكليات التي لا يقيم لها السوريون وزنا، واتيح لبعض معاوني الهراوي مرافقته الى المقر الذي يعقد فيه اللقاء مع الرئيس السوري وليس انتظاره في مكان آخر. بات السوريون يتفاهمون جيدا والهراوي ولم يعد يحتاج اقناع واحدهما الاخر بفكرته الى وقت طويل، وقد وثقوا بايمانه الواقعي بالعلاقات المميزة والعميقة بين لبنان وسوريا ويصعب زعزعة هذا الايمان وفق ما اثبتت تجربة الاعوام الاخيرة. لم يكن ايمان الهراوي بهذه العلاقات جديدا في الواقع. وحين رشحته سوريا لخلافة معوض، كانت واثقة بانه الرئيس الاكثر ملاءمة لها ولمفهومها للعلاقة مع لبنان، رغم شكها الدائم والبديهي في الظروف والمعطيات الاقليمية والدولية التي قد تطرأ وتفرض تعديلات قسرية على توجه لبنان وموقعه ازاءها. فمعرفة المسؤولين السوريين بالهراوي تعود الى احداث زحله عام 1981. اذ كان عراب التسوية بينهم وبين "القوات اللبنانية" بقيادة بشير الجميل الذي كانت تربطه به علاقة صداقة، وسار في طليعة القافلة التي اخرجت عناصر القوات من زحله تجنبا لتدميرها بعد حصار القوات السورية للمدينة ومقاتلة عناصر القوات فيها. واضطلع الهراوي بدور وسيط خير في نقل الرسائل بين الطرفين. كان يتصل بخدام قائلا: رومل (عن بشير الجميل) يريد كذا او زورو رأيه كذا. وفاته ان الاتصالات الهاتفية تخضع للمراقبة. وسأله بشير الجميل مرة لدى لقائه من تزور اليوم رومل ام زورو؟ ربطت الهراوي واولاده بالمسؤولين السوريين بعد احداث زحله علاقات تجارية ونشأت صداقة بين ابنه جورج وجهاد ابن نائب الرئيس السوري انعكست ايجابا على موقع الهراوي في زحله وترجمت ميدانيا في عدم افساح المجال امام الميليشيات وقوى الامر الواقع للتعدي على املاكه او على احد افراد عائلته.الا انه لدى اعلان الموفد الاميركي ريتشارد مورفي عام 1988 واثر لقاء مع الرئيس الاسد ونائبه خدام عن ترشيح مخايل ضاهر، تحفظ الهراوي العضو في"تجمع النواب الموارنة المستقلين"مع بطرس حرب واوغست باخوس وجبران طوق وطارق حبشي والذي كان نشأ في 2 آذار 1978. وكان هذا التحفظ سببا لجفاء بينه وبين المسؤولين السوريين سرعان ما زال اثر زيارات متكررة للهراوي لعنجر حيث مقر القيادة العسكرية السورية في البقاع ولدمشق.  تحفظ الهراوي عن مخايل ضاهر لم يكن دافعه سوى طموح شخصي الى تأمين بديل من مرشح ترفضه بكركي والقوى المسيحية المؤثرة على الارض. فشغف الرئاسة داعبه منذ نجاح وساطته في احداث زحله عام 1981. وراوده اكثر قبيل انتهاء ولاية الرئيس امين الجميل حين توسعت علاقاته لتطاول سفراء الدول المؤثرة المعتمدين في لبنان وتوثقت مع المسؤولين السوريين. فلم يفته ان يوجه الرسالة المناسبة في هذا الاطار في البرنامج الرئاسي "ايها اللبنانيون" الذي كانت تعده الزميلة مي كحالة ل"المؤسسة اللبنانية للارسال" عام 1988، وعينها لاحقا مستشارته الاعلامية في الرئاسة الاولى. في تلك المقابلة، ندد الهراوي بالذين يسعون الى طلب الحلول للحرب في لبنان بعيدا في الغرب في حين ان الحل يكمن لدى الجار الاقرب الذي هو سوريا. في ذلك الحين حمل ميشال المر شريط المقابلة الى خدام لاطلاعه على ما يقوله الهراوي عشية الانتخابات الرئاسية. وعاد المر ليكون ابرز داعمي ترشيح الهراوي والوسيط القوي لانتخابه بعد اغتيال معوض مردداً امام السوريين انه يرى في الهراوي الشخص القوي الذي يستطيع فتح صفحة جديدة في لبنان ويضع حدا للنزف. وحرص الهراوي على رد مسعى المر باحسن منه، فسعى الى توزيره في حكومة الرئيس الحص،الاولى في عهده، لكن ترشيح معوض ميشال ساسين للوزارة وتمسك الحسيني بهذا الترشيح ارجأ توزير المر الى الحكومة الثانية ومنها الى الحكومات الاخرى في عهد الهراوي وحتى نهايته. والشغف بالرئاسة لم يفارق الهراوي لحظة ابان الاعداد لاتفاق الطائف في السعودية كما اثناء تحضيرات النواب في باريس التي انتقلوا اليها بعد الطائف لانتخاب رئىس جديد للجمهورية. كل المؤشرات كانت تدل على ان لرينه معوض الحظ الاكبر، ولم يكن الهراوي بعيدا عن هذه الاجواء. بل كان يتابع عن كثب مجريات الامور واجتماعات النواب معوض وبيار حلو ونديم سالم وجورج سعاده في فندق "رويال مونصو" الباريسي وفي منزل الشيخ رفيق الحريري، واستعد لترشيح نفسه للرئاسة مع معوض وسعاده. بدا ترشيحه في ذلك الوقت وكأنه يسجل اسمه على لائحة المرشحين المحتملين لكي يحفظ حقه او حظه الذي لم يتأخر في البروز بعد اغتيال معوض. كان ترشيحه خميرة زرعها الهراوي في الوقت المناسب. وحده النائب نديم سالم لم يترك الهراوي لحظة في باريس في عز انشغال الجميع برينه معوض. حتى حين التقى معوض وسالم والهراوي وروبير بولس المطران غفرائيل الصليبي الى غداء في فندق "بلازا اتينيه" في العاصمة الفرنسية ، نصح الصليبي سالم بتأييد معوض اذ لا حظ يذكر للهراوي. فرد النائب الجزيني الذي كانت تربطه بالهراوي صداقة ترقى الى زمن تردد كل منهما الى منزل الرئيس كميل شمعون: اذا ظل الياس مرشحا منافسا لرينه فسأصوت له. وقد صوت له فعلا اذ نال الهراوي في دورة الاقتراع الاولى في جلسة الانتخاب التي جرت في مطار القليعات في 5 تشرين الثاني 1989 خمسة اصوات في مقابل 36 صوتا لمعوض و16 صوتا لجورج سعاده. وقد صوت للهراوي الى سالم والهراوي نفسه النواب نصري المعلوف، حسين منصور، وعبد المولى امهز. ولم يصوت له النواب زملاؤه في "تجمع النواب الموارنة المستقلين" لعدم ثقتهم بحظه النجاح في هذه الانتخابات. والشغف نفسه بالرئاسة الاولى اكتسب شرعية اكبر بعد اغتيال معوض. اذ في عز انشغال النواب المفجوعين بمقتل رئيس الجمهورية بايجاد بديل منه بمحاولتهم اقناع بيار حلو بالترشح، بدا الهراوي مراقبا صامتا. بيار حلو رفض ان ينتخب رئيسا مرددا انه لا يريد الموت ولا يود اللحاق بصديقه رينه معوض. "قررت ان اكون شهيداً وان اترشح"، قال الهراوي في "بارك اوتيل" شتوره قبيل انتخابه. لكن الامن السوري كان هو الضمان هذه المرة منذ اللحظات الاولى لانتخابه. دوائر امنية متعددة اكبرها للقوات السورية الموجودة بكثافة في منطقة البقاع ومن ضمنها دائرة للجيش اللبناني وضمنها دائرة لحراسة شخصية موثوق بها من اقرباء الهراوي وابنائه الذين امنوا مراقبة دقيقة لزواره، للطعام الذي يقدم اليه، للغرفة التي ينام فيها وقد وضع قرب بابها الذي ابقي مفتوحا جزئيا سرير نام فيه حراس شخصيون مهمتهم الاساسية مراقبة وتيرة تنفسه. اقام الهراوي اياما معدودة في "بارك اوتيل" شتوره حيث وافاه العميد اميل لحود المرشح لتسلم قيادة الجيش مكان العماد ميشال عون. في اليوم التالي لانتخاب الهراوي في 24 تشرين الثاني 1989 صدر مرسوم تأليف حكومة الرئيس سليم الحص وبعد ثلاثة ايام اعفي العماد عون من مهماته وعين العماد اميل لحود مكانه. بعد تجهيز مكان اقامة موقتة للهراوي في ثكنة ابلح حمل اليه مسؤول في المخابرات اللبنانية بزة عسكرية كي يلبسها تمويها ورافقه عبر مصعد داخلي في الفندق الى سيارة عسكرية من ضمن مجموعة مواكبة امنية مموهة يفترض بها ان ترافق السيارة الرئاسية الرسمية الى ابلح وساهم في تعزيزها حراسة شخصية اخرى وفرها ابناء الهراوي تضاف الى الحراسة الامنية المشددة للجيش اللبناني. في ثكنة ابلح، كان التحدي مزدوجا امام الهراوي : تحدي اثبات وجوده كرئيس منتخب قادر على لملمة اشلاء الجمهورية التي لا يملك منها حتى الاوراق الممهورة بختم الرئاسة الاولى من اجل اصدار المراسيم الملحة وهو لا يعلم من يواليه ومن يوالي عون ومن اين يبدأ في غياب ابسط مقومات الجمهورية، وتحدي اثبات قدرته على ان يكون رئيسا لحل الازمة في لبنان وليس لادارتها. - تتمة المنشور في الصفحة 6 - بعد 43 يوما على وجوده في ابلح، اصطحبه العميد كنعان الى مقر موقت في منطقة الرملة البيضاء في بيروت يملكه رفيق الحريري على بعد امتار من فندق البوريفاج، المقر الرئيسي لقيادة المخابرات السورية في بيروت خلال الحرب في لبنان وقد اقام في دائرته الامنية وزراء ونواب من حلفاء دمشق في بداية عهد الجمهورية الاولى لاتفاق الطائف. حرص الهراوي على ان يكون في بيروت في 5 كانون الثاني 1990 لاقامة استقبال للسلك الديبلوماسي في مناسبة السنة الجديدة تأكيدا للاعتراف الدولي بشرعيته. كان المقر الرئاسي خطوة على طريق استعادة مقر السلطة الشرعية في بعبدا. لكن كان على الهراوي الانتظار حتى انتهاء ترميم القصر الجمهوري للانتقال اليه في 28 تموز 1993 بعدما رفض اهالي بعبدا رفضا قاطعا تأمين سكن للرئيس في محيط القصر او في جواره. وللمفارقة الدراماتيكية، لم تتح الاعتداءات التي كانت تشنها اسرائيل على الجنوب في ذلك الوقت امام الهراوي التمتع بلحظة تاريخية حلم بها دوما هي تسلمه مقر السلطة الشرعية في بعبدا. II- ود مفقود مع المسيحيين "ظلم ذوي القربى اشد مضاضة"، إذ ان ملف العلاقات بين الرئيس الهراوي وابناء طائفته مثقل بسوء التفاهم او حتى بالعداء، فلا هو استوعب المسيحيين، ولا هم والوه. وبدا الهراوي الذي"تبرأ"من طائفته على انه رئيس للجمهورية ولا يمثل طائفته في الحكم بل جميع اللبنانيين، وقد"تبرأ"منه المسيحيون بدورهم فلم يدعموه مرة او يدافعوا عنه، ولا عبروا له عن عاطفة لم يبخلوا ببعض منها على احد شركائه في الحكم في تشكيك ضمني ولكن واضح في قدرته هو شخصيا على ترجمة تطلعاتهم ومطالبهم. ولم ينحصر سوء التفاهم بمرحلة محددة من عهد الهراوي، بل سرى على كل عهده. وتوجت معارضة البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير لمشروع الهراوي حول الزواج المدني الاختياري مدعومة بمعارضة شرسة من القيادات الروحية الاسلامية للمشروع في السنة الاخيرة من ولاية الهراوي الممددة مجموعة من الاحتقانات في العلاقة بينه وبين صفير فجرها رئيس الجمهورية في خرقه التقليد المتبع في زيارة بكركي يوم الجمعة العظيمة اذ استعاض عن الزيارة بخطاب ناري في كنيسة مار انطونيوس في مسقط رأسه زحله فجر كل غضبه المتراكم منذ السنوات الاولى من عهده. كانت معارضة كل الزعامات والقيادات في كفة ومعارضة رأس الكنيسة المارونية في كفة اخرى. في علاقة الهراوي بالمسيحيين اكثر من ملف وقضية. وصوله اولا الى سدة الرئاسة الاولى في ظروف ملتبسة تمخضت عنها 24 ساعة من الاتصالات السورية - اللبنانية بعد مقتل الرئيس رينه معوض جعل من الهراوي في نظر المسيحيين مرشح سوريا من دون منازع في عز تجييش نفسي ضد اتفاق الطائف وموقعيه من النواب. فكان رئيس الجمهورية الوحيد الذي لم يهلل المسيحيون لوصوله الى سدة الرئاسة ولم تطلق رصاصة واحدة احتفاء وفرحا. لم يكن الهراوي بعيدا عن السوريين اصلا، لكن لم يكن يحمل كثيرون ملف ترئيسه الى دمشق، باستثناء الوزير ميشال المر الذى حمل الى نائب الرئيس السوري نص المقابلة التلفزيونية التي اجراها الهراوي عام 1988. وظلت علامات الاستفهام السورية قائمة حول الهراوي كرئيس رغم علاقاته الوثيقة معهم في عز البحث عن رئيس يخلف الرئيس امين الجميل. ففي اثناء اجتماعات النواب في الطائف عام 1989 التي بدا محتما انها ستؤول في ختامها الى انتخابات رئاسية، سعى المسؤولون السوريون الى اقناع الرئيس سليمان فرنجيه بترشيح نائب زغرتا رينه معوض. كان صعبا ان يقبل فرنجيه بمرشح من زغرتا يمكن ان يؤثر على زعامته، ولم يكن ممكنا دعم ترشيح فرنجيه مجددا بعد فشل ترشيحه في 18 آب 1988 وممارسة القوى المسيحية الفاعلة على الارض ضغوطا على النواب حالت دون انعقاد جلسة الانتخاب في قصر منصور. واوضح السوريون لفرنجيه ان الخيارات محصورة بثلاثة مرشحين: مخايل ضاهر الذي لا يقبل به المسيحيون مجددا. وكان الجيش اللبناني بقيادة العماد ميشال عون وقائد "القوات اللبنانية" سمير جعجع اجهضا الاتفاق الاميركي - السوري لترشيح ضاهر رافضين مرشحا"فوقيا"هدد به الموفد الاميركي الى لبنان وسوريا للبحث في الانتخابات الرئاسية ريتشارد مورفي بعد لقاء له مع الرئيس السوري بقوله "اما مخايل ضاهر واما الفوضى". والمرشح الآخر، قال المسؤولون السوريون لفرنجيه الجد الذي كان يرافقه سليمان الحفيد هو الياس الهراوي صديق جوني عبده، رئيس جهاز المخابرات في عهد الرئيس الياس سركيس الذي كان جواز مرور الهراوي الى تسلم وزارة الاشغال العامة في حكومة الرئيس شفيق الوزان الاولى فى عهد سركيس عام 1980.وكانت لفرنجيه حساسية خاصة ضد جوني عبده. ولا يبقى من المرشحين سوى رينه معوض الذي يمكن ان تحتضنه وهو الواعي بدقة حساسية التركيبة السياسية في لبنان والشمال على السواء. لم تكن مسألة اطاحة العماد ميشال عون في 13 تشرين الاول 1990 مثار خلاف بين الهراوي وصفير مع ان ما نقله وسطاء عملوا مع السفير الفرنسي رينه الا على خط اعتراف عون بالشرعية من رسائل بينه وبين الهراوي سمح لهم بالجزم امام البطريرك بان الهراوي اخل بمضمون اتفاق قضى بتسليم عون بمبادرة مجلس الوزراء في تموز 1990 والانضواء في السلطة الشرعية الجديدة، وقاطع هؤلاء الهراوي طوال عهده بعد ذلك، بل ان ثمة مجموعة مسائل تشكل جوهر الخلاف وهي كانت في اساس انطلاق الهراوي في حكمه واسلوبه. هذه المسائل تتابعت فصولها بشكل لا يرضي المسيحيين وكأنما الهراوي يحاول تعويض المسلمين كل الخلل الطائفي والسياسي قبل اتفاق الطائف في السنوات الثلاث الاولى من عهده: الخلل في التوازن الوطني في تأليف الحكومات، اتهام قائد "القوات اللبنانية" سمير جعجع وسجنه في قضية جرت تبرئته منها اصلا، وساهمت تعليقات مسؤولين كالوزير وليد جنبلاط في إذكاء الاقتناع المسيحي عموما بان انفجار كنيسة سيدة النجاة في زوق مكايل عام 1994 استغل من اجل فتح ملف الحرب. وشكلت عظات البطريرك الاحد من كل اسبوع هاجسا للهراوي لم يستطع تجاوزه، بل كان مثار انتقادات لديه تتراكم عظة بعد عظة. والواقع ان الهراوي لم يحسن التعامل مع بكركي. كان البطريرك يفاجأ غالبا باقتراحات الهراوي ولم تكن تقنعه مبرراته واسبابه التي كان ينقلها موفدون. خطأ الهراوي ام الموفدين ؟ ام الاثنين معا؟ رغم حاجة رئيس الجمهورية الى تغطية مسيحية يؤمنها البطريرك الماروني لغياب الرأي العام المسيحي الداعم كان التنسيق معه ضعيفا.وغالبا ما اعتبر عظاته نسفا لجهوده في اتجاه ما مع السوريين او في الداخل. كانت تصل الى البطريرك تباعا اصداء انتقادات الهراوي اللاذعة. فاسلوب الهراوي ولسانه الصليت احدى أبرز نقاط ضعفه. لا يوفر زائرا او ضيفا من نكاته من الوزن الثقيل او تعليقاته المثقلة بالتعابير الزحلية، وهي تطاول الجميع امام الجميع. تطغى عليه طبيعته العفوية، يخرج عن مواقف يفترض ان تكون رسمية غير عابىء بالشكليات البروتوكولية متذرعا انه في عمر يسمح له بتجاوز هذه الشكليات وان يكون دوما على سجيته، في لقاءاته الرسمية كما في لقاءاته العائلية. فصورته واحدة ولا يعتقد بوجوب الظهور علنا بصورة مختلفة، ويتفلت من ضغوط القريبين منه وملاحظاتهم ويحرجهم في تبرير "التلطيشات" التي يطاول بها الجميع من دون تفريق بين مقام روحي او رسمي. لم يكن البطريرك يأبه لانتقادات الهراوي، بل كان يتفهمها لكنه شكك في قدرته على تغيير الامور او تحسينها. لذلك لم يكن مفعول"رسائل"الهراوي او التطمينات التي يحملها موفدوه الى بكركي يدوم طويلا. كان الملف مثقلا بين المرجعيتين المارونيتين السياسية والروحية. قانون الانتخاب غير المتوازن الذي اجريت على اساسه الانتخابات النيابية عام 1992 وادى الى مقاطعة مسيحية شاملة ساهم فيها الى حد كبير موقف البطريرك فنزع عن المجلس المنبثق من هذه الانتخابات شرعية تمثيله المسيحيين. وشاب انتخابات عام 1996 الاخطاء نفسها لجهة تمييز محافظة جبل لبنان عن سائر المحافظات واعتماد الاقضية فيها دوائر انتخابية. شكل مرسوم التجنس عام 1994 نقطة سوداء كبيرة في الملف المسيحي للهراوي واستمر يتراكم حتى قبل اشهر من نهاية عهده عبر ردود عنيفة عليه نظرا الى التغيير الديموغرافي الهائل الذي احدثه في تركيبة لبنان الطوائفية والسياسية والاجتماعية. وعلى اعتراف الهراوي بان الهوة بينه وبين المسيحيين كانت دوما على اتساع ولم يستطع ردمها في ابتكار ما يمكن ان يقرب بينهما، سعى الى استدراك الخطأ الذي نجم عن ملف التجنس الذي وهب الجنسية اللبنانية الى مستحقين من المقيمين على ارض لبنان وغير مستحقين وبينهم فلسطينيون وسوريون ومصريون. كانت سلبيات الملف اكثر بكثير من ايجابياته في ظل ارقام لعدد المجنسين يفوق الى حد كبير العدد الرسمي المعلن وظهرت مفاعيل هذا العدد في الانتخابات النيابية عام 1996 وفي الانتخابات البلدية والاختيارية الاولى في لبنان منذ عام 1963. اقترح الهراوي استدراكا اعداد ملحق للتجنس يشمل المغتربين اللبنانيين، وجلهم من المسيحيين، لكنه اصطدم بالعقبات المعهودة سياسيا وطائفيا. كان رد فعله متأخرا ولم يستطع تبرير عدم تشكيل لجنة قضائية تدرس طلبات التجنس تباعا بمعدل 20 الى 30 طلب شهريا وفق قانون متشدد يراعي التركيبة اللبنانية الطائفية الحساسة. هذه المسألة تركت اثرا كبيرا لديه، فلم يكن بطلا كما كان يريد ان يظهر عبر تخليه عن تحفظات معظم الرؤساء الذين سبقوه والذين حرصوا على عدم اعطاء الجنسية الا بمقدار متقتر للغاية. وهو اذ نجح في جانب واحد في ارضاء المسلمين زاد من اتساع هوة ابتعاده وعزلته عن المسيحيين. لم تكن تلك الملفات المصيرية الكبيرة وحدها ما يوسع هوة الخلاف بين الهراوي وابناء طائفته.اذ ان ظاهرة"الترويكا"سرعان ما تفاقمت بدورها، لا على المستوى السياسي العام مفجرة معارضة اسلامية ومسيحية ظلت تجرجر ذيولها مع كل قرار واتفاق وخلاف بين رئيس الجمهورية ورئيسي مجلس النواب والحكومة، بل ايضا بين الهراوي والمسيحيين حصرا. وكان الهراوي يقابل الشكوى المسيحية من اختلال التوازن السياسي والاداري بشكوى عارمة مماثلة من تقاسم الرئيسين نبيه بري ورفيق الحريري غالبية المراكز والمناصب الرئيسية في الدولة واستئثار مؤيديهما بالوزارات والادارات العامة في ما يبرره الهراوي بالاحباط المسيحي وعدم رغبة المسيحيين في المشاركة في مؤسسات الدولة. ورغم صحة هذه المبررات، لم يستقطب الهراوي النخب المسيحية الى مؤسسات الدولة واداراتها. وسجل عليه الحريري سابقة الاستعانة بمسيحيين في مناصب مهمة في الدولة كرئاسة المصرف المركزي، في حين لم ينجح الهراوي في اختيار مماثل، او انه لم يرد ذلك، وكانت النتيجة واحدة، وهي تكبير هالة الحريري وتكبير مأزق الهراوي. لم يحسن الهراوي كسب صفير الشريك المسيحي الاساسي في اتفاق الطائف الذي امنت مباركته له الدعم المعنوي القوي والزخم لاندفاعه ودفع ثمن هذه المباركة اعتداء مباشرا على شخصه وعداء مع رعيته. وما لبث الخرق المتمادي للاتفاق والتنفيذ العشوائي لبنوده ان اعادا البطريرك قسرا الى حيث الرأي العام المسيحي، اي المعارضة للسلطة وممارساتها.  على ان العطف والدعم اللذين افتقدهما الهراوي لدى ابناء طائفته توافرا له في بداية عهده لدى الطوائف الاخرى التي حيت في رئيس الجمهورية المسيحي "قراراته الشجاعة والجريئة"، وجلها استهدف، للمفارقة، الطائفة المسيحية. كانت قرارات شجاعة وجريئة في الواقع، وقد جاهر بعض الموارنة من المرشحين الدائمين للرئاسة الاولى بعدم قدرتهم على مجاراة الهراوي في قرارات مماثلة. بيار حلو رفض علنا ان ينتخب رئيسا اذا كان الثمن هو دخول الجيش السوري الى المناطق الشرقية التي كانت خاضعة لنفوذ العماد عون و"القوات اللبنانية". ولم يشارك الهراوي في قراره الاقتحام السوري للمناطق الشرقية رئيس حكومته سليم الحص وتحفظ عنه وزراء مسلمون آخرون مثلما عارض وزراء مسلمون ومسيحيون فرض حصار على المناطق الشرقية من العاصمة استباقا للعملية العسكرية ضد هذه المناطق. كان لهذه القرارات ثمن باهظ جدا لم يمانع الهراوي في دفعه، فظل رئيسا يمثل طائفته من خارج طائفته طوال سنوات عهده. واظهرت الانتخابات النيابية في زحله في 23 آب 1992 التي فشل فيها ابن الرئيس الهراوي روي ومحاميه شوقي فاخوري في الوصول الى الندوة البرلمانية ، ثم الانتخابات البلدية في آب 1998 وسقوط اللائحة التي دعمها الهراوي شخصيا ان الناس لا ينسون بسهولة ويقولون كلمتهم متى اتيح لهم. كان انتقاما لاهل زحله على طريقتهم، وسجلوا موقفا حازما ضد وصول من يمثل الهراوي او من يحظى بدعمه. فابن اخيه النائب خليل الهراوي الذي فاز في الانتخابات النيابية عام 1992 على ابن الرئيس روي الهراوي هزم في التحالف الذي جمعهما هو وروي تحت مظلة الرئيس الهراوي في الانتخابات البلدية صيف 1998. وفاز في المقابل المرشحون المدعومون من ابن الرئيس جورج في هذه الانتخابات وقد تحالف مع خصم والده التاريخي ايلي جوزف سكاف الذي استمر الهراوي"يحاسبه"على سياسة والده وخلافه الشخصي معه في"الكتلة الشعبية"التي كان يتزعمها جوزف سكاف واوصلت الهراوي الى الندوة البرلمانية في الانتخابات النيابية عام 1972. بدا الهراوي خصوصا في السنوات الاولى من عهده حاملا سيف الحق ينتصر للطوائف التي غبنت حقوقها قبل الحرب ولا يرحم ابناء طائفته اذا لزم الامر. لكن اطلاق صفتي الشجاعة والجرأة على قراراته لم يكن بريئا كليا. كانت الطوائف غير المسيحية تقدر للهراوي هذه المواقف لادراكها ضرورة دعمه والوقوف بجانبه ولتلاقي مصالحها المباشرة مع هذه القرارات. اذ سرعان ما كانت تسقط صفة الشجاعة عن قرارات تمس هذه المصالح او تطاولها. فلم تنسحب على قرار التصدي للتظاهرة التي نظمها "حزب الله" في الضاحية الجنوبية صيف عام 1993. وقتل فيها عناصر من الحزب اذ تحمل الهراوي وحده مسؤولية اعطاء الجيش اوامر بالتصدي للمتظاهرين المخالفين قرار منع التظاهر والتجمع المتخذ في مجلس الوزراء فيما تحفظ وزير الداخلية بشارة مرهج في حكومة الرئيس الحريري الاولى في عهد الهراوي عن دعمه ومساندته. ولم تنسحب هذه الشجاعة على قرار التصدي للشيخ صبحي الطفيلي المنشق عن "حزب الله" والثائر على الدولة مسيطرا على منطقة بعلبك واجزاء من البقاع في ربيع 1998. والشجاعة والجرأة تهاوتا بقوة مع مشروع الهراوي للزواج المدني الاختياري الذي وقفت القيادات الروحية الاسلامية ضده بعنف، وشرعت في محاربته علنا من دون ان توفر الهراوي من سهام انتقاداتها المؤذية. واطلقت دعوات الى الاعتصام والتظاهر ضد القرار في المساجد والجوامع. كان الخلل السياسي الذي انتهى اليه عهد الهراوي معبرا وواضحا في هذه المعركة: مشروع قانون للاحوال الشخصية جيشت الطوائف غير المسيحية كل قواها وتضامنت في كل المناطق لمناهضته في الشارع فاسقطته بالضربة القاضية، وقرارات مصيرية لا يملك المسيحيون سوى حق الاعتراض الكلامي عليها في عظة البطريرك الماروني الاحد في بكركي او في تصريحات اعلامية تجد دوما ردودا معاكسة مناسبة لها من مواقع طائفية او سياسية اخرى. III- أزمة رئيس الرؤساء يتقدم الهراوي الجيل السياسي الذي افرزه اتفاق الطائف بعد استيعاب الميليشيات في السلطة بمعرفته الدقيقة بالتركيبة السياسية والطائفية في لبنان. ويكاد يكون وحده في السلطة من الرعيل السياسي الذي عايش الاستقلال واحد ابرز رجالاته الرئيس كميل شمعون. كان الهراوي يتردد الى منزله مع شقيقه جورج وتأثر باسلوبه وشخصيته فسمى ابنته الثانية (زوجة وزير الخارجية فارس بويز) زلفا تيمنا بزوجة الرئيس الراحل. من معايشته للسياسة الشمعونية، تعرف الهراوي الى اللعبة السياسية الداخلية، فبدا براغماتيا في نسج العلاقات والتحالفات السياسية، محنكا في الحرتقات السياسية الداخلية وفي اللعب على التناقضات والتكيف مع الاحداث وتدوير الزوايا. وقد اكتسب الجرأة الكافية لكي "يطحش" دوما حتى في الامور التي لم يظهر اقتناعا بها اصلا. فردي، لا يتقبل المشاركة في القرار. فحذره وتشكيكه الطبيعيان دفعاه الى الاستغناء عن مستشارين ومساعدين كانت الرئاسة الاولى في امس الحاجة اليهم. وهم ان توافروا لم يكن يستمع الى آرائهم أو الاخذ بها في احسن الظروف متذرعا بحس فطري لديه في السياسة يتكل عليه بقوة. فهو ككل الرؤساء الموارنة لاعب اساسي، منفرد ووحيد، يجمع كل الاوراق في يده ويقرر في ضوئها ما يراه مناسبا ويدافع عن قراراته حتى النهاية ولو تبين له خطأه لاحقا. فكان ينجح احيانا كثيرة، الا انه كان يفشل احيانا اخرى كثيرة ايضا. لم" يدوخ" الهراوي بالسلطة وهي لم تغيره. بقي منسجما مع مواقفه بحكم الموقع الجغرافي لزحلة في وسط تحكمه معادلات محلية واقليمية. ولذلك ظل هو هو في المقار الرئاسية التي تنقل عبرها من ابلح الى الرملة البيضاء وصولا الى بعبدا. لم "يخطىء" في القضايا المصيرية الكبري وفق مفهوم الخطأ الذي رسمه اتفاق الطائف، وقد حافظ على وتيرة واحدة من التنسيق مع المسؤولين السوريين. لكن حسه الفطري لم يساعده في القضايا الداخلية وخذله مرارا. فسقط اقتراحه اجراء تعديلات دستورية بغية"تحسين"صلاحيات رئيس الجمهورية ولو من طريق مساواتها بصلاحيات الوزراء بتعديل المادة 56 من الدستور التي تحدد مهلة خمسة عشر يوما لاصدار رئيس الجمهورية المراسيم. كانت تجربة الهراوي خلال السنوات الست من ولايته الاولى كرئيس للجمهورية الحافز له لاقتراح التعديلات الدستورية وقد لمس عمليا ثغراً انطوى عليها مضمون اتفاق الطائف في تعديل صلاحيات رئيس الجمهورية. سارع الى اطلاق "قنبلة" التعديلات رسميا فور التمديد له في تشرين الاول 1995، تحفزه الثقة السورية في بقائه في سدة الرئاسة الاولى. لكن الرئيس بري، الخارج من هزيمة معنوية لمناهضته التمديد للهراوي، قفز على الفرصة لاستعادة النقاط التي خسرها في مواجهة الهراوي والحريري العاملين بقوة على خط التمديد. كان توقيت الهراوي اعلان اقتراحه خاطئا، رغم انه كان فاتح الرئيس السوري سابقا برغبته في اقتراح تعديلات دستورية ونصحه الاسد بضرورة انتظار الوقت المناسب. وغالبا ما كان توقيت الهراوي اعلان اقتراحاته ومشاريعه نقطة ضعف اساسية لديه، وعاملا جوهريا في خسارته معاركه السياسية الداخلية ازاء شريكيه في الحكم. خذل بري الهراوي في اقتراح التعديلات الدستورية متخوفا من اتفاق ثنائي بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة هدفه المعلن يضم اهدافا اخرى تطاول تعديل المادة 58 من الدستور المتعلقة بمشاريع القوانين المعجلة التي تحيلها الحكومة على مجلس النواب لاستعجال درسها خلال 40 يوما والا اعتبرت نافذة بمراسيم تصدر عن رئيس الجمهورية، معتبرا ان ما يسمى التعديلات الطفيفة هي الخطيرة وتحديدا المادة 58 منزها الهراوي عن الرغبة في تقصير ولاية رئيس مجلس النواب التي اصبحت بموجب اتفاق الطائف لاربع سنوات هي مدة ولاية المجلس. لكن الهراوي الراغب ايضا في استعادة صلاحيات رئيس الجمهورية في حل مجلس النواب جبه ايضا وبعنف اشد من النواب الموارنة الذين لم يوافقوه الرأي وحملوه شخصيا تبعة عدم ممارسة صلاحيات رئيس الجمهورية المنصوص عليها في الدستور ممارسة صحيحة. معارضة النواب الموارنة، رغم ان معظمهم مرشحون بديهيون للرئاسة الاولى، التعديلات الدستورية التي اقترحها الهراوي زادت طين العلاقات بلة بينه وبينهم وشكلت ضربة قاصمة للهراوي في بداية ولايته الممددة ثلاث سنوات جديدة. كانت مجاهرة النواب الموارنة، ومن بينهم اقرب المقربين للهراوي في بداية عهده كالنائبين بطرس حرب ونسيب لحود بوقوفهم ضد اقتراح رئيس الجمهورية بعدم التصويت ضد التمديد له في المجلس النيابي من منطلق مبدئي رافض لأي تعديل دستوري، نقطة تحول في علاقات الهراوي مع شخصيات سياسية مسيحية خاضت معه جنبا الى جنب حرب تسويق اتفاق الطائف وايجابياته والدفاع عنه لدى المسيحيين، وقد احرجها اقتراح الهراوي ولم تنفذ بعد بنود اساسية وجوهرية في اتفاق الطائف. وبدا الهراوي على عتبة ولايته الممددة وحيدا في مواجهة رأي عام لبناني اتسعت من ضمنه نسبة المعارضة المسيحية له، اخذة عليه تسببه في خلل جوهري في ممارسة صلاحيات الرئاسة الاولي. فالهراوي صاحب القرارت الشجاعة اغفل تأمين حيثيات المؤسسة لموقع الرئاسة الاولى. كان هو مؤسسة الرئاسة ومؤسسة الرئاسة هو. يتعاطى كل الملفات مستأثرا بدرسها وحيدا. فلم ينشىء مديريات خاصة من ضمن المؤسسة قادرة على تعاطي الشؤون السياسية والقانونية والاقتصادية ومساعدته في تحضير الملفات التي تساعده في اتخاذه القرارات المناسبة، بل بدت كل شاردة وواردة من اختصاصه. فانتقلت الملفات الكبيرة والمصيرية الى يد رئيس الحكومة بتسليم ضمني من الهراوي في السنوات الاربع الاولى من تولي الحريري رئاسة الحكومة.  رغب الهراوي بعد استتباب الحال الامنية واحياء المؤسسات في انطلاقة اقتصادية تسبغ على عهده اكثر فاكثر طابع النهوض بلبنان من الحرب واعادته الى زمن الازدهار السابق في الستينات. كان على معرفة سابقة بالحريري وعايشا معا ظروف ولادة اتفاق الطائف وترشيح النائب رينه معوض للرئاسة الاولى في اجتماعات النواب والحريري في باريس عام 1989. شكلت قدرة الحريري وسمعته عاملا ضامنا لهذه الانطلاقة، وتلاقي مصلحة الرجلين وجملة معطيات اقليمية ودولية. كان الحريري رجله المطلوب، المستقطب دعما سوريا ودوليا من اجل استيعاب احتقان سياسي كبير احدثته الانتخابات النيابية عام 1992 التي سجلت نسبة مقاطعة تخطت 80 في المئة نتيجة قانون انتخاب غير متوازن وغير عادل يميز بين المناطق اللبنانية، وهو لم يتآلف مع رؤساء الحكومات السابقين سليم الحص وعمر كرامي ورشيد الصلح وحمل عليهم في احاديث صحافية نارية قطعت العلاقات بينه وبين الحص وكرامي في ما عدا شكليات بروتوكولية. انكفأ الهراوي عن المبادرة والمراقبة داعما الحريري فقط في ثنائية شكلت اهم عناصر الخلاف بينهما وبين شريكهما الثالث في ترويكا الحكم منذ تشكيل الحريري حكومته الاولى في عهد الهراوي اواخر تشرين الاول 1992، توّجها دعم الحريري التمديد للهراوي ثلاث سنوات جديدة ومعارضة بري الشرسة لهذا التمديد. لم يكن قرار التمديد يخلق محليا اي اوهام لدى المسؤولين اللبنانيين في قدرة احدهم على فرض رأيه. كان القرار سورياً وسورياً فقط في التمديد للهراوي كما في انتخابه. لم يكن الاميركيون متحمسين للتمديد لكنهم بدوا اقل حماسة للمفاوضة او للمقايضة. اطلق السوريون الفكرة اثر تشكيل الحريري حكومته الثانية في عهد الهراوي في 25 ايار 1995 ودعم رئيس الجمهورية رئيس حكومته لدى المسؤولين السوريين في خروج من وصفوا "الوزراء المشاكسين". في اليوم الاول لتأليف الحكومة وصل فجأة الى قصر بعبدا ابن الرئيس السوري بشار الاسد الذي لم يكن على معرفة بالهراوي. امضى ثلاث ساعات في القصر الجمهوري مع قادة عسكريين سوريين وبادر الهراوي بالقول: ان شاء الله نراك دوما هنا فنتعرف اكثر الى بيروت لانني لا اعرفها. قبل ذلك، سمع الهراوي كلاما مماثلا من الرئيس السوري. قال له اثناء غداء جمعهما في اللاذقية: يا ابو جورج التعاون معك طويل وبعبدا لا نعرفها بعد وسنذهب لزيارتها ونتفرج على بيروت. رد الهراوي: اهلا وسهلا بك ولكن ليس هناك من وقت كاف". اجاب الاسد: بل هناك وقت كثير". كانت تلك الاشارات مؤشرا شبه اكيد للهراوي لحصول التمديد تبناه الحريري وسعى الى تسويقه لبنانيا فيما عارضه بري والوزير سليمان فرنجيه دعما لانتخاب قائد الجيش العماد اميل لحود للرئاسة الاولى. التقى بري الرئيس السوري في 22 اذار 1995، ورغم معرفته بالتوجه السوري في التمديد للهراوي". تقديرا من الرئيس السوري لكل مواقفه الشجاعة اقترح على الاسد اجراء مشاورات مع كل الفاعليات لتبين التطلعات اللبنانية حيال التمديد للهراوي او التعديل المزدوج للمادة 49 من الدستور بحيث يتاح انتخاب القضاة وموظفي الفئة الاولى وتاليا افساح المجال امام انتخاب العماد لحود. ارتكز بري في معارضته التمديد على مبدأ تطبيق الدستور ورغبته في وصول رئيس جديد يعوض التمثيل الضعيف لمجلس النواب المنبثق من انتخابات 1992 ويكسبه انتخابه رئيسا جديدا شرعية اكبر. وسعى بقوة الى تأجيل كأس التمديد من اذار او نيسان 1995 الى تشرين الاول لعلّ تغييرات تطرأ لتبدل الخيار السوري، فيصار عندئذ الى تعديل احادي للمادة 49 من الدستور تمديدا للهراوي او ترشيحا للحود مرددا ان تشرين لناظره قريب، وخاض معركته على هذا الاساس. - التتمة في الصفحة 20  ساهم موقف بري، وهو القريب من مواقع القرار السوري، في بلبلة الساحة السياسية الداخلية. كان حاضرا في كل المناسبات التي اثير فيها التمديد وظل موقفه محيرا. في عيد شفيعه مار الياس الذي عيده الهراوي في زحله في 19 تموز 1995، برز التمديد توجها رسميا سوريا عبر عنه نائب الرئيس السوري خدام. قال، وبجانبه قادة عسكريون سوريون: ما رأيكم في التمديد لفخامة الرئيس، بادره الحريري الذي كان يجلس والهراوي وبري الى كنبة واحدة في منزل الهراوي "يا ابو جمال هذا الموضوع لا يمزح به". لم يكن كلام خدام ممازحة بل محاولة جدية لجس النبض وبمثابة بالون اختبار. تبنى الحريري كلام خدام فيما قابله بري بتحفظ شديد. انتظر الهراوي اشارة جدية وحاسمة من السوريين التمديد له. كان واثقا من الحصول عليه. في اللقاءين اللذين عقدهما رئيس الجمهورية مع الوزير سليمان فرنجيه الى غداء في قصر بعبدا قال الهراوي: اذا كان لاميل لحود حظ في الرئاسة نضرب له سلاما عسكريا. اسمع مني ولا تأخذ موقفا مسبقا من مسألة التمديد. عندما يصدر القرار السوري في الموضوع، ستكون اول من يعرفه وخذ موقفا بعد صدور القرار وليس قبل صدوره. وكان فرنجيه يردد من جهته: انا معك اذا لم يود العماد لحود الرئاسة. ناهض الهراوي اقتراح التعديل المزدوج بشدة. رفضه مبدئيا لمعارضته وصول العسكر الى السلطة وتجربة العماد عون لا تزال هاجسا لدى الهراوي. ردد امام فرنجيه: اميل لحود عسكري. وهناك محاذير من مجيء العسكر لا تعرفها اذ لا تزال شابا. وكان فرنجيه يردد: اذا لم يكن من مجال امام العماد لحود افضلك على جميع الناس. ورفض الهراوي التعديل المزدوج تقنيا لعدم تقبله مساواة موظف ولو برتبة قائد الجيش به كرئيس للجمهورية في تعديل المادة 49 من الدستور. وترتب على ذلك برودة في العلاقات بين الهراوي ولحود وشبه قطيعة لم تستمر طويلا. في الاسبوع الاخير من آب 1995 عاد الحريري من دمشق بعد لقاء نائب الرئيس السوري ليبلغ الى الهراوي "ان الاخوان سيمشون بالتمديد". قبل وصول الحريري اتصل العميد غازي كنعان بالهراوي وطلب زيارته لابلاغه رسالة من القيادة السورية. بدا الهراوي قلقا متحرقا الى معرفة فحوى الرسالة، في حين بدا مدير الامن العام ريمون روفايل الى جانبه مطمئنا الى ايجابية ما سيحمله كنعان الذي ابلغ الى الهراوي لدى وصوله الى قصر بعبدا"ان قرار التمديد اتخذ وسنبدأ بالتنفيذ". بعد ساعة على زيارة كنعان وصل الحريري بدوره الى القصر الجمهوري آتيا من دمشق وابلغ الي الهراوي اعطاء الرئيس الاسد الضوء الاخضر للتمديد. بعد اسبوع واحد، حضر كنعان الى طرابلس للمشاركة في عرس ابن الرئيس عمر كرامي. كان المدعوون كثرا، نوابا ووزراء. وسعت غالبيتهم الى البقاء على مقربة منه من اجل استكشاف المرحلة المقبلة والتوجه السوري في الانتخابات، لكنه جلس الى طاولة والى جانبه الرئيس حسين الحسيني، الرئيس كرامي، الوزير فرنجيه، النائبة نايلة معوض وسواهم. لم يبخل كنعان عليهم بالبشرى قائلا "ان هناك وحدة صف تجمع بين لبنان وسوريا وان الوضع الاقليمي لا يسمح بالتغييرات في لبنان. وللرئيس الهراوي انجازات كبيرة في هذا البلد ونحن نريد ان يستمر في سدة الرئاسة لاننا متعاونون معه. وهذا مطلب الرئيس الاسد لان هذه القضية هي قضية اقليمية ولا يمكن تحمل خضات يومية. اختصر كنعان في عباراته كل الموقف السوري. حاول الحاضرون مناقشته من الزاوية الدستورية. فأبدى الرئيس الحسيني رأيه وكرامي ومعوض تحفظهما، لكنه بدا جازما ومقتنعا بمشاركة الجميع في التصويت على التمديد للهراوي. امتقعت وجوه النواب الحاضرين، وجلهم شارك في اليوم السابق مع الرئيس بري في مهرجان في بلدة بنشعي في قضاء زغرتا اعلنوا فيه رفضهم التمديد للهراوي. اسرّ كنعان في اذن احد السياسيين الحاضرين: "لا تقترب من النواب هذه الليلة لانهم يخرمشون". ورغم ذلك، كان على الرئيس السوري شخصياً ان يحسم البلبلة المستمرة حول هذا الموضوع الخميس 19 تشرين الاول 1995 قبل ثمانية ايام من التمديد للهراوي باعلانه في حديث نقلته صحيفة" الاهرام" المصرية "رغبة اللبنانيين في التمديد "للرؤساء الثلاثة". وقد استمرت "ترويكا" الحكم فعلا. التمديد للهراوي ثلاث سنوات لم يحبذه كل افراد عائلته كما غالبية اللبنانيين. وحجتهم ان ما انجزه في ولايته الاصلية من توحيد للبلاد واعادة احياء المؤسسات وتأمين التوافق بين مختلف الطوائف كاف لخروجه من الحكم على حصان ابيض معززا مكرما، ولخشيتهم ان تلقى الولاية الممددة مصيرا مشابها لولاية الرئيس بشارة الخوري، رئيس الجمهورية الوحيد الذي مدد له منذ الاستقلال واضطر قبيل انتهاء ولايته الى اجراء انتخابات رئاسية مبكرة ومغادرة السلطة قسرا. لم يكن سهلا في ولاية ممددة تجنب سلبيات عدة ذرت قرنها في الولاية الاولى، وكانت ستظهر مكبرة تحت مجهر الانتقادات. فالرئىس الذي كان هاجسه الا يكون كالرئيس الياس سركيس الذي أخذ عليه تردده في اتخاذه القرارات المناسبة في الوقت المناسب، على تقديره الكبير له ولعصاميته، اتسمت قراراته خصوصا في ولايته الممددة بالتسرع ومشاريعه بتوقيتها الخاطىء. من اقتراحه اجراء تعديلات دستورية، الى اقتراحه حول الزواج المدني الاختياري الممهد لالغاء الطائفية الذي كان نال تأييد الرئيس الاسد ورغب في ضرب الحديد وهو حام وتأمين اقراره في مجلس الوزراء، وقبله الى اقتراحه اعتماد مبدأ التعيين في المجالس البلدية والاختيارية في المدن الكبرى في الانتخابات البلدية حرصا على التوازن الطائفي.وقبل هذه جميعها اقتراحه جعل لبنان دائرة انتخابية واحدة، واقتراح فصل النيابة عن الوزارة... اقتراحات اثارت كلها جدلا قويا وحاميا ولم تلق تأييداً. كانت وليدة الرغبة في احداث تغييرات سريعة لكن في غياب اي تحضير عملي ينضج هذه الافكار والاقتراحات ويمهد لها الطريق الى ذهن الرأي العام. هذه الخسارة المتمادية ساهم في اذكائها في الولاية الممددة تراجع نفوذ الهراوي لمصلحة الحريري المحاط بمجموعة كبيرة من المستشارين والخبراء والاختصاصيين والمتطلع الى التكنولوجيا الحديثة والمتطورة في وقت لم يألف الهراوي هذا التطور. شعر بخطر تمكن الحريري من الادارة اللبنانية ومفاصلها وتوسع نفوذه على حساب سلطة الوزارات ونفوذها، فحاول متأخرا استدراك خطر دعمه له من دون تردد ومن دون ادارة رديفة مراقبة لديه. كانت السنة الاخيرة من ولايته التي استبقها الحريري باعلان الرغبة في وصول رئيس جديد بذريعة عدم رغبة الرئيس في التمديد له مجددا. ولكن سبق السيف العذل. فلم يوفق الهراوي في تعيين قائد جديد لقوى الامن الداخلي ازاء معارضة الحريري، ولا في تحويل اقتراحه للزواج المدني الذي انتزع اقراره في مجلس الوزراء بغالبية 22 صوتاً قانوناً. كان بعض افراد عائلته على حق في ضرورة تقنين دعمه للحريري، لكن الاسراع في خروج الهراوي من المقر الموقت في الرملة البيضاء الذي يملكه الحريري تأمينا لاستقلالية رئيس الجمهورية لم يؤد هدفه كليا. وسعى الهراوي في بداية السنة الاخيرة من ولايته الى تقوية تحالفه وبري تعويضا ولتقليص نفوذ الحريري، لكن من دون نجاح يذكر. كانت مشكلة الهراوي ابعد من ذلك، تمتد جذورها الى تسليمه بحاجته الماسة الى الحريري لانهاض البلاد اقتصاديا ووعي مأزقه الفعلي مع تأليف الحريري حكومته الثالثة والاخيرة في عهده في 7 تشرين الثاني 1996. تمسك الهراوي بوزيرين له دائمين في الحكومة دون سواهما هما صهره فارس بويز ومحاميه شوقي فاخوري مع التشديد على ابقاء حقيبة وزارة الخارجية لصهره المستمر فيها منذ حكومة الرئيس عمر كرامي الثانية في عهده عام 1990 مما اضعف موقفه جدا ازاء الحريري الذي استأثر في المقابل بحصة الاسد، وازاء المسيحيين ايضا وقد بدا ان حصة طائفة الرئيس محصورة بمحاميه وصهره تاركا امر اختيار الوزراء المسيحيين الاخرين في الحكومة للحريري نفسه.  لن يسلم الهراوي لبنان كما استلمه، وهذه نقطة القوة في عهده. لكنه يسلم تركة مثقلة تتزاحم فيها الملفات لتجعل منه أقوى العهود قاطبة وأكثرها اثارة للجدل والانقسام.