اللّونُ أصدقُ إنباءً من الخُطب
Smaller Bigger

تختار الأحزاب ألوانها كتعبير رمزي عن اتجاهاتها السياسية. يتناول هذا المقال تحديداً لونَي العهد والحكومة كفاعلَين رسميَّين في تحديد السياسة في لبنان. وتُستخدم الألوان كمرآة للسياسة الفعلية القائمة. وهو بأكمله نزهة ذهنية لمقارعة ادّعاءات السياسة بواسطة صدق ألوانها.

اللون البرتقالي

اختار "التيار الوطني الحر" اللون البرتقالي كرمز له في المرحلة التي كان يناضل فيها من أجل سيادة البلد. ربما تيمّناً بالحركات السياسية "البرتقالية" في بعض بلدان أوروبا الشرقية وخاصة أوكرانيا التي طالبت بديموقراطية الانتخابات في حينه. ويشفي اللون البرتقالي أيضاً غليل قيادة "التيار" الحالية المهجوسة بـ"القوة"، فهو يرمز إلى فاكهة البرتقال الغنيّة بالفيتامين "س" المنشّط والمقوّي.

مع انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية، وحصول تحالفات "التيار الوطني الحر" السياسية على الحصص الكبرى في مجلس النواب والحكومة، طغى اللون البرتقالي على العهد بكامله. لكن الوضع في البلاد لا يشير، للأسف، بعد مرور أكثر من سنتين على بداية العهد، لا إلى تقدم في الديموقراطية، ولا إلى أي مظاهر لـ"القوة" عند الدولة. فالعهد لم يستطع، بحسب تعابير "التيار" نفسه، إحداث أي "إصلاح" أو "تغيير" في الوضع القائم.

على العكس تماماً، تشهد البلاد تدهوراً وضعفاً وعجزاً لم تشهدها من قبل وعلى الصعد كافة، الوطنية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والصحية والبيئية. كما يضرب الفساد مفاصل المجتمع والدولة، فضلاً عن الانتهاك الدائم للدستور والقوانين. حتى إن الوزير جبران باسيل صرّح أخيراً أن الوضع ذاهب حتماً إلى الانهيار إذا لم يجرِ تقليص أجور القطاع العام، مما أصبح يحتّم التفتيش عن مدلول آخر، أكثر واقعية، للون البرتقالي.

لم أجد أفضل للتعبير عن واقع الحال، من الضوء البرتقالي في إشارات السير، فهو يمهّد لحلول الضوء الأحمر الذي يدعونا إلى التوقف. أرجو ألا يكون طغيان اللون البرتقالي في السياسة حالياً، تنبيهاً لنا من أنّ كل شيء في البلاد سيتوقف قريباً، كما تدل عليه معظم المؤشرات. ولسخرية القدر، يكون اللون البرتقالي الذي أُريدَ له أن يرمز إلى القوة، قد تحوّل إلى عنوان للعجز الكامل. فهل هناك عجزٌ أوضح من هذا العجز حين يخيِّر الوزير باسيل الناس بين الافقار والانهيار؟

لن أستبعد في المطلق، أن تطلّ الإشارة الخضراء بعد البرتقالي والأحمر، وتؤذن بالانطلاق من جديد. لكن إذا كان لنا أن نتوقّع ذلك قبل نهاية العهد، فلا بد لـ"التيار" من أن يتواضع وينظر إلى الواقع بموضوعية، وأن يعترف بالآخرين، وأن يعتمد سياسات جديدة.

قد يكون من أسباب تقلبات مدلول اللون البرتقالي، هو أنه في تركيبته الأصلية لون ثانوي، وليس لوناً أساسياً كالأحمر والأصفر والأزرق. وهو نتاج الدمج بين اللونين الأحمر والأصفر. وفي الواقع اللبناني السياسي، يرمز اللون الأحمر إلى الحزب الشيوعي، وهو حزب ذو تأثير ضعيف في السياسة اللبنانية، في حين يرمز اللون الأصفر إلى "حزب الله"، وهو الحزب الأكثر نفوذاً في لبنان الحالي. لهذا السبب ربما، يعكس اللون البرتقالي هذين الضعف والقوة معاً في أداء "التيار الوطني الحر"، مع رجحان القوة أو الضعف بحسب ارتفاع أو انخفاض نسبة اللون الأصفر في تركيبة اللونين الأحمر والأصفر.

طبعاً، لا يمكن تحميل العهد وحده مسؤولية تردّي الأوضاع. فمنذ اتفاق الطائف يتحمّل الأطراف السياسيون مجتمعين هذه المسؤولية وإن بدرجات متفاوتة. لكن خصوصية "التيار البرتقالي" تكمن في كونه أكثر الأطراف السياسيين ادعاءً في ما يتعلق بالإنجازات والانتصارات، في وقت تتراكم فيه مؤشرات الانهيار.

اللون الأبيض

يمكن اللون الأبيض أن يعني السلام، الثلج، النظافة. وكلها مدلولات إيجابية. لكن يمكن الأبيض أن يكتسب مدلولاً سلبياً أيضاً. فمعروف أنه عندما تدمج الألوان المختلفة بعضها مع بعض نحصل على اللون الأبيض. إن دمج القوى السياسية بألوانها المختلفة في ما سمِّي بـ"حكومة الوحدة الوطنية"، لا بد أنه أدى إلى إنتاج سياسة بيضاء، فارغة من المضمون كما الصفحة البيضاء، أي فارغة عملياً من الحكم ومن الوحدة ومن الوطنية. فلا اتفاق على سياسة واحدة، لا في الاقتصاد ولا في السياسة الداخلية أو الخارجية. ولا اتفاق على الصلاحيات وعلى من يقرر في هذا الشأن أو ذاك. الاتفاق الوحيد هو على التبعية للخارج، مع تنوع هذا الخارج وتوزعه على محاور متصارعة. حتى إن الاتفاق على خطة للكهرباء أو على الموازنة إذا حصل، لا يمكن اعتباره بعد خروجاً على اللون البيضوي الفارغ، طالما أن حكومة "إلى العمل" لم تبرهن حتى الآن عملياً عن الجدية في التعاطي مع أزمات الوطن. فنحن لا نستطيع بعد حتى أن نتخيل، كيف يستطيع أن ينكبّ على العمل المجدي مَن تعوّد على الإهمال والهدر والفساد والشحاذة.

ماذا لو؟

ماذا لو دمجنا اللون البرتقالي، أي لون العهد، مع اللون الأبيض، أي لون حكومته الاولى، بهدف استخلاص لون الحكم في لبنان اليوم؟ سينتج من ذلك لون يميل إلى الأصفر. ولأن "حزب الله" يتبنى مقاربة اقتصادية أقل التزاماً للنموذج الاقتصادي الذي أوصلنا إلى الأزمة الحالية، وعلى عكس معظم القوى الأخرى، ولأنه الأكثر نفوذاً، فالمرجو أن يخفف نسبة اللون الاصفر في تركيبة اللون البرتقالي، وأن يزيد نسبته في تركيبة اللون الابيض، لعل ذلك يساعد على تفادي الانهيار المالي والنقدي، من طريق موازنة أكثر عدالة مما هو مطروح اليوم. هذا شكل من أشكال توزيع فائض القوة بشكل عادل بين الاطراف السياسيين كافة، تماماً كما يطالب البعض بتوزيع فائض القيمة، أي الارباح، بشكل عادل على المواطنين. فإذا كانت انتصارات المقاومة نتيجة لتطبيق ثلاثية "الشعب والجيش والمقاومة"، فلا بد إذاً من توزيع فائض القوة الذي نتج من هذه الانتصارات، على الاطراف الثلاثة ومن يمثلهم.

قال أبو تمام في قصيدته الشهيرة "فتح عمورية": "السيف أصدق إنباء من الكتب". للأسف يبقى منطق أبو تمام صحيحاً في منطقتنا كلها حتى بعد مرور أكثر من ألف سنة على وفاته. لن نعدّل فيه بل نضيف عليه في ما يخص لبنان: "واللون أصدق إنباء من الخطب".

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 5/20/2026 3:21:00 AM
أحمد الشرع يعتذر لأهالي دير الزور بعد تصريحات والده المثيرة للجدل
آراء 5/19/2026 4:27:00 AM

المسّ بركائز وثيقة الوفاق الوطني –سواء بطريقة مباشرة عبر طرح مشروع "المُثالثة"، أو بطريقة ملتوية عبر المناداة بتطبيقٍ ملتوٍ للطائف تحت شعار تطبيقه "كاملاً" – قد يُدخل البلاد في سجالٍ يدفع بها نحو الحرب الأهلية...

لبنان 5/19/2026 10:50:00 AM
يتحول الطقس تدريجياً إلى متقلب مع أمطار متفرقة ورياح ناشطة تصل أحياناً ٧٥ كلم/س مع ارتفاع لموج البحر ويستمر حتى مساء يوم الخميس
لبنان 5/19/2026 2:15:00 PM
اعتماد أحكام القانون الرقم 194 الصادر عام 2011 بالنسبة إلى المبعدين، واعتبار أحكامه نافذة