من المعلوم ان علاقات اوروبا بالدول العربية علاقات تاريخية، وتعود الى زمن بعيد جدا، نظرا لموقع كلا المجموعتين على ضفتي البحر الابيض المتوسط، ونظرا للتطورات الاقتصادية المتنامية بعد حدوث الثورة الصناعية. وقد تعمقت هذه العلاقات اكثر فاكثر بعدما تم استعمار عدد من الدول العربية من بعض الدول الاوروبية ثم انتداب عصبة الامم، خصوصا فرنسا وبريطانيا للمساعدة في تسيير شؤون بعض الدول العربية الفتية. العلاقة وطيدة وعميقة جدا اذاً، ومهما قيل عن الحقبات السابقة الا ان بصماتها لا تزال حاضرة. ومن الخصائص المستمرة المركز المميز لاوروبا في الدول العربية، فهي لا تزال تتصدر المركز الاول وان تكن دول اخرى كالولايات المتحدة واليابان تعملان بكد للحلول محلها في هذا المركز. وعليه لا بد في بداية هذه المحاولة من معرفة: ما هو اتفاق "الغات"؟ وكيف هي العلاقات الاقتصادية بين الدول العربية ودول الوحدة الاقتصادية؟ ومن ثم نتلمس آثار اتفاق "الغات" الجديد على العلاقات العربية - الاوروبية. وقد استخدمت تعبير نتلمس، باعتبار ان الاتفاق لم يوضع تماما موضع التنفيذ في انتظار اتمام التصديق عليه من الدول، والمعطيات الواقعية والقانونية الواضحة لا زالت غير متوافرة وتاليا فان التعرف على الآثار المتوقعة على الاقتصادات العربية ليست مهمة يسيرة. القسم الاول: علاقات الدول العربية بدول الوحدة الاوروبية ان التعاون بين الدول العربية ودول الوحدة الاوروبية متعدد الوجوه، ويحمل تمايزا في كثير من الاحيان بين دولة عربية واخرى. ويعود ذلك الى ظروف تاريخية، موضوعية وذاتية خاصة، حكمت التبادل التجاري وحركة رؤوس الاموال وحركة اليد العاملة والتكنولوجيا وتتغير نسبة اهميتها من دولة الى اخرى. نبحث في هذا القسم امرين: - اتجاهات التجارة العربية - الدولية. - اتجاهات التجارة العربية مع دول الوحدة الاوروبية. اولا: اتجاهات التجارة العربية - الدولية تلعب التجارة الخارجية دورا متقدما في الاقتصاد الدولي، فبسبب تحسن طرق المواصلات الدولية بعد الثورة الصناعية، وارتفاع متزايد في الانتاج العالمي راحت الاقتصادات تتفاعل وازدادت تاليا اهمية التبادل التجاري الى حد انه اصبح من الممكن اعطاء التبادل صفة المرآة التي تعكس الجوانب الايجابية والسلبية للروابط القائمة بين الدول والتكتلات، وتأثيراتها على اسلوب التنمية ،خصوصا في الدول السائرة في طريق النمو، ومن بينها الدول العربية. ومعلوم ان ما يحدث على صعيد الكل العالمي من ازدهار او ركود، من صراع او انفراج في العلاقات الدولية يفعل فعله على صعيد الاجزاء، وهذا يعني ان الدول تتأثر بمعطيات النظام الاقتصادي العالمي، واهم مقوماته تقسيم العمل الدولي. فيرى التأثر متجسدا بالاختلالات البنيوية في غالب الدول النامية: وعلى سبيل المثال لا الحصر ان التصحيح المتوالي لاسعار النفط كان له اثره على تركيبة التجارة الدولية، وراحت مجموعة مهمة من الدول العربية تعتمد عليه كمصدر اساسي في تبادلاتها مع العالم الخارجي، وتاليا فبدل زيادة التنويع في صادرات الدول العربية راحت معظم دول المجموعة النفطية تهمل تطوير بناها الاقتصادية، وراح الارتباط بالخارج يزداد حدة. - ان الدول الصناعية التي كانت تمثل الشريك التجاري الاول للدول العربية، لا تزال كذلك، سواء على مستوى الصادرات التي تبلغ نسبتها نحو 63 في المئة او على مستوى الواردات التي تشكل نحو 70 في المئة من مجمل تجارة البلدان العربية مع العالم الخارجي. - تمثل مجموعة دول الوحدة الاوروبية الى جانب اليابان والولايات المتحدة اهم الدول التي تعتمد الدول العربية عليها في استيراد ما تحتاج اليه وتصدير غالب ما تنتجه ايضا. - ازداد اعتماد الدول العربية على الخارج لتأمين حاجاتها من المواد الغذائية. ففي حين كان التوازن بين الصادرات والواردات يوازي 95 في المئة عام 1970، اصبح الاعتماد على الاستيراد بنسبة 90 في المئة عام 1990 وقاربت كلفة الواردات نحو 24 مليار دولار. علما بان عام 1990 يعد سنة غير طبيعية باعتبار ان حرب الخليج قد ادت الى تراجع مستوردات الدول العربية من السلع الغذائية. - تعتمد الدول العربية في شكل اساسي على تصدير المواد الاولية والخامات الزراعية والمنجمية، وهذا يعني تخلفا في البنى الاقتصادية العربية، لانها تصدر المواد الخام الى الخارج بدل ان تقوم بمعالجتها وتحويلها سلعا نهائية في الداخل. ان نحو 77 في المئة من الصادرات العربية الاجمالية عام 1990 هي وقود معدنية واذا ما زدنا اليها المواد الخام الاخرى اصبحت قيم الصادرات من مواد اولية نحو 80 في المئة. ان فيض الموازين التجارية للدول العربية النفطية خلال السنوات الست الاخيرة مؤشر جيد الا ان التناقص المطرد في هذا الفيض هو المقلق خصوصا اذا علمنا ان هذه الدول تعتمد في الدرجة الاولى على مادة قابلة للنضوب (النفط)، وان بناها الاقتصادية في شكل عام بنى ضعيفة ومتخلفة، وليس هناك من سياسة اقتصادية انمائية معتمدة على الذات. - ان عجز الموازين التجارية للدول العربية غير النفطية هو في تزايد مطرد، وليس هناك في المدى المنظور مؤشرات تشير الى ان هذا العجز سيتراجع ومن اسباب ذلك: عدم وجود سياسة اقتصادية متوجهة لتخفيف العجز. - تشكل التجارة البينية نحو 8 في المئة من الصادرات الاجمالية العربية، كما تشكل الواردات 7 في المئة. - تعتمد الدول العربية في شكل اساسي على تصدير المواد الاولية والخامات الزراعية والمنجمية. ثانيا: واقع التجارة العربية واتجاهاتها مع دول الوحدة الاوروبية أ- واقع الواردات العربية: تحتل الواردات العربية من دول الوحدة الاوروبية مركز الصدارة، حيث تراوح نسبتها بين 40 في المئة عام 1988 و5،43 في المئة عام 1990 وقيمتها المطلقة تراوح بين 33 مليار دولار عام 1987 و47 مليار عام 1990، وتاليا فانه يمكن القول ان دول الوحدة الاوروبية تحتل المرتبة الاولى بين مجموعة دول العالم وتعمل اليابان والولايات المتحدة على خرق هذا الوضع وتشجيع الدول العربية على الشراء اكثر من اسواقها الا انهما تبقيان بعيدتين جدا عن مطامحهما. تحتل دول اوروبا الموحدة المركز الاول في واردات الدول العربية من اللحوم والالبان والسكر واعلاف الحيوانات والاغذية الاخرى والجلود والاخشاب، كما تمثل المركز الثاني في اسواق المستوردات العربية من القهوة والشاي والمشروبات والتبغ والزيوت النباتية والحيوانية، واحتلت ايضا واردات الدول العربية من دول اوروبا الموحدة المركز الثالث من الحيوانات والاسماك والخضر والفواكه. ب- واقع الصادرات العربية: اما صادرات الدول العربية لدول الوحدة الاوروبية فقد حظيت بالمكان الاول وتراوح نسبة صادراتها الى دول الوحدة بين 35 في المئة عام 1985 و30 في المئة عام 1990. الا ان مجموع ما تصدره الدول العربية الى دول الوحدة الاوروبية بالقيم المطلقة تجاوز 5،52 مليار دولار عام 1990 في مقابل 38 مليار دولار عام 1985. وتحتل اليابان والولايات المتحدة معا مركزا موازيا لمركز دول الوحدة الاوروبية، وتسعى هاتين الدولتين بكل الوسائل لكسر المركز المرموق الذي تحتله دول الوحدة الاوروبية. وتحتل صادرات الدول العربية الى دول الوحدة الاوروبية المركز الاول اذا استثنينا الصادرات العربية الى الدول العربية. ومن اهم الصادرات العربية: اللحوم والاسماك والفواكه والاعلاف والجلود والزيوت النباتية والحيوانية. لقد كانت صادرات الدول العربية من المنتجات الصناعية الى المجموعة الاوروبية عام 1987 نحو 5،3 مليار دولار، ومن المتوقع ان تنخفض نسبة الصادرات بعد المصادقة على معاهدة "ماستريشت" حيث يخشى ان يؤدي توحيد السوق الاوروبية في مطلع 1993 الى تقلص الصادرات العربية من السلع المصنعة. واذا حدث ذلك فانه سيكون عقبة جديدة امام جهود التنمية في الدول العربية، خصوصا انه لا بد لتلك الجهود ان تعتمد على التوجه للتصنيع والتصدير. وفي دراسة لمنظمة التنمية الصناعية التابعة للامم المتحدة، تقدر الخسائر التي يمكن ان تنجم عن توحيد السوق الاوروبية للصادرات الصناعية العربية بنحو 30 في المئة من تلك الصادرات. وستكون كل من البحرين وتونس والاردن في مقدمة المتضررين من توحيد السوق. اذ يقدر ان تفقد نحو ثلثي صادراتها الصناعية الى الدول الاوروبية، تليها كل من عمان والمغرب بنحو النصف، ثم لبنان ومصر بنحو الثلث. كما يقدر ان تفقد الامارات ربع صادراتها الصناعية، وكل من السعودية والكويت نحو العشر. ان التصديق على معاهدة "ماستريشت" من الدول الاعضاء تم مع بداية العام 1993. ودخلت مجموعة الدول الاوروبية الاثنتي عشرة مرحلة جديدة من تاريخها فالى جانب ازالة الحواجز الجمركية والحصر الكمي للتجارة بين الدول الاعضاء، ووضع تعرفة جمركية موحدة للتجارة الخارجية، واعتماد سياسة تجارية واحدة بين الدول الاعضاء والغاء الحواجز القائمة في وجه انتقال الافراد والرساميل والخدمات بين الدول الاعضاء، واقامة نظام مشترك يضمن المنافسة الحرة الخ. يعتبر اتفاق "ماستريشت" خطوة واضحة على طريق استكمال بناء اوروبا الكبرى، خصوصا بعدما انتهى الصراع بين الشرق والغرب، وانتهى انقسام اوروبا اوروبتين والتوجه نحو توسيع رقعتها. واختفت كل الحدود في دول المجموعة التي تضم 350 مليون مواطن اوروبي، واصبحت حرية انتقال الاشخاص كاملة، ويؤهل ذلك الافراد العمل في اي دولة من الدول الاوروبية والحصول على وظيفة، او العمل في اي مهنة مشروعة بما يتوافق مع مبادئ المساواة في المعاملة بين عامل وآخر، وبين بلد وآخر من دول المجموعة الاوروبية. وكذلك حرية التبادل السلعي، وحرية انتقال رؤوس الاموال من دولة الى اخرى، كما ان حرية تدفق الخدمات اصبحت سارية. ان رصد التطورات الجارية ضمن حدود السوق الاوروبية يؤكد تطور حجم المبادلات التجارية بين دولها بعد قيام السوق الاوروبية المشتركة عام 1957 وحتى عام 1987 (اي خلال ثلاثين سنة) بحيث اصبح هذا الحجم نحو 280 مليار دولار بعدما كان لا يتجاوز العشرة مليارات دولار عام 1957. ان فتح الحدود بين مجموعة الدول الاوروبية بعد التوقيع والمصادقة على اتفاق "ماستريشت" سيسهل دخول السلع وخروجها من دون الانتظار السابق المضني، لان الحواجز الجمركية والقيود الادارية يفترض بانها ستلغى، ولا يخفى على أحد اهمية المنافسة التي ستتحقق على مستويي الانتاج والاستهلاك. فالمنتج سيسعى الى تحسين جودة انتاجه، وخفض كلفته، والمستهلك سيشتري اوروبيا باسعار افضل، وستؤمن له رفاهية اكبر. من كل ما تقدم يمكن استنتاج ما يأتي: - ان دول الوحدة الاوروبية تسعى الى توسيع مجالات تعاونها بحيث تتمكن من تطوير اقتصاداتها ودفعها خطوات الى الامام. - ان دول الوحدة الاوروبية تسعى الى زيادة حجم المبادلات التجارية البينية، الامر الذي يعني في النهاية تقليص اعتمادها على دول خارجية. - اذا صح التنبؤ الذي يقول ان واردات دول الوحدة الاوروبية من الدول العربية ستنخفض اسوة ببقية الدول، فان ذلك يعني انه سينخفض في الدرجة الاولى شراء السلع المصنعة من الدول العربية، وكذلك سينخفض شراء المواد الزراعية التي يمكن ان تجد لها بديلا في بعض دول المجموعة، وهذا ايضا في منتهى الخطورة، لان العجز في الموازين التجارية للدول العربية غير النفطية يتفاقم مع ان الدول الاعضاء في المجموعة حاولت جاهدة ان تقلل اعلاميا من صحة هذه المقولة. زد على ذلك انه لا يخفى على أحد ان دولا اخرى تسعى الى الدخول في هذا التجمع (اسوج والنروج وفنلندا والنمسا الى جانب دول من اوروبا الشرقية سابقا). ناهيك عن دول معاهدة "افتا" (EFTA) المرتبطة اقتصاديا بمجموعة دول الوحدة الاوروبية بموجب معاهدة المنطقة الاقتصادية الاوروبية، والتي ستصبح سارية المفعول خلال النصف الثاني من هذه السنة الامر الذي يعني من جديد، زيادة قوة وفاعلية هذا التكتل، وقدرته على فرض شروطه، واملاء ارادته، وان كان الامر لا يزال بهذا المعنى نظريا، لان قوى خارجة عن هذا التكتل عنيت بها الولايات المتحدة الاميركية واليابان عازمتين على كسر طوق وحدة هذا التكتل الذي كان في الماضي حلم نابوليون، واليوم بدأ يبصر النور، وان تكن خطواته وئيدة ومتعسرة وخجولة بعض الشيء نظرا الى التناقضات وتضارب المصالح في بعض الاحيان بين الكل والجزء، وتعرض الوحدة للهزات والتحديات. وليس من شك في ان الدول الاقل تطورا كاليونان واسبانيا والبرتغال تتمنى ان تحقق تقدما يسمح لها بيع انتاجها في شكل افضل في السوق الواسعة. هل زيادة قوة هذا التجمع سيضر بمصالح الدول العربية؟ ان وجود تكتل اوروبي يضم ما يزيد على 350 مليون مواطن، بكل ما يتمتع به من طاقة استيعابية، ومن قدرة انتاجية ضخمة، الى جانب تكتلات اخرى تبصر النور رويدا رويدا يؤدي حتما الى حدة التنافس على الاسواق العالمية، والى تصاعد الحمائية. ويعطي هذا التكتل قدرة على المساومة في مجال التفاوض الدولي. في الواقع ان دول الوحدة الاوروبية تقيم علاقات مميزة تفضيلية مع سبع دول عربية هي مصر والجزائر والمغرب وتونس والاردن ولبنان وسوريا وتعتبر هذه الدول ان هذا الامر سيمنحها امتيازات تفضيلية فيما يتعلق بدخول صادراتها الى اوروبا. وتأتي معاهدات لومي الاربع لتمنح كلا من موريتانيا والصومال وجيبوتي هبات لتدعيم اقتصاداتها، اما دول الخليج فانها الدول الاكثر قوة ماديا باعتبار انها تنتج مادة النفط التي تعتبر اوروبا نفسها بأمس الحاجة اليها في المدى المنظور وتاليا فان الحوار بين دول الخليج العربي ودول الوحدة الاوروبية يسير في اتجاه تحسين العلاقات، على رغم ان حرب الخليج خلقت معادلات جديدة، خصوصا بعد دخول الولايات المتحدة عسكريا الى المنطقة، فاصبحت تشرف في شكل او آخر على الامكانات الاقتصادية المتوافرة هناك. اذاً، دول النفط تملك مادة حيوية جدا لاوروبا، ولا يمكن الاستغناء عنها في المدى المنظور. صحيح ان موازين هذه الدول التجارية هي في حال فائض دائم مع دول الوحدة الاوروبية الا ان تناقص الفائض وتراجعه سنة بعد سنة يحمل على الاعتقاد انه لا بد من اعادة نظر الدول النفطية بسياساتها الاقتصادية. فهل ستتمكن الدول النفطية العربية من دفع الدول الاوروبية موضوع البحث ان تستورد منها الى جانب النفط الخام البترو كيميائيات؟ هنا ستكون على المحك قدرة الدول النفطية على المساومة. ان كان هذا منحى ممارسة دول اوروبا منذ زمن بعيد ولم يتغير في المنهج، فهل يعقل ان يتحقق التغيير المطلوب من دون ان تبرز عوامل مساعدة له وضاغطة في اتجاه تعديل المسار لإقامة نظام اقتصادي دولي اكثر عدالة؟ في اعتقادي ان المعطيات لا تزال نفسها وتاليا فالنتائج ستكون نفسها اقله في المدى المنظور. ان تقسيم العمل الدولي لا يزال محافظا على قواعده الاساسية، موطدا اركانه بل اصبحت دعائمه اقوى بعد انهيار النظام الاشتراكي والمعسكر الاشتراكي، واصبحت الدول النامية تواجه الدول الصناعية الرأسمالية بأقل مساندة، نظرا الى غياب الجبار الثاني. ولم تعد تستطيع ان تستفيد وإن قليلا من تناقض مصالح الجبارين. وعليه فالدول النامية التي كانت تنتج المواد الاولية ستبقى كذلك، علما بأن اهمية المواد الاولية راحت تتناقص في المعادلة لأن الاهمية اصبحت اكثر من اي وقت مضى، تعود الى "المعرفة المكثفة" (Knowledge Intensive). فصناعة وسائل الاتصال والمعلومات ووسائل المواصلات والالكترونيات وصناعة الادوية والبتروكيميائيات ما هي الا امثلة محدودة من تلك الصناعات التي اصبح عامل كثافة المعرفة من اهم عوامل انتاجها في شكل يسبق بكثير اهمية اليد العاملة التقليدية او المواد الخام المعروفة... (تتبع حلقة ثانية) القسم الثاني: آثار اتفاق "الغات" الجديد (1994) على العلاقات العربية الاوروبية ان آثار الاتفاق منذ اصبح ساري المفعول عام 1948 وحتى اليوم تختلف بين فئتين: فئة الدول الصناعية، وفئة الدول النامية. قبل نحو نصف قرن راحت الدول الصناعية تعمل لتنظيم اوضاعها وايجاد تكتلات، تهدف الى دفع مسيرة تنميتها خطوات الى الأمام، فبعد الدمار الكبير الذي اصابها نتيجة الحرب العالمية الثانية، تلافيا للمنافسة الحادة راحت تعمل لايجاد التكتلات: فكان تكتل دول البنيلوكس في عام 1948 بين مجموعة من الدول الاوروبية، وكانت "المنظمة الاوروبية للتعاون الاقتصادي والتنمية" بين مجموعة من الدول الاوروبية والولايات المتحدة وغيرها والتي من بين اهدافها اعادة بناء الاقتصاد الاوروبي وفق خطة مارشال الاميركية (1947) والغاية من ذلك العمل لاعادة بناء ما تهدم من الاقتصاد الاوروبي كي لا تصبح هذه الدول فريسة للنظام الشيوعي الذي كان متمثلا ب"الاتحاد السوفياتي" ودول اوروبا الشرقية، الامر الذي سيساعدها على زيادة الانتاج، وتأمين العمل للعاطلين، وتحقيق الرفاهية النسبية، وايجاد حزام اوروبي مساند للولايات المتحدة الاميركية في وجه المارد الشيوعي آنذاك. وراحت تكتلات اخرى تنشأ، كجماعة الفحم والصلب الاوروبية (1952) وجماعة السوق الاوروبية المشتركة (1958) ومنظمة التجارة الاوروبية الحرة (1960). وهذه المجموعات تتميز بانتاج وفير واسعار منخفضة وجودة في السلع. وهذه الدول التي تتمتع بمقدرة تنافسية عالية لا يضيرها اذا فتحت حدودها امام منتجات غير قادرة على منافستها. وكان ذلك حتى اوائل الثمانينات حين كانت قادرة على مقارعة السلع الاجنبية حتى في عقر دارها ويمكنها من تحقيق كل ما تسعى اليه. وبمقدار ما كانت التناقضات بين الدول الرأسمالية المتطورة ضعيفة بمقدار ما كانت هذه الاتفاقات تحقق نتائج طيبة. قد يكون من الصعب التكهن بآثار الاتفاق الذي سيوضع موضع التنفيذ 1995 وعلى فترات زمنية، قد يمتد لعشر سنوات. ولكن من المؤكد ان معظم دول العالم ستنضم الى هذا الاتفاق راضية او مكرهة. وفي هذا المجال يمكن ان نسوق الملاحظات الآتية: - تهدف التعديلات في الدرجة الاولى الى تحرير الاسواق العالمية من القيود الجمركية الادارية والاغراقية والدعم يرمي الى توسيع رقعة التبادل التجاري، والذي يحمل لواء هذا التوجه الولايات المتحدة والدول الصناعية الاخرى التي تجد فرصة للنفاذ اكثر فأكثر الى اسواق الدول الاخرى وتصريف انتاجها. - ان توسيع الاسواق وفتحها امام السلع الصناعية يعني افساحا في المجال امام السلع التي تتمتع بصفات اساسية ثلاث: الجودة والكمية والسعر المنخفض فهل ستتمكن الدول العربية من تأمين هذه الصفات لانتاجها؟ في الواقع، لو تمكن الاتفاق من ان ينفذ بنوده بأمانة فإن الدول الصناعية قد تتأثر كثيرا نظرا الى انها تدعم منتجاتها الصناعية. وقد تستفيد دول العالم النامي من ذلك، ومن بينها دول عربية كمصر وسوريا خصوصا في ميدان النسيج والالبسة، الذي يقضي بخفض مفعول نظام حصص الاستيراد التي يجري تحديدها بموجب اتفاقات ثنائية بين الدول المصدرة (الدول النامية) والدول المستوردة (الدول الصناعية) في شكل تدريجي على مدى عشر سنوات اعتبارا من سنة 1995، حيث يتضمن الاتفاق لائحة بالسلع التي تخضع لعملية التحرير التدريجي لنظام الحصص المطبق عليها حاليا واحكاما خاصة بحماية الاسواق من تزايد الواردات في اي مرحلة من مراحل الاتفاق في شكل يضر بالصناعة المحلية(4). على ان يؤخذ في الاعتبار ما تقدمه منافسة الكثير من الدول النامية الاخرى من مزايا لسلعها التنافسية. وتاليا فإن على الدول العربية ان تستفيد من الفترة الزمنية الممنوحة، لتدفع انتاجها خطوات نحو تأمين جودة اعلى وتنوع اكبر. وعليه فإنه يجب الا يغيب عن بالنا الامور الآتية: - ان الصناعة العربية تعتمد على تكنولوجيا بدائية وايدٍ عاملة كثيفة الامر الذي يجب ان يدفع بالدول العربية الى ان تبدأ منذ الآن تطوير ما تملك من صناعة وتحديثه، والا فإن آثار المنافسة ستكون وخيمة عليها اذا طبقت بأمانة. - ان صادرات الدول العربية غير النفطية في شكل عام هي ضعيفة جدا، وستتأثر كثيرا بالمنافسة ولا ادري اذا كان مردود الصناعات سيتحسن في ظل منافسة غير متكافئة. وستتأثر موازينها التجارية سلبا وسيزداد تاليا العجز في موازين مدفوعاتها. - ان الدول العربية التي تعتمد كثيرا على مداخيل الجمارك، ستنكمش مداخيلها من هذا المورد شيئا فشيئا ليصل الخفض الى 40 في المئة من اسعار الرسوم الجمركية الفعلية التي ستحدد كل دولة قيمتها مسبقا، كي تتمكن من تنفيذ اتفاق "الغات" الجديد. وان تكن بعض الدول رفعت رسميا قيم التعرفات كي تتمكن من تخفيف آثار خفض مداخيل الجمارك على عمل الحكومات. ولا يخفى كم تعتمد الموازنات الحكومية على هذه المداخيل. ان الدول المتطورة لجأت الى وسائل ملتوية للتهرب من تطبيق بنود اتفاق "الغات" قبل تعديلها وتطويرها. ولا يخفى على احد ان الذين يسعون اليوم الى تحرير التجارة الدولية هم اكثر الناس ابتكارا لاساليب التهرب من تطبيق بعض مواد الاتفاق على انفسهم طالما ان التحرير يضر بمصالحهم (الولايات المتحدة ودول اوروبا)(5). ان من هم وراء اتفاق "الغات" يتناسون عن قصد مشاكل الدول النامية البنيوية ومن بينها الدول العربية، لذلك فإن تحرير التجارة له آثار خجولة على بعض الدول العربية النفطية، نظرا الى تخلف بناها الاقتصادية. ويكفي ان نشير في هذا المجال الى تدهور معدلات التبادل التجاري بين الدول العربية واوروبا الموحدة، لنتبين مسار العلاقات في ظل اي اتفاق وهذا يعني تدفق صاف للموارد المالية الى دول اوروبا الموحدة، وهل هناك افضل من هكذا وضع بالنسبة الى اوروبا (الدول العربية غير النفطية طبعا). لقد اعطت اوروبا دولاً عربية عدة صفة الدول الصناعية الاكثر رعاية، ومع هذا فهل غيّر ذلك كثيرا في موازينها التجارية في اتجاه ايجاد شبه توازن؟ الجواب لا يحتاج الى كبير عناء، فالامر لم يتغير، وبقيت الدول العربية تصدر لأوروبا والعالم نحو 80 في المئة من صادراتها كمواد اولية. لنلقِ ضوءا على القطاعين الاقتصاديين الزراعي والصناعي. القطاع الزراعي ان اتفاق "الغات" ينص على خفض الرسوم الجمركية، حيث تلتزم الدول الصناعية المتقدمة بخفضها بنسبة 36 في المئة على وارداتها من الرسوم التي كانت مفروضة في عام 1986، ولا تقل نسبة الخفض عن 15 في المئة، ويتم ذلك على ست سنوات وبمعدل 6 في المئة سنويا. واذا علمنا ان المجموعة الاوروبية تقدم دعما نسبته 6ر83 في المئة على السلع الزراعية عام 1991 لتبيّنا انه على رغم محاولة تحويل الدعم الى رسوم جمركية الا ان نسبة الحماية عالية اساسا، خوفا من المنافسة الخارجية. ونسبة خفض الدعم ايضا تبلغ 36 في المئة على مدى ست سنوات وهي غير كافية لايجاد توازن صحيح. ان اتفاق "الغات" المطبق منذ 1948 والذي يعمل على الغاء الدعم وخفض الرسوم الجمركية، هذا الاتفاق لم يتمكن بعد 46 سنة من تحقيق ادخال منتجات الدول الاخرى بحرية اكبر الى مجموعة الدول الاوروبية والاميركية. ان قيمة الدعم الداخلي الذي تمنحه اوروبا في الفترة الاساسية التي نص عليها الاتفاق (1986- 1988) بلغ متوسطه 73530 مليون وحدة نقد اوروبية اي ما يعادل 80883 مليون دولار اميركي وقد اتفق على قيمة هذا المتوسط بنسبة 20 في المئة على مدى ست سنوات ومن دون تحديد نسبة خفض كل سلعة على حدة. وعلى رغم الكلام عن خفض الدعم فإنه سيبقى من دون شك عاليا جدا وهذا يؤكد رغبة هذه الدول في المحافظة على دعم الانتاج الزراعي الوطني لأن المنافسة (خصوصا الاميركية والكندية) قد تؤدي الى تدهور الانتاج الوطني، وتشكل مشكلة اجتماعية عند الدول الاوروبية، هي في غنى عنها في ظل ظروف الركود الاقتصادي الذي تعيشه هذه الدول. اضف الى ذلك الى انه على رغم النص على خفض قيم الدعم، الا ان ذلك راح يأخذ صيغا مختلفة للمحافظة عليه منها: برنامج الخدمات الحكومية اي ان الدولة ستقوم بالابحاث الخاصة بانتاج المحاصيل الزراعية ومقاومة الآفات والحشرات والتدريب، وخدمات التسويق والترويج وتأمين البنى الاساسية (الكهرباء والطرق والمياه والسدود...)، وهناك الكثير من البنود التي يمكن بواسطتها دعم المحاصيل، وهي حتما لا تخالف نص اتفاق "الغات" ولا روحه. ولكنها تبقي المساعدات في شكل آخر قائمة. اما الدول النامية والتي تنتمي اليها الدول العربية التي التزمت بالاتفاق (مصر والمغرب وتونس والكويت وقطر والبحرين والامارات)، فتلتزم خفض الرسوم الجمركية على وارداتها الجمركية التي كانت مفروضة عام 1986 بنسبة 24 في المئة وعلى مدى عشر سنوات، وتحويل الرسوم غير الجمركية الى ما يعادلها من الرسوم الجمركية، وتطبق على هذه الدول كل الحقوق والالتزامات باعتبارها اعضاء في "الغات"، في حين لا تزال المملكة العربية السعودية والاردن والجزائر وغيرها تتفاوض للانضمام الى عضوية المنظمة التجارية العالمية. ان تحرير التجارة الزراعية الدولية سوف يلحق آثاراً سلبية بالقطاع الزراعي. فالتوقعات تشير الى انه اذا حرّرت التجارة وتوقف دعم الدول النسبي لمنتجاتها الزراعية، فان الاسعار سترتفع في حدود ثلاثة اضعاف، لتعويض النقص في المردود. واذا علمنا ان الدول العربية دول مستوردة للمنتجات الزراعية، وخصوصاً الغذائية تبيّن لنا ان فاتورة المستوردات ستكون بين الضعفين والثلاثة. ونرى خطورة الامر بالنسبة الى الدول العربية المشرقية، لان الاراضي الصالحة للزراعة مستغلة في شكل شبه كامل والموارد المائية محدودة والتزايد السكاني ضاغط، لان معدلاته لا تتناسب ومعدلات نمو الانتاج الزراعي والغذائي الامر الذي يفرض عليها دفع قيمة الفاتورة مضاعفة، في حين ان المغرب العربي، في المدى المنظور، وبسبب عدم وجود خطط لتطوير الاراضي للزراعة واستصلاحها في شكل كاف، فان فاتورة مستورداته ستكون ايضاً مرتفعة (6)، ولا يخفى ما للبطالة من آثار سيئة فمعاناة المواطنين ستكون اكبر خصوصاً اذا اضيف الى ذلك التضخّم المستورد فان الازمة بناء عليه ستكون اكبر. ان 135 مليون هكتار من الاراضي العربية قابلة للزراعة ولا تستغل منها سوى 6،56 في المئة وان 15 في المئة فقط من هذه الاراضي مروي، وتبقى الارض المزروعة عرضة لتقلبات الاحوال الطبيعية (كمية المياه المتساقطة، الآفات وغيرها...). واذا علمنا ان توقعات الانتاج العربي خلال الفترة المقبلة ستكون نحو 24 مليون طن من القمح وان توقعات الاستهلاك الظاهري ستكون نحو 45 مليون طن لتبيّن لنا كم ان العجز سيكون كبيراً، فهو نحو 21 مليون طن. وسيكون العجز في الحبوب الخشنة نحو 27 مليون طن والسكر 5،5 مليون طن والزيوت النباتية ستكون 5،3 مليون طن وسيكون عجز الالبان 15 مليون طن. كل ذلك يوضح لنا كم ان المستقبل سيكون قاتماً، اذا ترك امر الوضع على ما هو عليه. اضافة الى ان موضوع الجودة اخذ في اتفاق "الغات" حيزاً اساسياً وهو يعني التدخل المباشر الخارجي، مراقبة جودة السلعة حتى تكون مقبولة في اسواق العالم وصالحة للاستعمال. هذا الامر يعني ان الدول الغربية وضعت مواصفات تتناسب مع واقعها ومعايير تخدم توجهاتها وسلعها، والخوف من ان لا تتمكن الدول العربية في المدى المنظور من ان تتوافق مع مواصفات السوق العالمية وتالياً يحرم العديد من هذه السلع من التصدير الى السوق العالمية وتصبح السوق المحلية مرتعاً لسلع ومنتجات اجنبية منافسة. "ان 80 في المئة من السلع المتداولة في التجارة البينية العربية تدخل في اطار التحرير، وبالطبع سيتأثر الوطن العربي بافرازات ذلك الاتفاق سواء بما يستورده من سلع او في ما يصدّره حالياً ويسعى الى تصديره مستقبلاً من سلع ونخص بالذكر قطاع الغذاء لخصوصيته العربية، ولحالة الانكشاف الغذائي التي نحياها حالياً" (7). "وقد حدثت توقعات كثيرة حول المكاسب التي يمكن ان تتحقق نتيجة لاتفاق "الغات" وهي لمصلحة الدول المتقدمة في مقابل خسائر للدول النامية تتفاوت بين منطقة واخرى. ان آثار اتفاق "الغات" هي اكثر خطورة في ظل البنى الاقتصادية القائمة، وفي ظل التشرذم. الا انها اقل خطورة اذا عملت الدول العربية على تطوير القطاعات الاقتصادية، وتعاونت في ما بينها. لان هذا الامر سيؤمن للانتاج منفذاً، والتكتّل اعطى الحق بالحماية في ظل اتفاق "الغات". وتنص المادة 15 من معاهدة ماستريشت على حق الدول المنضوية تحت لوائها، في اتخاذ اجراءات حمائية موقتة ضد الواردات من خارج الجماعة، وجاء اتفاق "الغات" ليؤكد على هذا المبدأ ولاستثناء الاتحادات الجمركية الحرة من مبدأ التمييز في التبادل. جاء ذلك نتيجة لكون الدول المتقدمة وخصوصاً الولايات المتحدة والمجموعة الاوروبية تحظى بنسبة كبيرة من التجارة العالمية والتي قدّرها احد المصادر بنحو 36 في المئة، ونحو 5،85 في المئة من مبيعات الحبوب و84 في المئة من اجمالي مبيعات القمح و35 في المئة من تجارة الخدمات. لذلك يتوقع، ان يرتفع صافي اجمالي الدخل الاوروبي نحو 6 مليار دولار سنوياً وان يوفر الاتفاق اكثر من 460 الف فرصة عمل داخل المجموعة الاوروبية. كما يتوقع ان يؤدي الاتفاق الى طفرة في التدفقات الاستثمارية الخاصة تساهم في تعزيز عمليات تدويل الاقتصاد، والتي تلعب الشركات المتعددة الجنسية فيها دوراً بارزاً بعد التزايد السريع في عددها وفاعليتها" (8). القطاع الصناعي يبلغ معدل الخفض على المنتجات الصناعية لمجمل دول العالم بين 62 في المئة على المعادن و20 في المئة على المنسوجات والالبسة والجلود والاحذية. والنسبة المئوية للدول النامية تراوح بين 70 في المئة على المنتجات المعدنية والحجار الكريمة الى 18 في المئة على معدل النقل. وتحتل صناعة البترو كيميائيات والحديد الصلب والمنسوجات والالبسة مركز صدارة الصناعات في الدول العربية. فهل سيكون لاتفاق "الغات" دور في تطوير علاقات ومبادلات الدول العربية مع دول اوروبا الموحدة؟ ان دول اوروبا الموحدة تعطي مزايا تفضيلية لمنتجات بعض الدول العربية وهذا يعني ان اتفاق "الغات" ينص على منح الدول المنضوية تحت لوائه صفة الدولة الاولى بالرعاية وهذا يعني ان هذا الاتفاق سيزيل ميزة التفضيل التي اعطتها الدول الاوروبية لبعض الدول العربية. واذا علمنا ان منتجات الدول العربية منتجات قابلة للمنافسة العالية خصوصاً منافسة دول جنوب شرق آسيا، تبيّن لنا مدى الانعكاسات السلبية على وضع هذه الدول الاقتصادي والاجتماعي. ان اهم منتجات الدول العربية هي النفط والغاز وهذه المنتجات لم يشملها في المدى القصير التحرير الكافي: فصادرات النفط لم تشملها الخفضات الجمركية، في حين ان منتجات المنسوجات والالبسة لم تحظ بخفضات جمركية مهمة بحجة منع الآثار السلبية الممكنة على منتجات بعض الدول. ان اتفاق "الغات" يخفض التعريفات على المنتجات الصناعية بنسبة 38 في المئة على مجمل السلع الصناعية، الا ان نسبة تقليص الرسوم على الالبسة والمنسوجات خلال السنوات العشر المقبلة، لن تتعدى 20 في المئة في احسن الحالات، وهي في حدود 4،12 في المئة في حدها الادنى. وقد يكون هذا الخفض الضئيل من حظ الدول العربية كي تتمكن من اعداد صناعاتها اعداداً تنافسياً افضل (جودة، كلفة) خصوصاً اذا علمنا ان دولاً منتجة لهذه الصناعة (شرق آسيا) تتمتع بمزايا السوق التنافسية المطلوبة للمقاومة والبقاء. ان صناعة البترو كيميائيات العربية قد تحظى بظروف جيدة لدخول اسواق الدول الاوروبية اذا طبّق الاتفاق بامانة، لان المادتين الاساسيتين (النفط والغاز) متوافرتان في الدول العربية، وبكميات كبيرة، وباسعار استخراج متدنية جداً، اذا ما قيست باسعار غيرها من الدول الاخرى. اضف الى ذلك ان معظم دول اوروبا التي لديها صناعة بترو كيميائية لا تتوافر لديها المادة بل تستوردها من الخارج. ولذا، يمكن للدول العربية ان تعمل على تطوير هذه الصناعة بحيث تحقق قدرة تنافسية على المستويين الداخلي والخارجي. اما في ما يتعلق بالاسمدة الكيميائية والتي تعتبر الدولتان العربيتان المغرب والاردن من اهم الدول المصدّرة لها، فقد تتأثر سلباً في سوقها الاهم اوروبا، لاسباب تتعلق بالمحافظة على البيئة والصحة العامة. فقد شدّد اتفاق "الغات" على ضرورة اتخاذ الاجراءات الوقائية لحماية حياة الانسان والحيوان والنبات، وتالياً فان مراقبة نوعية الاسمدة الكيميائية المستعملة في الزراعة سيكون اكثر دقة لتحقيق السلامة العامة. هل صحيح ان "الغات" يؤسس لنظام عالمي جديد؟ ام ان مهمته الحقيقية تعميق النظام الاقتصادي القائم؟ بمعنى توطيد دور الدول الصناعية كمصدّرة للسلع النهائية، وابقاء دور دول العالم السائر في طريق النمو مقتصراً على استخراج الخامات الاولية وتصديرها في شكلها الخام. او اقامة صناعات محددة تحتاج الى ايدي عاملة رخيصة؟ هل ستبقى الدول الصناعية محتفظة بحقها في السيطرة الكاملة على اسرار التكنولوجيا المتطورة والسيطرة ايضاً على التجارة الدولية؟ هل يمكن الدول العربية ان تغير في سياسة دول الوحدة الاوروبية ومواقفها من دون وجود تكتل اقتصادي صلب، قادر على ايجاد علاقات متوازنة، وتحقيق مصالح متعادلة؟ كلا. هل ستستمر مشكلة الاختلالات بين اسعار السلع الاولية واسعار السلع المصنّعة؟ هل من مصلحة دول اوروبا الموحدة (وغيرها من الدول المتطورة) ان يتغير التقسيم الدولي للعمل، خصوصاً ان هذه الدول تؤمن افضل درجات المردود؟ في الواقع لا يفترض الانتظار لمعرفة ماذا سيحدث، اذ انه لا يجوز ان تبقى الدول العربية في هذا الوقت مكتوفة الايدي، وعليها ان تبدأ سريعاً في وضع خطة معمّقة لكل تفاصيل الاتفاق، كما عليها ان تبدأ في خطوتين متوازيتين تطوير الانتاج الوطني، وتقوية اواصر التعاون العربي (9)، اي ايجاد تكامل تدريجي مدروس ومنسق، يساهم في تحقيق مصالح جميع الدول العربية. ان الدول العربية ملزمة بان تشكّل كتلة فاعلة مؤثرة، ويمكنها تالياً ان تغير اسس التعامل مع اوروبا وغير اوروبا. ولا يتحقق ذلك الا في ظل تكتّل قوي، ليس بالكم ولكن بالنوع ايضاً. فالكم العربي لا معنى له من دون احداث تغيير جذري في البنى الاقتصادية، الامر الذي يعني تخفيف الاتكال على اوروبا. اي تعبئة الطاقات لتحقيق النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية، باستخدام مصادرها وامكاناتها، او لتحقيق الاعتماد على النفس، عندها فقط تتمكن الدول العربية من التحرر النسبي من قيود الدول الصناعية وشروطها ومن بينها دول الوحدة الاوروبية وتعزز موقعها في تعاملها معها. وبهذا تتخلص الدول العربية من ان تكون مصدّرة للمواد الاولية، او لبعض المنتجات الصناعية المتواضعة. ألم تقف اوروبا الموحّدة في وجه التوجهات الاميركية لتحرير التجارة الدولية في شكل يحقق مصالح الولايات المتحدة وكندا؟ ألم تصل هذه الدول في نهاية المطاف بفضل "تضامنها" الى تسوية؟ في المقابل الم تفرض الدول الصناعية اتفاق "الغات" على الدول النامية فرضاً؟ إما القبول التام وإما الرفض التام، والنظر الى مشاكل الدول النامية الحقيقية كان نظرياً (ضرورة تنمية اقتصادات الدول النامية؟) في حين ان الجزء الاكبر من الاتفاق كان يعمل على تحديد اسلوب تنفيذ الاتفاق وحدوده بين الدول الصناعية. فلو لم تكن اوروبا تكتلاً قوياً لكانت الولايات المتحدة القطب الوحيد اليوم في العالم لو ضغطت اكثر للوصول الى غاياتها. الا تحاول جاهدة العمل لدفع اليابان للرضوخ الى شروطها، والا فانها ستخضع لعقوبات اميركية! (10). وليس هناك تعبير ابلغ عن واقع حال الدول النامية ومن بينها الدول العربية مما جاء في قمة مجموعة دول التعاون والتشاور بين الجنوب والجنوب (مجموعة 15 دولة) في اواخر تشرين الثاني 1992، وقد ابرزت الدراسات انه "ومنذ عام 1970، كان نظام التجارة في العالم يعمل على نقل المواد الخام من جميع ارجاء العالم النامي الى اوروبا، كما نشطت حركة انتقال السكان من مكان لآخر، للحصول على الايدي العاملة للزراعة، وحدث تغير في استخدام الارض في اجزاء كثيرة من العالم، لمواجهة احتياجات السوق الاوروبية، واصبحت افريقيا والجزء الاكبر من اميركا اللاتينية وجزءاً كبيراً من آسيا، توابع اجنبية للقوى البحرية الصناعية في الشمال، واستخدمت كمصادر للمواد الخام" (11). وفي اطار هذا التكون التاريخي، تشكل بنيان لعلاقات اقطاعية بين الدول (الام) والدول التابعة يسير فيها التبادل رأسياً بين مراكز الدول (الام) والدول التابعة ويغيب فيها التبادل بين الدول الاخيرة ذاتها، بل وتحتكر فيها الدول (الام) ما كان من تبادل بين الدول التابعة. * بحث قدّم الى المؤتمر الدولي عن "الوحدة الاوروبية وآثارها على اقتصادات الدول العربية في ظل التداعيات الدولية المعاصرة" الذي انعقد في القاهرة بين 15 و17 تشرين الاول الماضي. استاذ في كلية العلوم الاقتصادية وادارة الاعمال في الجامعة اللبنانية هوامش: (1) انظر التقرير الاقتصادي العربي الموحد 1992. (2) تكتل "النافتا" (منطقة التجارة الحرة) بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، ومحاولة لإقامة تكتل بين اليابان وبعض دول جنوب شرق آسيا. (3) عمر مصطفى كامل حلمي: "تطور الاقتصاد العالمي والمؤثرات الجديدة للسياسة الدولية، القاهرة، العدد 109، 1992. (4) عبد الكريم المدرس: الاتفاق العام للتعرفات والتجارة "الغات" وآثاره الاقتصادية. غرفة التجارة العربية البريطانية، مقدمة الى اجتماع الخبراء العرب لدراسة اثار اتفاقات "الغات" على الاقتصادات العربية، 4-7 تموز 1994 ص25. (5) اخترعت الولايات المتحدة الاجراءات الرمادية فلجأت الى التقييد الاختياري للصادرات، حيث تمنع دول كاليابان او هونغ كونغ او سنغافورة او كوريا الجنوبية من تصدير عدد من السلع الى الولايات المتحدة يزيد على العدد المتفق عليه مقدما والا تعرضت لعقوبات تجارية، وتلتزم هذه الدول ايضا بالاستيراد من الولايات المتحدة في شكل اوسع. (6) يشكّل القمح نحو 60 في المئة من السلع الغذائية المستوردة للدول العربية ويتأثر ايضاً قطاع اللحوم والاجبان بتحرر التجارة الدولية والغاء الدعم. (7) فلاح سعيد جبر: "اتفاق "الغات" الجديد والنظم المتكاملة للجودة والامن الغذائي العربي" اجتماع الخبراء العرب 4 - 7 تموز 1994. (8) محمد السيد رضوان: اتفاق "الغات" وآثاره المتوقعة على الزراعة والواردات الغذائية في منطقة غرب آسيا. مقتبس عن مجلة "ضمان الاستثمار": نشرة دورية تصدر عن المؤسسة العربية لضمان الاستثمار، العدد رقم 75، كانون الثاني 1994 السنة الثانية عشرة. (9) انظر عبد الهادي يموت: التعاون الاقتصادي العربي واهمية التكامل في سبيل التنمية، معهد الانماء العربي، بيروت، الطبعة الثالثة، 1983. (10) انظر ماري فرانس توانى: "التجارة سلاح كلينتون المفضل" لو موند ديبلوماتيك، كانون الثاني 1994. (11) احمد طه محمد: "قمة مجموعة دول التعاون والتشاور بين الجنوب والجنوب" (مجموعة 15)، تضم المجموعة: مصر والجزائر ونيجيريا وزيمبابوي والسنغال والهند وماليزيا واندونيسيا والبيرو والارجنتين والبرازيل والمكسيك وجامايكا وفنزويلا. مجلة "السياسة الدولية" القاهرة، العدد 111، كانون الثاني 1993 ص 277 - 283.