الروح الجديدة للرأسمالية
Smaller Bigger

على مدى نصف قرن من الزمن تقريباً ولأسباب عديدة، شهدنا انهيار المجتمع الصناعي في الدول المتقدمة... بدأت المصانع في فرنسا تغلق الواحدة تلو الأخرى: مجمع رونو للسيارات في ضاحية باريس، مصانع الصلب في منطقة اللورين، مناجم الفحم في الشمال، مع هذا الإنهيار كان يتم إستئصال الطبقة العاملة ونقاباتها القوية. مناطق صناعية كاملة في أوروبا وفي الولايات المتحدة الاميركية تصحرت وتحولت الى مناطق منكوبة. المخرج السينمائي مايكل مور صورّ في فيلمه "روجر وأنا" عام ١٩٨٩، أزمة تدمير صناعة السيارات في منطقة "فلينت"، ميشغان. ينتقد مور في هذا الفيلم إعادة الهيكلة التي قررها روجر سميث (رئيس جنرال موتورز)، والتي أدت فيما بعد إلى إغلاق مصانع السيارات في هذه المدينة، لم يعد ثمة وظائف جديدة للعمال في "فلينت" إلا لحراس السجن كما يقول.

في بداية الثمانينات حدثت ثورة "مالية" في الدول المتقدمة، نتجت عن زيادة حصة الأنشطة المالية في تنمية الاقتصاد والمجتمع. هذا التماسك الجديد للمجتمع والإقتصاد الذي تمحور حول المال مثّل حالة قطع مع الماضي وأدى إلى الإحساس بنهاية حقبة "الزمن الجميل".

على أثر هذه التحولات تولى المساهمون إدارة الشركات، وأعيد تنظيم الرأسمالية الصناعية، أو ما عرف بـ"رأسمالية المساهمين" التي بنيت على: تغيير في ميزان القوى بين العمل ورأس المال في توزيع الثروة الوطنية، وتضخم دور القطاع المالي في إدارة المؤسسات (زيادة كبرى في نسبة التمويل الذاتي)، وتغَّير في ميزان القوى بين المساهمين والمديرين والموظفين لصالح المساهمين. شعار الثورة الليبرالية التاتشرية في الثمانينات كان "تخفيض الكلفة والأعباء"، كان لا بد للمؤسسات من إحداث ثورة "تنظيمية" للوصول الى هذا الهدف. فلجؤا إلى تقيلص نشاط المؤسسة الصناعية بحيث إقتصرت أعمالها على "قلب المهنة" فقط، أما الأعمال الباقية فتُركت للسوق حيث كانوا يستعينون بمصادر خارجية لتنفيذها. إنه نمط جديد في العمل وفي علاقات العمل... النموذج الصناعي "التايلوري" الذي كان سائداً في النصف الاول من القرن الماضي، والذي كان يشتمل على كافة أقسام الشركة وكافة مستوياتها داخل مبنى واحد، إنتهى...