تركيا والسعوديّة والإمارات تتنافس على زعامة مُسلمي العالم
Smaller Bigger

دفعت الطريقة التي استنكر بها رئيس تركيا رجب طيّب أردوغان مجزرة "الأبيض العنصري المتفوّق" ضد المهاجرين ولا سيّما المسلمين منهم داخل مسجدين في نيوزيلندا أخيراً الكثيرين في العالم العربي والإسلامي كما في العالم الأوسع إلى التساؤل عن دافعه أو دوافعه لذلك. وقد وفّر الإعلام وتحليلاته جوابَيْن مُحدّدين عن التساؤلات، الأوّل هو الانتخابات المحليّة التي ستُجرى قريباً في بلاده، وقراره استخدام المجزرة في حق مُسلمي "آخر العالم" لتمكين "حزب العدالة والتنمية الإسلامي" الذي يترأّس من الفوز فيها والذي قد لا يكون مضموناً رغم تحالفه مع الحزب القومي التركي. أمّا الثاني فهو إسلاميّته النابعة من انتمائه إلى "جماعة الإخوان المسلمين" أو من ميله الشديد إليها منذ نشأته التي دفعته إلى الدفاع عنهم في كل المحافل بعد "الظلم" الذي تعرّضوا ولا يزالون يتعرّضون له في رأيه.

هل هناك دوافع أخرى مُهمّة بدورها أو ربّما أكثر أهميّة لموقف أردوغان المذكور أعلاه دفعته إلى إيفاد نائبه في رئاسة تركيا ووزير خارجيّته إلى "كرايست تشيرش" النيوزيلنديّة تعبيراً عن تضامنه وبلاده وشعبه مع مُسلميها جرّاء ما تعرّضوا له أخيراً؟

يعتقد مُحلّل سياسي آسيوي جدّي أن المسؤولَيْن المُشار إليهما أرادا زرع العلم التركي بعيداً جدّاً من بلدهما من أجل توسيع التأييد العالمي لأردوغان في مناطق تتجاوز حدود "السلطة العثمانيّة" في عزّها، وأيضاً من أجل الترويج لحكمه القائم على تزاوج الإسلام والاستبداد والوطنيّة أو القوميّة التركيّة. وبذلك بدا واضحاً أنّه أضاف الدين إلى الوسائل الديبلوماسيّة التقليديّة التي تستخدمها الدول عادة. أمّا الهدف من الزيارة، كما من الكلام الشعبوي العالي المُثير للغرائز الدينيّة والقوميّة وفي الوقت نفسه للمخاوف، فكان تثبيت تركيا زعيمة للعالم الإسلامي الذي تتنافس على قيادته حاليّاً المملكة العربيّة السعوديّة والإمارات العربيّة المتّحدة وبدرجة أقلّ المملكة المغربيّة. وللنجاح في ذلك تبنّت أنقرة القضايا العزيزة على قلوب المُسلمين مثل القدس ومُسلمي "الروهينغا" وغيرهما، وقرّرت الذهاب بعيداً في ذلك بعدما لاحظت تراجع الدولتين المذكورتين خطوة إلى الوراء، وتجاهل دول إسلاميّة أخرى القضيّة برمّتها. ولهذا السبب خرقت صمت غالبيّة مُسلمي العالم عن "انتهاك" الصين حقوق مُسلميها من أصل تركي في مقاطعة كسينغيانغ مع حرصها على عدم الوصول إلى قطيعة مع بيجينغ. وشيّدت مساجد كبيرة ومراكز ثقافيّة في العالم مثل الولايات المتحدة ومنطقة الكاريبي وأوروبا وافريقيا وآسيا، كما موّلت التعليم الديني وأعادت تأهيل المواقع الأثريّة العثمانيّة. فضلاً عن أنّها ضغطت على حكومات عدّة في افريقيا وآسيا لإقفال المدارس الكثيرة العدد جدّاً التي أقامتها حركة "حزمت" ومؤسّسها فتح الله غولن الذي يتّهمه أردوغان بالضلوع في محاولة الانقلاب العسكري عليه. إلى ذلك فتحت أنقرة في السنوات القليلة السابقة 26 سفارة في افريقيا ووسّعت انتشار الخطوط الجويّة التركيّة بحيث صارت تشمل 55 محطّة افريقيّة، وأقامت قاعدة عسكريّة في الصومال وأخرى في قطر، وفاوضت السودان على استئجار جزيرة سواكين لمدّة طويلة. وهي بذلك بدأت تأخذ من طريق السعوديّة التي أنفقت على "إسلامها" مئة مليار دولار أميركي في العالم. كما أنّها تُنظّم رحلات إلى الأراضي المُقدّسة فيها وتوفّر مُنظّماتها غير الحكوميّة مساعدات إنسانيّة في أراضي "السلطنة" السابقة.