أنا تلميذ أندريه مارتينيه والخليل الفراهيدي
Smaller Bigger

واحدةُ من مَسَرَّاتِ العمر أن يُكَرَّمَ تلميذُ المعارِف، البيروتي الهوى والهُوية، ويقفَ في سرايَ بلدِه، وبحضورِ نخبةِ مُستنيرة، ليتحدَّثَ عن مشوارِه مع سيرورة اللغةِ في المجتمع. فمن حكاياتِ أبي وتسبيحاتِ أمِّي تعلَّمتُ أن ألفباءَ العربيةِ سبيلٌ متدفِّقٌ عذوبةً، وليسَ صَخرًا جَلمَدًا. في الستينيات تيقّنَ الفتى البسطاوي الذي كنتُه، نشأةً ومقامًا، أن فضولَه العلمي وافتتانَه باللغةِ والتبصُّرُ في تنويعاتِها المُبتكرة لن يذهَبَ جُفَاءً.

في دار المعلمين وكلية الآداب تَفتَّحت مداركي، واتسَّعت دائرةُ معارفي، وتدافعت لهَجاتُ الوطنِ في كياني اللغوي.

مُبكِّرًا أدركتُ التمايزَ اللفظي لمفاتيحِ الكلام الشعبي على ألسنِ زملاءَ قادمين من كلِّ حَدبٍ وصَوب) من بسكنتا إلى الحدث فمزبود وميس الجبل (. فالاختلافُ التعبيريُ العفوي يكشِفُ بسهولةٍ المنابِتَ الأُولى. والمحكياتُ المعاصِرةُ تشكِّلُ حيثيةً هُوياتِيَّةً دامِغةً، ومُحَبَّبةً، تُستعادُ غِبَّ الطلبِ. لكنها تتراجعُ اليومَ بفعلِ العولمةِ والاختلاطِ مُفسِحةً المجالَ أمامَ تمدُّدِ اللهجةِ البيضاء. شَغَفي البحثي للتنقيبِ في قعرِ اللغة وطموحي المعرفي حفَّزَاني لتجاوزِ سورِ المدينة سعيًا للاتصال بالعالم وعلومه.

بعد نيلي الإجازةَ الجامعيةَ بتفوُّقٍ، هَجَّرتني سنواتُ الحربِ والفتنةِ إلى باريسَ حيثُ أدركتُ السوربونَ بمِنحةٍ فرنسية بعدما خذلتني جامعتي الوطنية. على مقاعدِه اكتشفتُ اللسانياتِ الاجتماعيةَ. فدرستُها ودرَّستُها، وباتت مذاكَ شُغليَ الشاغِل. أقدرتني مبادؤها على فهمِ كيفيةِ تشكّلِ التنوّعاتِ والبدائل اللغوية في طرائقِ التخاطب وسَبرِ أغوارِ مجازاتِها. وعلَّمتني أن وحدانيةَ المدلولِ وتعَدُّدَ دَوالِه لا تعيقُان صِحَّةَ التواصلِ. فاطمأنَّ قلبي.

انصرفتُ إلى دراسةِ الملفوظ واليومي والمعيوش، لاستقراءِ الأمزجةِ وكشفِ الخطاباتِ المسكوتِ عنها. ومذذاك أضحت اللسانياتُ مبرِّرَ وجودي. مؤلفاتي فيها أكسبتني سِمعةً علميةً أعتزُّ بها، على ما ألزمتُ به نفسي من "تواضعِ العلماء".

مجاورًا المُعَلِّمَ أندريه مارتينه، ومُتفهِّمًا نظريتَه الوظيفية، تيقَّنتُ بأن اللغةَ بنيةٌ اجتماعيةٌ تمتلكُ حياةً وقيمًا وانتظامًا، وتتغيَّرُ لأنها تشتغِل. فاعتمدتُها مِنصّةً علميةً، ومنطلقًا لمعالجةِ أشكالِ العمرانِ بوصفه ثقافةً وتاريخًا ولغةً واجتماعًا. ومُطبِّقًا مبدأ سوسّير "أسبقية المنطوقِ على المكتوب"، أبحرتُ في عوالمِ الملفوظ واليومي والمعيوش. وكان من بين طموحاتي النفاذُ إلى أعماقِ اللغة، وليسَ البقاءُ على سطحِها وظواهرِها.