عرف ابن خلدون الشهرة بمقدمته الذائعة الصيت التي طرح فيها "دور العمل في أطوار العمران وأحوال المدنيات" فاعتبره البعض "ماركس" أبكر في قلب الامة العربية الاسلامية. يتناول ابن خلدون في الكتاب الصادر عن "دار الفارابي" "دولة التتار وتاريخ المغول" أنساب التتار وأصلابهم بما هم من نسل يافث بن نوح، كما ورد تاريخه في التوراة، والمدهش ان هذا المفكر الاسلامي يعتمد التوراة مرجعا موثوقا به ونهائيا الى جانب استقائه من مصادر تاريخية كتابية وشفوية. وبحسب سردية ابن خلدون، فإن كل شعوب الشرق باستثناء العرق السلافي تعود بنسبها الى التتار، بما في ذلك بلاد فارس وبلاد الاناضول أي دولة بني عثمان، مع الاشارة الى ان ابن خلدون لم يتطرق الى دولتي الصين والهند مع الاشارة الى عداء المغول والتتار للدولة العربية، وهنا يمكن الاستنتاج ان تيمورلنك دمر الشام من موقع مجوسي معاد للاسلام وان هولاكو رمى مكتبة بغداد النفيسة في نهر دجلة ردا على الفتح الاسلامي لبلاد فارس الذي أحرق كتب المجوسية، وليس لأنه جاهل بالثقافة، لأن هولاكو تمتع بالذكاء.
لم يُزل ابن خلدون هذا المؤرخ الاسلامي – العربي ذي الجذور البربرية، الغموض عن المصدر الذي يربط بين يافث والتتار، واستنتاجي ان ارتكازه على التوراة مصدرا يقلل من وزنه النوعي، علما ان مؤرخي اليهود المعاصرين في الجامعات الاسرائيلية والاكاديميين الاركيولوجيين العبرانيين يوجهون لكمات قاتلة الى الرواية التوراتية الاسطورية ونفاقها التاريخي بعدما ظهر جليا للابحاث الاركيولوجية في سيناء اثناء احتلال اسرائيل لها ان لا أثر لموسى ولا بني اسرائيل ولا هم كانوا في مصر أو أي وجود لشخصية يوسف، الحسن الذي حاولت اغراءه امرأة الفرعون، وكأني بعلماء اسرائيل المؤرخين امثال نيل سيلبرمان او زئيف هيرتسوغ او اسرائيل فنكلشتاين او نعوم تشومسكي أو مكسيم رودنسون يردون على خلاصات ابن خلدون حول موثوقية التوراة باستنتاجهم ان حكايات التوراة رواها مجرد حكواتي ذي خيال وان خوارق أو أعاجيب صنائع الآباء في التوراة هي محض أساطير وخرافات، واليهود القدماء لم يقطنوا مصر، ولم يتوهوا في صحراء سيناء (ومساحتها 60 الف كلم فقط، أي ثلث مساحة سورية او اكبر من لبنان بـ6 مرات وكيف بالامكان التوهان في هذه المساحة الصغيرة 40 عاما)، ويشير المؤرخ الاسرائيلي زئيف هيرتسوغ ان وصايا الرب لم تنزل على جبل حوريب او طور سيناء ولم يفتحوا أريحا بالابواق وليس ثمة وجود لمملكة داود او سليمان.
أمام خلاصات علماء التاريخ والآثار الاسرائيليين اين تقف صدقية ابن خلدون الذي أخذ البعض على ماركس انه أهمله كعالم اجتماع؟ اعتمد ابن خلدون على التوراة ليقول إن التتار (المغول) المجوس من اصلاب يافث بن نوح، علما ان التتار غير مذكورين في التوراة. فبالنسبة إلى ابن خلدون ان ذكر اسم يافث في التوراة كاف للربط بينه وبين التتار وعلى هذا يقرر ان "كل الشعوب الموجودة في القارة الآسيوية تنسب الى يافث بن نوح".
ما يتعلق بدولة بني عثمان من الاصول السلجوقية – التركمانية، ذكر ابن خلدون التوراة لأنها تقول ان توغرما هو ابن غوم ابن يافث بن نوح ثم يعتمد على الاسرائيليات لانها تنسب الخزر (أي دولة الخزر المتهودة الى الاصول التركمانية ومنهم يهود اسرائيل الحاليون).
تعد التوراة في نظر ابن خلدون مصدرا مقدسا وجديرا بالثقة (وكان ابن خلدون اختصاصيا في المذهب المالكي)، وهو يعتمد على سورة "البقرة" وسورة "النساء" وسورة "المائدة" وسورة "هود" من دون حس تاريخي هو ان "يهود الشتات" لا علاقة لهم بـ"يهود الاسباط" الذين حاورهم النبي العربي من مثل "واذكروا نعمتي يا بني اسرائيل واذكروا اني أنعمت عليكم"، وليسوا هم يهود خيبر (على مقربة من يثرب المدينة) وكانت حصونهم عالية وقد اقتحمها الامام علي بن أبي طالب. حصل هذا في مرحلة كان العلماء المسلمون ينقسمون الى تيارين حول صحة التوراة، تيار يقول ان هناك تغييرا في المعنى والكلمات وتيار يرى فقط تبديلا في التأويل وهو ما ذهب اليه ابن خلدون والمسعودي. يستنهض نص ابن خلدون حيوية البحث الجاد واعادة تقييم صاحب "المقدمة".
نبض