.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
لست خبيراً اقتصادياً ولا خبيراً مالياً، وبالطبع لست رجل سياسة. لقد فكّرتُ ملياً في الموضوع الذي يتناوله هذا العدد الخاص. وكي لا أطيل الكلام، أقول إن هاجسَين يرافقانني في حياتي المهنية: المرضى كوني طبيباً، والطلاب كوني أستاذاً. لم يعد ممكناً تدريس الطب بمعزل عن العالم المحيط بنا، بل يجب أن تُشرَّع الآفاق أمام الأطباء الشباب كي يتمكنوا من اكتساب جميع الكفاءات المطلوبة.
انطلاقاً من موقعي على رأس كلية الطب في جامعة القديس يوسف، أخذتُ هذه المهمة على عاتقي وكرّستُ قسطاً كبيراً من وقتي من أجل العمل على بناء تعاون مع كبريات الكليات والمستشفيات في أوروبا وأميركا، وكذلك من أجل جمع شمل قدامى الطلاب كي لا يغيب عن بالهم الامتنان الواجب للجامعة الأم، ومسؤولياتهم تجاه الأجيال الصاعدة. لقد دأبنا على إبرام عدد كبير من الاتفاقات مع أعرق المستشفيات الجامعية كي نندمج في شبكاتها، شبكات التأهيل العلمي والتدريب والرعاية الصحية والأبحاث، وكي نضع كليتنا وجامعتنا وبلادنا من جديد على الخريطة الاستشفائية الجامعية؛ في هذا العالم المعولَم، لن نقوى على مواجهة التحديات فُرادى. لذلك بادرنا إلى مضاعفة اتفاقات التوأمة الدولية، ومن الأمثلة على ذلك التوأمة بين مركز المحاكاة في جامعة القديس يوسف ومركز المحاكاة في جامعة باريس ديكارت (iLumens)، وبين مختبر علم الوراثة في جامعتنا ومركز التميّز الباريسي Imagine، وبين مختبر الجراحة في الجامعة ومركز التميز Ircad في ستراسبورغ.
تبادُل الطلاب والأطباء المتدرّجين والمقيمين، يتمّ في الاتجاهَين. ففي كل عام، نرسل ما يزيد على مئة طالب وطبيب متدرّج ومقيم إلى أوروبا، ونستقبل ما يناهز المئة في جامعتنا. لكن أبعد من هذه المبادرات التي تستحق الثناء، تُطرَح مشكلة أساسية: ألسنا نشهد على تحوُّل طلابنا منتَجاً مُعَدّاً للتصدير؟ إنه هاجسٌ مؤرق يقضّ مضجعنا. لم يعد لبنان قادراً على استيعاب أعداد المتخرّجين الآخذة في التزايد عاماً بعد عام، إنما هل باستطاعته التخلّي عن رجاله ونسائه الأكفياء ذوي المؤهّلات الممتازة؟ هل يُعقَل أن نقف مكتوفي الأيدي فيما نتفرّج على هجرة الأدمغة، لا بل أسوأ من ذلك، ألسنا نساهم في هذه الهجرة؟
ما ينقصنا بصورة خاصة في لبنان هو رؤية للمستقبل، تخطيطٌ في المدى المتوسط والسطويل، علينا أن نضع حداً لهذا التقاعس الذي يجتاح مختلف القطاعات، بما في ذلك قطاع التعليم والقطاع الصحي. نحن في أمس الحاجة إلى هيئات ناظمة، حتى في غياب الدولة، وعلى الرغم من انحلالها. لقد سبق لنا أن أطلقنا تعاوناً واسع النطاق بين أفضل الجامعات في لبنان بغية التنسيق معاً من أجل الحفاظ على المستوى التعليمي والقطاع الصحي، ووضع رؤية مشتركة، وتوظيف كامل إمكاناتنا في خدمة مجتمعنا وإخوتنا في الوطن.