الزراعة في لبنان: قطاع مأزوم وآفاق ضبابية

الزراعة في لبنان: قطاع مأزوم وآفاق ضبابية
الزراعة في لبنان: قطاع مأزوم وآفاق ضبابية
Smaller Bigger

لم تحظ الزراعة اللبنانية منذ الاستقلال بالالتزام الرسمي والشعبي لتطويرها على غرار قطاعات اقتصادية أخرى كالخدمات أو التجارة. فقد اعتُبرت الزراعة خلال العقود الخمسة الأخيرة قطاعاً هامشياً وثانوياً في القطاعين العام والخاص، واكتفت الحكومات برصد موازنات خجولة، وتم تغييب الزراعة بالكامل عن مشاريع الدولة وخططها في إدارة موارد لبنان الطبيعية، وإعطاء الأولوية لمشاريع إعمار واستثمار غير مجدية أدت إلى تراجع التنوع الحيوي وهدر الموارد الحرجية والسمكية وتلوث الأنهار والمياه الجوفية بالنفايات والمياه المبتذلة، وفقدان إنتاجنا الزراعي والحيواني قيمته الغذائية ونوعيته وجودته التي اتسم بها في الزمن الغابر.

كما عانت الزراعة من الفوضى المستشرية في القطاع الخاص وضبابية العلاقة مع القطاع العام، بغياب التشريعات الناظمة لمحاور استراتيجية في الأمن الغذائي والإدارة المستدامة للموارد الطبيعية في لبنان. صحيح أن الاكتفاء الذاتي لم يعد هدفاً للسياسات الزراعية، إلا أن الفجوة الغذائية كبيرة جدا حيث يستورد لبنان ما يزيد على 80 في المئة من حاجاته الغذائية، ولا تساهم الزراعة بأكثر من 4 في المئة من الدخل الوطني، بينما تشكل 6 في المئة من القوى العاملة من الذكور و5.7 في المئة من الإناث، وتستقطب أعلى نسبة من الفقراء وكبار السن، في حين يقدّر استهلاكها من المياه بنحو 810 ملايين متر مكعب سنوياً.

أما حقيبة الزراعة فلم تكن يوماً ضمن سلة الوزارات المرغوبة أو "الدسمة". وقد انتهج القيّمون على هذا القطاع مسارات مرتجلة غير منتظمة تعتمد الحماية والتقوقع وتقديم الخدمات المخدرة في ظل انفتاح الأسواق العالمية والعربية والسياسات التنافسية التي اعتمدتها كل دول المنطقة. وترافق ذلك مع استرخاء في آليات الرقابة على الإنتاج ومع الارتفاع في كلفته مما أضر بسمعة المنتجات في الأسواق العالمية، فأحجم أصحاب الرساميل عن الاستثمار فيها، وانحصرت العمالة الزراعية بغير اللبنانيين وبات القطاع عاجزاً عن استقطاب الشباب وتوفير فرص عمل جديدة على الرغم من توفر أفضل كليات الزراعة، وإمكان الحصول على تمويل ميسّر للمشاريع الرائدة. ولا بد من الإشارة إلى أن الأزمة السورية قد فاقمت الوضع الصعب، فأدى تعطل طريق التصدير البرية إلى وقف التصدير وتكيف الأسواق الخليجية مع منتجات غير لبنانية.