هولندا ستفتح تحقيقاً بأعمال شغب في مباراة أجاكس وفينورد

فاجعة النقل المشترك
Smaller Bigger

في أواسط تسعينات القرن الماضي، تعاقدت وزارة الاشغال العامة والنقل مع شركة خاصة لتشغيل حافلات جديدة للنقل المشترك (الأوتوبيس)، تملكها الشركة وتسيّرها في بيروت وضواحيها القريبة والبعيدة، أي ما عُرف ببيروت الكبرى. حصل التعاقد آنذاك، بعد الفشل المتكرر للمديرية العامة للنقل في الوزارة، في إعادة تشغيل القطاع وإداراته، على ما كانت عليه الحال في زمن ما قبل الحرب. الإطار أو السياق العام للتعاقد والتشغيل، كان لإحياء قطاعات الخدمات العامة المدنية للدولة، وخصخصة بعضها (الإتصالات، البريد، جمع النفايات ومعالجتها، وإعادة إعمار وسط مدينة بيروت).


كان هدف مشروع الخصخصة – الذي خاض أقطاب الجماعات الأهلية والميليشيات حرباً شعواء عليه وأفشلوه - تحسين إدارة الخدمات العامة، وتخليصها من اهترائها المزمن طوال سنوات الحرب، والحؤول دون سطو أولئك الأقطاب ومحاسيبهم، عليها، وتحويلها إقطاعات للهدر والفساد، أو بقرةً حلوباً للإثراء السريع وتكديس العاطلين عن العمل فيها، واستنزاف خزينة الدولة ونهبها في عمليات تطاحن شرس بإسم "حقوق" الجماعات وحصصها في قطاع الدولة العام وفي مقدرات البلاد. هذا ما استمر في "شركة كهرباء لبنان" التي كلفت الخزينة اكثر من ثلث الدين العام، فيما تراجعت خدمات الشركة وإدارتها وتقلصت ساعات التغذية بالطاقة الكهربائية.
ها نحن اليوم نشهد تطاحناً أشرس للسطو على حقول النفط والغاز المكتشفة في البحر، ولتقاسمها إقطاعات بين اقطاب الجماعات والنافذين فيها. أما قطاع الاتصالات الذي يدرّ أرباحاً ضخمة، فشهد بدوره جولات وجولات من التطاحن، بالرغم من خصخصته والرجوع عنها، مما خسّر الخزينة مئات الملايين من الدولارات، وجعل كلفة الهاتف الخليوي على المشتركين الأعلى بين دول المنطقة، وخدماته الأسوأ بين هذه الدول.
قطاع النقل المشترك في أسوأ أحواله، وقد يكون الاستغناء عن خدماته وعن بقايا تجهيزات الشركة التي تشغّله، أفضل بكثير من استمرارها في العمل. فمذ سيّرت الشركة الخاصة حافلاتها المميزة بلونها الاحمر وصغر حجمها (أكبر من الفانات وأصغر من حافلات الأوتوبيس الكبيرة)، لم تقم بصيانتها وتجديدها، بل تركتها على حالها تعتق وتصدأ وتتأكل وتتلف من الاستعمال طوال نحو ربع قرن. هذا من دون حسيب أو رقيب من أحدٍ.
وبما ان قطاع النقل المشترك لا تتنقل في حافلاته إلا الفئات الأفقر في البلاد، وعائداته وأرباحه ضئيلة، بقي خارج عمليات التطاحن للسطو عليه والاستثمار فيه، لتستمر الشركة الخاصة في تسيير بقايا حافلاتها الخربة التي لا تكاد تصلح لنقل الماشية: مقاعدها مبقورة، أبوابها مخلّعة، عوادمها تنفث في الشوارع دخاناً أسود كثيفاً خانقاً يترك بقعاً سوداء على جنبات الحافلات الصدئة المهترئة، التي لم يعد يُعرف لونها وتُترك بلا غسل ولا تنظيف، وقامت الشركة بترقيع حديدها، فيما يسلك سائقوها سلوك سائقي الشاحنات، ويشبهونهم في قيافتهم، لحاهم نابتة من دون حلاقة ولا تشذيب.
لذا تبدو هذه الحافلات، مرآة لانحطاط كل ما هو عام، ومشترك ولاهترائه الزري، وسط أسطول من السيارات الخاصة والفردية، الفخمة واللامعة والمتزاحمة في الشوارع، كمرآة لتشاوف اللبنانيين المحموم على عبادة المظاهر في صلفٍ لا يضاهى.
لكن ربما يبدو ترفاً ومن دون طائل وصفُ حال بقايا حافلات النقل المشترك المهترئة الخربة، وسط ما يعيشه لبنان اليوم من أزمات وجودية خانقة تشبه أمراضاً وأوبئة مزمنة يصعب علاجها والشفاء منها إلا بمعجزة قدرية.

الأكثر قراءة

الخليج العربي 5/9/2026 11:05:00 PM
جرى خلال الاتصال، استعراض علاقات التعاون بين البلدين وسبل دعمها وتعزيزها...
الخليج العربي 5/10/2026 1:02:00 PM
وزارة الدفاع الكويتية: القوات المسلحة رصدت فجر اليوم عدداً من المسيّرات المعادية داخل المجال الجوي الكويتي وتمّ التعامل معها وفق الإجراءات المعتمدة
كتاب النهار 5/5/2026 1:21:00 PM
السؤال لم يعد: هل يستطيع الحزب أن يقاتل؟ بل: هل يستطيع أن يحمي الحياة اليومية لمن دفعوا ثمن قتاله؟
فن ومشاهير 5/3/2026 11:16:00 AM
حصدت إيميليا إعجاباً واسعاً، وتحوّلت رقصتها إلى موجة يقلّدها الجمهور وصنّاع المحتوى.