.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
بلغ المخرج التركي المعلم نوري بيلغي جيلان مرتبة متقدمة في السينما بحيث يمنحك الأشياء على دفعات، عليك ان تصبر لتنال. بهذا، يتماهى مع جوهر الحياة نفسها التي تحمل ما تحمله من شقاء وصمود وارادة، تلك الحياة التي يحلو لاتيان شاتيلييز تسميتها، بـ"نهر طويل هادئ". هذه التقنية في كشف الروعة على مراحل، التي يتمكّن منها جيلان فيلماً بعد فيلم، تبلغ ذروتها في جديده، "شجرة الإجاص البريّة"، الذي يدنو من الحياة خطوة خطوة، كمَن يستيقظ ليلاً ويحرص على عدم كسر صمتها وتخريب صفائها.
عُرض الفيلم، وهو الثامن لجيلان، في الدورة الأخيرة من مهرجان كانّ السينمائي (٨ - ١٩ أيّار) في اطار المسابقة الرسمية، وليس مستغرباً انه لم ينل أي جائزة. فالدورة التي انتهت قبل أيام، تأثّرت إلى حدّ ما بأحوال العالم وقضاياه، ويبدو أن عمل جيلان لا يرضي هذا "التوجه" عند الذين يقاربون الأشياء بسطحية ومباشرة، على رغم انه في نظري حامل لأمّ القضايا: الإنسان في مواجهة محيطه، ولكن قبل أي شيء آخر، في مواجهة نفسه وحاضره في ظلّ ماضيه وعلى أعتاب مستقبله. رائعة جيلان ولدت على هذا التقاطع الزمني.
فوّتت لجنة التحكيم برئاسة كايت بلانشيت فرصة ردّ الاعتبار إلى سينمائي (سبق ان فاز بـ”السعفة” عن "سبات شتوي" قبل خمس سنوات) يروي بلاده بهذا القدر من الحساسية والبلاغة، مقيّماً وضعاً معقداً، حيث السياسي يتداخل بالاجتماعي والديني، وهذا كله من دون ان يقدّم خطاباً بالمعنى المتعارف عليه. لم يبدِ هؤلاء أي تعاطف مع رواية من الروايات التي تظهر كيف ان السلطة القمعية التي لا نراها البتة، تساهم في تدمير ممنهج، ليس فقط للفرد بل للضمير والقيم. فيلم جيلان يمنحنا فكرة واضحة وشاملة للمشهد السياسي والديني والاجتماعي والنفسي في بلاده، لكن المرء يحتاج إلى قدرة على قراءة الخلفيات لالتقاط دلالاته. صحيح ان السيناريو الكارثي لم يتحقق (خضوع اللجنة لابتزار لوبي "مي تو" لاسناد "السعفة" إلى سيدة بهدف تسجيل موقف (٣ مخرجات شاركن في المسابقة)، لكن الصحيح أيضاً انه فاتها التقاط الاشارات التي بعثها جيلان.
■ ■ ■