22-05-2018 | 18:48
العلمانية في فكر جوزف مغيزل
نستعيد في #نهار_من_الأرشيف مقالاً كتبه علي ضاهر في "النهار" في 4 حزيران 1996، حمل عنوان "العلمانية في فكر جوزف مغيزل".
العلمانية في فكر جوزف مغيزل
Smaller Bigger

اعترف ان صفة العقوق تنطبق عليّ، كما على كثيرين سواي. ذلك ان استشعارنا بدور مواطنينا ونبوغهم لا يتم، الا بعد ان تكون يد المنون خطفتهم منا. فتدفعنا الفاجعة جرّاء غيابهم، الى التخاطب واياهم، ولكن هذه المرة، عبر اسلاك الموت الباردة، لا عبر تيار الحياة النابض. لا بل ان البعض يتخذ من الفاجعة مناسبة لتكريم ذاته من خلال تكريمه الفقيد. بمعنى ان مضمون الخطاب الوجداني الذي يطلقه الشخص المعبّر عن تفجعه بفقد جوزف مغيزل، ينطوي على تعميم مفاصل خطاب المفجوع لا على تعميم خطاب الفقيد. فدفعا لتهمة "العقوق"، وانتصاراً لمنطلقات الرجل، عبر تغليب خطابه هو، لا خطاب السوى، سنحاول تقديم خطاطة سريعة لمرتكزات الفكر العلماني عنده، آملين ان تتحول هذه المرتكزات فلسفة حياة ومنهاج عمل لدى أولئك المؤمنين بعروبة لبنان وتطوره الديموقراطي ومستقبله العلماني. العلمانية، تحديدها العلمانية هي نظرة شاملة للعالم (المجتمع والانسان والفكر) تؤكد استقلالية العالم، بكل مقوماته وابعاده وقيمه وسلوكيته تجاه جميع المذاهب الدينية او اللادينية والفلسفات على انواعها، نظرة تتطلب الممارسة الفعلية ولا تكتفي بالافكار التجريدية المحض. وهي بنظر جوزف مغيزل حياد الدولة تجاه الدين. والحيادية تعني انه على الدولة عدم اعتماد فلسفة التبخيس او التثمين علاقتها بقضية الدين. ولذلك فان ما يتولد عن هذا التعريف هو الملاحظات الآتية: 1- لا تعني العلمانية، وفقاً لهذا المعنى، الالحاد، ولا هي رديف له، كما يتوهم ذلك الذهن الشعبي. ففي حين ان الظاهرة الالحادية تقوم اصلاً على نكران كل مبدأ متسام، متعال على المادة، تقف العلمانية بشأن المتساميات والمتعاليات (ومنها الله والدين) موقفاً لا يفصل فيها بسلب او ايجاب، تاركة للمؤمنين حرية ايمانهم وللملحدين حرية اختياراتهم. 2- لا يجوز ان يكون للدولة العلمانية دين رسمي تعتمده في دستورها ولا يجوز لها ان تنحاز الى دين دون آخر، او الى طائفة دون أخرى او ان تكون السلطة عبارة عن تحالف طوائف. 3- لا يجوز للدولة ان تتبنى فلسفة ميتافيزيقية بعينها حيال الدين والحياة والانسان. باعتبار ان الشأن الميتافيزيقي امر احتمالي لا يرقى الى اليقين، كما انه يختلف في ابعاده ومعانيه باختلاف منطلقات الاشخاص والجماعات، فضلاً عن ان هذا الامر لا يجب ان يدخل في نطاق اهتمامات الدولة اليومية. 4- من الضروري بمكان ان نفرق بين استعمالين لكلمتين، تعبر واحدة منهما فقط عن مفهوم العلمانية. فالعلمانية المشار اليها هنا، لا نقصد بها الLaicite بل الSecularite. ذلك ان الاستعمال الاول يقتصر على طائفة المسيحيين المؤمنين والذين هم خارج الكنيسة. من هنا نرى ان الرسائل البابوية توجه الى هؤلاء والى الملتحقين بالسلك الكنسي دون اية تفرقة تذكر. اما العلمانية، طبقاً للاستعمال الثاني، فتعني كل الجماعات، مسيحيين او غير مسيحيين، مؤمنين او غير مؤمنين. أين تقف الدولة اللبنانية، بنظر مغيزل، من موضوع العلمانية؟ - ليست الدولة اللبنانية، برأيه، دينية، لانها لم تعتمد في تشريعاتها او في دستورها ديناً بعينه. - الدولة هي دولة طوائف، لانها اعتمدت في دستورها الانتماء الطائفي معياراً لتوزيع الوظائف العامة، مبررة ذلك بالتماس العدل. وعليه فالطائفة عندنا، تقوم مقام النظام الحزبي ان النقابي في مكان آخر. - ليست الدولة اللبنانية حيادية في شأن الدين، لان المادة التاسعة من الدستور نصت على "تأدية فروض الاجلال لله تعالى..." الامر الذي يجعل من الدولة صاحبة موقف ميتافيزيقي، ينزع الى الاعتراف بالله عبر تأدية اشكال الاجلال له، مما يشكل الغاء او تقليصاً للحرية الميتافيزيقية لغير المؤمنين بوجوده. العلمانية والطائفية السياسية ان الحديث عن العلمانية لا يستقيم الا بتناول مشكلة الطائفة السياسية، بوصفها واحدة من ابرز العوائق التي تنهض في وجه تحقيق المشروع العلماني في لبنان. يعتبر مغيزل ان هناك ثلاثة مواقف تتعلق بالغاء الطائفية السياسية: 1- موقف يريد استبقاءها كصيغة للحكم، شرط تنظيمها. 2- موقف يطالب بالالغاء التدريجي لها. 3- موقف يتبنى الالغاء الفوري لها من النصوص. بعد ان يقسم مغيزل المواقف المتعلقة بالطائفية على هذا النحو، يعمد الى تفنيد كل واحد منها على حدة. يشدد اتباع الموقف الاول على ابقاء الطائفية. اما التخلص من مساوئها فيتم عبر تحقيق المساواة والعدالة بين الطوائف، بحيث تنال كل منها المناصب والخيرات بما يتناسب وعدد ابنائها، فترقى وتساهم في ارساء قواعد الازدهار والهدوء والتفاهم... وبحسب هذا الموقف، فلا وجود للبنان، كوطن وكيان، الا من خلال وجوده الطائفي. فما هو رأي مغيزل في دعوة الفريق الاول؟ برأيه، أن الطائفية المعدّلة او حتى المصححة تتناقض مع مبادئ جوهرية كثيرة ذات علاقة بكياننا القومي والديموقراطي والحضاري، لذا: - ان الطائفية تجربة اثبتت فشلها حتى اليوم. - انها تتنافى مع واقع الجيل الجديد نفسياً وفكرياً. - ان التعايش المفروض او المنشود لم يكن حتى اليوم سوى تجاور مادي سطحي على صعيد الاعمال والمصالح الاقتصادية فقط. - تضع الطائفية بين المواطنين والدولة والوطن تبعية وسيطة هي التبعية الطائفية. - اعتماد الطائفية يحول دون تحقيق الديموقراطية الصحيحة (لا يجوز لابناء الطوائف ان يتعدوا رتباً معينة). بعد دحضه لمزاعم الفريق الاول، ينتقل مغيزل الى طرح مرتكزات الموقف الثاني، فيقول: "ان اصحاب هذا الرأي موافقون مبدئياً على القضاء على الطائفية، ولكنهم ينادون باتباع منهج الالغاء التدريجي سبيلاً لذلك". واهم خطوط هذا الالغاء: 1- الغاء الطائفية من النفوس قبل الغائها من النصوص. 2- الغاؤها من بعض النصوص قبل الاخرى: قوانين الاحوال الشخصية مثلاً، ثم قانون الانتخاب. وحجتهم في التدرج، ان الانتقال من الوضع الطائفي الى الوضع الوطني فجأة يحدث ردة فعل عنيفة تطاول الامن العام والاستقرار، كما ان تبديل النصوص بمفرده لن يغير في الواقع شيئاً. وعلى هذا الزعم يرد مغيزل: ان التخوف من عواقب الغاء النصوص تخوف غير مثبت وليس لدى اصحابه من قرائن تجعل العواقب محتملة الحدوث... (عندما الغيت مثلاً الاعتبارات الطائفية من الانتخابات البلدية بالنسبة للعاصمة في الخمسينات لم تحدث اية ردة فعل عنيفة او ضجة على الاطلاق). مما يعني ان كل عمل يصدر عن السلطة بغية الاصلاح والتقدم لا يلقى سوى التأييد. اما القول بأن الغاء النصوص لن يبدل من واقع النفوس، فيرد عليه بشيء اكثر تفصيلاً: 1- ان ابقاء الطائفية في النصوص يحول دون القضاء عليها في النفوس. 2- ليس على القوانين ان تستجيب لاي واقع مجتمعي مهما كان، لان ذلك الواقع ينشأ احياناً عن مسببات مصطنعة او خارجية او مزيفة، بل على القوانين ان تستجيب لحاجات الشعب التقدمية وامانيه الخيرة فتجذب الواقع اليه وتطوره. 3- لا يمكن تربية الابناء على الروح الوطنية وهم يرون منذ تفتح اعينهم وعقولهم الاطر القانونية، والحياة العامة مناقضة لما يتلقونه. 4- ونسوق نحن أيضاً ملاحظة نظرية، خلاصتها ان المطالب بالغاء الطائفية، تبعاً لقاعدة التمرحل والتقسيط هو كمن يطالب بالغاء الاستبداد عبر ممارسة المزيد منه. فكيف يمكن القضاء على الطائفية ونحن نطالب بالاحتفاظ ببعض الممارسات الطائفية وندعي اننا نمهد لالغائها؟ بعد استعراضه الرأيين السابقين، يتبنى مغيزل الرأي الثالث، وهو القائل بوجوب الغاء الطائفية كلياً وفوراً من جميع النصوص من جهة، واعتماد مخطط مقابل للقضاء على اسباب الطائفية البعيدة والقريبة من جهة أخرى. اما الدوافع التي دعته الى تبني هذا الموقف، فهي نفسها التي قدمها في نقد الرأيين السابقين. ان الغاء الطائفية برأيه من النصوص، يضعنا وحده في اطار وطني وديموقراطي، ويعبّد آمامنا الطريق للتحرر منها، ومن ثم لبروز الوجدان القومي البنّاء وبلوغ الوحدة المجتمعية المنشودة واستعادة المقاييس السليمة والانصراف الى معالجة الشؤون الاساسية وسلوك درب التقدم والابداع... اما النهج الذي يقترحه مغيزل لتحقيق هذه الاهداف فهو الآتي: 1- العمل فوراً على الغاء كل النصوص التي تكرس الطائفية او تستوحيها سواء من الدستور او من القوانين والانظمة العامة واستبدالها بنصوص وطنية عامة. 2- اعتماد المواطنية الديموقراطية المباشرة، كأساس لعلاقة اللبناني بدولته واشتراكه بنشاطها ومظاهر حياتها ومؤسساتها. 3- احلال التكتلات والقوى الحزبية مكان التكتلات والقوى الطائفية في التمثيل النيابي. 4- اعتماد الدولة العلمانية كقاعدة تعامل بينها وبين الاديان. فتحترم الدولة الاديان كافة وتعاملها على قدم المساواة وتقف منها موقف الحياد وكذلك تفعل مع اي مذهب او عقيدة أخرى. 5- التزام برنامج اقتصادي اجتماعي مصمم واسع المدى يغني المواطنين -بما يؤمن لهم من اعمال ومستوى من العيش متقارب ولائق- عن اللجوء الى الذرائع الطائفية لتحصيل منافع اقتصادية كالوظائف والمساعدات الاجتماعية. 6- التنبه الى ضرورة معالجة ذهنية المواطنين المتخوفين ونفسيتهم من عملية الغاء الطائفية. والى جانب هذه الامور، لا بد من نشر مبادئ تربوية تنطلق من إيلاء المدارس مهمة تكوين الروح الوطنية. فعلى الدولة ان تنطلق من نقطة الصفر لان حال المدرسة في لبنان -الخاصة والرسمية- مفجعة من الزاوية الوطنية. نشير ختاماً الى نقاط ثلاث نعتبرها بالغة الاهمية في ايضاح فكرة العلمانية، كحل يمكنه وحده انقاذ لبنان راهناً ومستقبلاً من عبء ازماته المتكررة والمتثاقلة. - رب سائل يقول، لم العلمنة ومجتمعنا اللبناني ما زال منقسماً حول ضرورة الغاء الطائفية السياسية. فكيف، والحال هذه تطرحون الاكثر تعقيداً (اي العلمنة) في حين ان الاقل تعقيداً (اي الغاء الطائفية) دونه عقبات وعقبات ونصيبه من التحقق يكاد يكون معدوماً؟ وفي الجواب، نقول ان المكتفي بالمطالبة بالغاء الطائفية وحدها دون العلمنة، نعتبره غير جاد في الغائها، بل هو يساهم عن قصد او عن غير قصد في ابقائها. ومثله كمن يقطع ذنب الافعى دون رأسها. ذلك ان الطائفية لا تنحصر في نطاق السياسة فحسب، بل تتعداها الى القانون والادارة والاشتراع والمجتمع وعلاقات العمل والتربية والقضاء وغير ذلك، الامر الذي يتطلب علاجاً جذرياً لكل هذه الطائفيات، وهذا لا يتم الا بالعلمنة الشاملة. - ان الغاء الطائفية السياسية من طريق الاستشارات والتراضي وتشكيل اللجان، او بانتظار خلق تيار وطني عريض يعمل على الغائها، امر شائك ومعقد كي لا نقول انه مستحيل. لقد قال رياض الصلح في 25 ايلول سنة 1943: "ان الساعة التي يمكن فيها الغاء الطائفية هي ساعة يقظة وطنية شاملة، وسنسعى كي تكون هذه الساعة قريبة باذن الله..." وها قد مضى نصف قرن من الزمان وبضعة من عقد والطائفية ما زالت اشد فتكاً واكثر مضاءً، واللبنانيون ما زالوا في كبوتهم غير مستيقظين. ان المطلوب اليوم هو صدمة لا يقظة، تكفل وحدها ايقاظ اللبنانيين من الطائفية والاستظلال بافيائها. ولا شك ان صدمة كهذه تتطلب رجالات دولة وقرارات اشتراعية تاريخية. - ان عدم الغاء الطائفية بذريعة ازالتها من النفوس قبل النصوص هو مضيعة للوقت واغتيال منظم لقوى المجتمع المدني. لذلك فان نظافة الاطار التشريعي وخلو التشريعات والدستور من كل ما يمت الى الطائفية بصلة هما المدخل لكل نقاش حول موضوع الطائفية والغائها. بحيث يغدو الجانب القانوني عاملاً اساسياً في ترسيخ قيم الديموقراطية والعدل والمساواة والحرية والوحدة الوطنية. ان الوفاء لجوزف مغيزل لا يتم الا عبر استلهام قيمه ونشرها وتبنيها، وهذا يتطلب من العلمانيين تحديداً، ضرورة الانضواء في تيار منظم يسعى الى احلال العلمنة الشاملة بدلاً من الدولة الطائفية.