الأحد - 20 أيلول 2020
بيروت 31 °

كانّ ٧١- سرغي لوزنيتسا: بوتين يذكّرني بماكبث

المصدر: " ا ف ب"
كانّ - هوفيك حبشيان
Bookmark
كانّ ٧١- سرغي لوزنيتسا: بوتين يذكّرني بماكبث
كانّ ٧١- سرغي لوزنيتسا: بوتين يذكّرني بماكبث
A+ A-

الأوكراني سرغي لوزنيتسا يتابع المستجدات السياسية عن كثب، كما اعترف في آخر لقاء جمعني به خلال مهرجان كارلوفي فاري الأخير. هذا السينمائي المسيّس الذي افتتح فيلمه "دونباس" قسم "نظرة ما" في مهرجان كانّ (٨ - ١٩ الجاري)، بنى صيته على مجموعة أفلام وثائقية قبل انتقاله إلى الروائية. مجتهد جداً، اذ لم يكف عن إنجاز فيلم كلّ عام طوال السنوات الماضية، آخرها "سيدة رقيقة" الذي عُرض في مسابقة العام الماضي. 

دونباس منطقة في شرق #أوكرانيا تسيطر عليها العصابات، وتدور فيها حرب ضروس بين الانفصاليين المناصرين لروسيا والجيش الأوكراني. كعادته، يراقب المخرج تأثير هذا الصراع على المجتمع، صراع أسفر عن نحو عشرة آلاف قتيل وشكّل ملامح المجتمع بأكمله. صحيح أن الفيلم روائي، ولكن يستلهم حوادث جرت بين عامي ٢٠١٤ و٢٠١٥، ويبقى وفيّاً لأدق تفاصيلها، طارحاً وجهة نظر مثيرة حول صعوبة الوصول إلى الحقيقة في عالم لا يقدّم سوى الصورة سبيلاً إليها. تلك الصورة التي نعلم كيف يمكن التلاعب بها لقلب المعطيات. 

من خلال سجل سينمائي استطاع التوفيق بين الخطاب السياسي والبصري، عُرف لوزنيتسا بمعاداته لـ #روسيا، ولكن مَن يدقق أكثر يفهم انه يناهض النظام الروسي الحالي "الذي يعرف دائماً كيف يوظف الظروف لمصلحته"، على حدّ تعبيره. في كانّ، تضامن لوزنيتسا مع المخرج الروسي كيريل سيريبرينيكوف الذي يشارك في المسابقة بـ"صيف" (سيرة الروك في زمن بريجنيف)، وتغيب عن كانّ لكونه في إقامة جبرية في موسكو بعدما اتهم باختلاس أموال عامة في إطار عمله رئيساً لأحد المسارح، إلا ان محاكمته أخذت طابعاً مسيساً، ما دفع بالعديد من الفنانين حول العالم إلى مساندته. لم يخفِ لوزنيتسا غضبه، اذ قال: "… وكأننا عدنا إلى القرون الوسطى حيث الحاكم يقرر كلّ شيء. فعندما أفكّر في بوتين، أتذكّر ماكبث". ويعتبر لوزنيتسا ان الفساد امتد إلى كلّ الجمهوريات السوفياتية بعد سقوط الإتحاد السوفياتي، وكييف كونها أكثر المجتمعات غربية لا تزال تحافظ على شيء من الخصوصية. "لا تزال هناك صحافة حرة، ولدينا مَن لا يزال يؤمن بالقضاء، ومحاكم تعمل إلى حدّ ما"، قال المخرج البالغ الثالثة والخمسين في مقابلة مع "تيليراما" غداة عرض الفيلم. \r\n

لوزنيتسا، الأوكراني النشأة والروسي الهمّ والسلافي الروح، اعتاد توثيق حياة البشر المقهورين في لحظة تاريخية منذ بدأ يخرج الأفلام في العام ١٩٩٧. هذا ما فعله في "ميدان" عندما صوّر التجمع البشري الكبير الذي تكوّن منذ تشرين الثاني ٢٠١٣ في ساحة الاستقلال وسط كييف للمطالبة برحيل الرئيس يانوكوفيتش. أو عندما أرّخ لحظة انتقال روسيا إلى الديموقراطية في "الحدث"، صيف ١٩٩١. عبر فضوله الفطري في استجواب التاريخ من خلال صور الأرشيف، وضع فيلماً كاملاً، على الرغم من انه لم يصوّر مشهداً واحداً منه.\r\n

لوزنيتسا المتخرج من "فغيك"، يعتبر نفسه وريث أبرام روم (١٨٩٤ - ١٩٧٦). يقول: "أعماله مختلفة عمّا كان ينجزه أيزنشتاين. ظهر هذا البديل لأن طريقة أيزنشتاين جرى استخدامها للدعاية الإيديولوجية. كنا نعلم أنه يعمل لصالح البروباغندا. "أكتوبر" على سبيل المثال عمل عظيم ولكن في الحين نفسه فيلم دعائي. هذا لا يمنع ذاك، لأن هناك نوعية سينمائية لا يمكن إنكارها. أجهل اذا كان اسلوبي يفيد لإنجاز الأفلام الدعائية التي تحتاج إلى سرعة. كما تلاحظ المونتاج دائماً متوتر وعلى قدر من السرعة، لأن المخرج الذي ينجز هذه الأفلام لا يريدك ان تحظى بوقت للتفكير. في المقابل، الدعاية اليوم صارت أذكى بكثير ممّا كانت قبل. ومسألة التلاعب بالمُشاهد... دعنا من هذا الخطاب، لأن في الحقيقة جميعنا نتلاعب به". \r\n


أسأله: "ألا توجد درجات؟ أليس الفرق بمقدار التلاعب؟"… يرد: "طبعاً، طبعاً، الفرق هو انني أستخدم التلاعب لأحضّ المشاهد على التفكير. لا أريد ان أعطيه حلولاً وأجوبة. التلاعب هو عندما يأتيك فيلم بحلول لكلّ أمراض المجتمع. هذا هو التلاعب". \r\n

في أول لقاء لي مع لوزنيتسا عام ٢٠١١، كان يستاءل لماذا لم تؤفلم قضية ليتفينينكو (عميل الكي جي بي الذي سُمِّم). ففي رأيه ان بعض المواضيع الحساسة في روسيا يشكّل التطرق اليها خطراً على حياة المخرج. "اذا تجرأتَ وفعلت، فستتلقى رصاصة في رأسك. قضية ليتفينينكو ممكن أن تعطي فيلماً عظيماً. لكن أنا أسأل: أين هذا الفيلم؟ لا أحد يريد أن ينجزه لأن الجميع يعرف أين يمكن أن يصل. سأعطيك مثالاً آخر يشرح حقيقة وضعنا في روسيا: هل تعرف قصّة "المواطن كاين" وأورسون ولز؟ طبعاً، تعرف. كانت هوليوود كلها ضد هذا الفيلم وهناك مصالح تضررت جراء إنجازه. أتعلم ماذا كان ليكون الحلّ الروسي في الأوساط النافذة؟ بكل بساطة كانوا قالوا: "أقتلوا أورسون ولز". من ناحية، هناك مصنع سينمائي كبير يدر المليارات، ومن ناحية أخرى حياة مواطن مسكين. في رأيي، لما كان الروس ترددوا في قتل ولز في وضع مماثل". \r\n


الكلمات الدالة