يهمّني أن أواصل في هذه الأيام الأخيرة، التي تسبق الاستحقاق الانتخابي في 6 أيار المقبل، الإضاءة على شخصيات خلاّقة وعلامات مضيئة في تاريخنا السياسي والمجتمعي. ذلك أن "استدعاءها" من شأنه أن يصوّب معنى السياسة، وأن يكثّف حركة التضامن مع مجموعات الاعتراض والمرشّحات والمرشّحين الذين يرفعون لواء التغيير. لور وجوزف مغيزل معنا اليوم.

لور مغيزل (1929 – 1997)
"نصف قرن دفاعاً عن حقوق المرأة في لبنان"، هل يكفي هذا العنوان، للتعريف بالسيدة لور نصر مغيزل؟
شخصياً، يشرّفني أني ألوذ بها، وأنحني أمامها، وأقبّل يدها.
هي هذه السيدة العالية، الممشوقة، الأبية، الذكية، الرؤيوية، الطليعية، الجريئة، الشُّجاعة، المحامية، القانونية، المناضلة، الرصينة، الصلبة، الليّنة، الرائية، الواثقة، الفهيمة، الأنيقة، الراقية، المهذّبة، المُقنِعة، المشغولة بنسيم العقل وهديل الروح.
يُسعدني أني تعرّفتُ إليها في أحد الأيام، وأني زرتُ بيتها، وشربتُ قهوةً من يديها، ودرّستُ أحداً من ذرّيتها، وأخذتُ منها ما يجعلني مغموراً بالكِبَر، والاعتزاز، وممتلئاً بالحصانة والمناعة والصلابة والأمل.
عملتْ لور نصر مغيزل طويلاً في سبيل المرأة، في سبيل الإنسان، وفي سبيل لبنان.
هاكم نبذةً عن نشاطاتها الكفاحية: عضوة في لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، عضوة مؤسسة في "لجنة النساء اللبنانيات القانونيات"، عضوة مؤسسة في "اللجنة الوطنية لتعديل القانون الجنائي اللبناني"، عضوة في "اللجنة الاستشارية للنساء العرب والتنمية" التابعة للمكتب الاقليمي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، عضوة في "لجنة الأونيسكو الوطنية"، ممثلة "المجلس الدولي للنساء" في اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (أسكوا)، نائبة رئيس المجلس الدولي للنساء، نائبة رئيس الاتحاد العربي للنساء، الرئيسة الفخرية للجمعية اللبنانية لحقوق الإنسان، رئيسة المجلس الوطني اللبناني للنساء، المستشارة القانونية للمجلس الدولي للنساء والمجلس الوطني اللبناني للنساء.


أطلقت حركة اللاعنف وكانت المرجع القانوني لجمعية تنظيم الأسرة في لبنان. وهي أول من أوصى بتأسيس جهاز حكومي عالي المستوى يهتم بشؤون المرأة، وعملت مقررة "لجنة الحريات العامة وحقوق الإنسان" لدى نقابة المحامين في بيروت. وشاركت في تأسيس "تجمع الباحثات اللبنانية".
"أستدعيها" استدعاءً، قبل الانتخابات يوم الأحد المقبل، في 6 أيار، ليس بمذكرة جلب، بل بصوتٍ مدوٍّ، داعياً إياها إلى الانخراط في حملتنا الوطنية من أجل التغيير، والالتفات خصوصاً إلى مَن يحملن قضية المرأة والمساواة وحقوق الإنسان وكرامته مطلقاً.
هي ليست بيننا، لأنها في دنيا الحقّ. فلو كانت موجودةً معنا، الآن، لدعوتُها إلى أن تبارك شابّاتنا ونساءنا المرشّحات على لوائح الاعتراض والتمرد والرفض والتغيير، ولكنتُ شخصياً، وبنداءٍ وجداني بنوي، طلبتُ إليها، هي بالذات، أن تكون عميدة هؤلاء المرشّحات، لترفع وإياهنّ صوتنا ونزف ضميرنا في مجلس النواب.
أنا الرجل، أطالب بحرارة، بقوّة، بشراسة، بإلحاح، و"بعنفٍ" (غير ذكوريّ طبعاً)، أطالب لور نصر مغيزل، بأن تساهم في حملة انتخاب مرشّحاتنا الاعتراضيات المنتميات إلى لوائح التغيير.
"كلّ مَن يشدّ على مشدّ" لور نصر مغيزل، معنيٌّ بهذا النداء، رجلاً اكان أم امراة. لا أحد يمكنه التملّص من مفاعيل هذا النداء. كلّ مريدي لور نصر مغيزل، مدعوّون إلى المشاركة في هذه "المعركة". إنها ورطة لور نصر مغيزل الجميلة. ورطتنا المشرِّفة. فتورّطوا!
***
جوزف مغيزل (1924 – 1995)
هذا الرجل القانوني، الهادئ، الرزين، النظيف، النزيه، ذو القوة الداخلية، كنتُ معجباً بالشحنة الإنسانوية التي تشيع منه فتتشظّى في مضماره ومحيطه، وتبثّ حالاً من الأمان العقلي والروحي.
شأنه شأن لور، كان جوزف مناضلاً في سبيل الحقّ، وعاملاً من أجل قيام دولة هذا الحقّ. ليس غريباً، أن يؤسس مع زوجته وآخرين، "الحزب الديموقراطي" الذي وضع نصب اهتمامه أن يفتح أفقاً وسطياً "ثالثاً"، ديموقراطياً، مدنياً، علمانياً، شريفاً، وحرّاً، في الحياة السياسية والوطنية اللبنانية، لكون العاملين فيه ينتمون إلى أهل الكرامة الإنسانية والسياسية، وإلى عالمٍ متين ومتماسك من القيم الأخلاقية والثقافية.
ففي العام 1969 ظهر حزب وسطي، هو "الحزب الديموقراطي"، الذي أسسه جوزف مغيزل وعدد من رفاقه. ضمّ مكتبه السياسي كلاًّ من لور مغيزل، حنا ذكور، إميل بيطار، باسم الجسر، سامي نصار، نورما ملحم وأليس كيروز. وكانت الهيكلية التنظيمية للحزب تتألف من الجمعية العمومية، ومجلس المفوضين الذي كان بمثابة حكومة ظل، وكل واحد من أعضائه يكون وزير ظل لديه عدد من المعاونين والمستشارين. وإلى جانب مجلس المفوضين كان مجلس المعتمدين، الذي يضمّ ممثلين عن المناطق اللبنانية، تماماً كتوزيع أعضاء مجلس النواب.


نادى الحزب بالعلمنة والديموقراطية وعروبة لبنان، وكان من واضعي مسوّدة إقتراح قانون مدني للأحوال الشخصية. وكان يتخذ من بدارو مقراً رئيسياً له، إلا أن الحرب الأهلية لم توفره. فاقتحمته الميليشيات، في العام 1976، وعبثت بمحتوياته. وبعد اقتحام المركز، بقي أعضاء الحزب يؤمنون بالنضال المدني، إلا أنهم حلّوا حزبهم، وقرروا عدم الدخول في عنف الحرب.
هو نفسه الحزب الذي استقال وزيره للصحة في حكومة صائب سلام، الأولى في عهد الرئيس سليمان فرنجية، الدكتور النبيل الأبيّ إميل بيطار، في 24/12 من العام 1971، رافضاً الرضوخ لتجّار الأدوية، وسماسرة الحياة.
هل من المصادفة في شيء، أن يكون قد استقال من الحكومة نفسها كلٌّ من غسان تويني (20/1/1971)، وهنري إده (1/10/1971) وحسن مشرفية (18/3/1972)؟
ترى، ما الذي كان يجمع بين هؤلاء الأربعة، لكي يستقيلوا، لولا القيم المشتركة في الثقافة السياسية، ولولا أن كلاًّ منهم كان أكبر من المنصب الذي يشغله؟
رأس جوزف مغيزل الجمعية اللبنانية لحقوق الإنسان منذ تأسيسها في العام 1985، ثمّ أسّس اللجنة البرلمانية لحقوق الإنسان في العام 1994، وعيِّن وزيراً للبيئة في العام 1995، ولم يبق في منصبه أكثر من خمسة أيام، حيث غيّبه الموت في 29 أيار من العام نفسه.
له مؤلفات عدة في مجالات اختصاصه هي: تشريع السجون في لبنان، لبنان والقضية العربية، تشريع السرية المصرفية في لبنان، حماية الملكية الأدبية والفنية.
"أستدعيه" استدعاءً، كما "استدعيتُ" شريكته لور، ليقفا معنا، ويكونا افتراضياً إلى جانبنا مع انصارهما على أبواب أقلام الاقتراع، داعين الناس إلى التصويت للوائح الاعتراض والتغيير.
وإذا كان "الرفيقان" لور وجوزف معنا في المعمعة الانتخابية هذه، فلا أحد من محبّيهما وأصدقائهما، ومن محازبي "الحزب الديموقراطي" ومريديه، يمكنه أن يتملّص من الانضمام إلى هذه المسؤولية.
فليجيّر هؤلاء جميعاً أصواتهم، حيث يُستطاب التجيير لقلب المعادلة.
نبض