10-04-2018 | 00:48
فصلت عملية السلام بحسب القياس الأسرائيلي فلم يرض شامير
نستعيد في #نهار_من_الأرشيف جزءاً جديداً من مذكرات جيمس بايكر "سياسة الديبلوماسية الثورة والحرب والسلام 1989-1992". يحمل هذا الجزء عنوان "فصلت عملية السلام بحسب القياس الأسرائيلي فلم يرض شامير"، وكانت قد نشرته "النهار" في 25 تشرين الثاني 1995.
فصلت عملية السلام بحسب القياس الأسرائيلي فلم يرض شامير
Smaller Bigger

في هذا الجزء (الاول) من الفصل الخامس والعشرين من مذكرات وزير الخارجية الاميركي الاسبق جيمس بايكر، يتحدث بايكر عن الجهود التي بذلها لدى رئيس الوزراء الاسرائيلي اسحق شامير والرئيس السوري حافظ الاسد في العام 1991 لاقناعهما بوجوب الافادة من اندفاعة تحرير الكويت في اطار التحالف الغربي - العربي، لعقد مؤتمر للسلام في الشرق الاوسط. واعتبر جهوده هذه مقدمة لانفراج في المنطقة. وهذه الحلقة هي السابعة والعشرون التي تنشرها "النهار" و"الشرق الاوسط". "أريد ان اعرض افكاري امامك قبل ان نبدأ الرحلة. ليست لدي توقعات عريضة، ولكن هناك بعض الحقائق الجديدة التي تجعل التقدم ممكنا، وانه لواجب علينا نحن والجميع ان نبذل المحاولة". (من مذكرة موجهة من الوزير بايكر الى الرئيس بوش عشية الرحلة المكوكية الاولى من اصل ثماني رحلات مكوكية لاحلال السلام). خلال اسبوعين من عودتي الى واشنطن من الشرق الاوسط في منتصف اذار، بدأت اخشى ان يكون تفاؤلي الحذر حول امكان انعاش عملية السلام لم يكن في محله. فالكلمات الشجاعة المقرونة بمؤشرات مفعمة بالامل التي طالعتني في كل مكان توقفت فيه، سقطت فجأة فريسة الامر الواقع. وكانت الديبلوماسية الاميركية على كل الاصعدة، وصولا الى الرئيس، قد ضغطت على جميع الافرقاء من اجل تجاوز الترهات واتخاذ خطوات ملموسة. ولكن لم يكن يبدو ان ثمة شيئا من ذلك على وشك ان يحدث. ومع نهاية اذار كان واضحا انه ما لم أخل بالوعد الذي قطعته على نفسي بأن اتجنب الديبلوماسية المكوكية، فان نافذة الامل التي اشرعت بنتيجة "عاصفة الصحراء" ستغلق بفعل القصور الذاتي. كما ان السلام لن يكون وحده الخاسر، بل ان الصدقية والكرامة الاميركيتين ستعانيان كذلك. لقد كنت مصمما بعد ان بدأت العملية على ان احاول انقاذها من الفشل قبل الاوان. في مطلع نيسان اقترحت على الرئيس ان اشرع في القيام بجولة من الديبلوماسية الشخصية في المنطقة. قلت له في مذكرة في تاريخ 6 نيسان: "ليست لدي آمال عريضة. ولكن هناك حقائق جديدة تجعل التقدم ممكنا. وانه لواجب علينا نحن والجميع ان نبذل المحاولة". كما هو الشأن في آذار كان هدفي الاستراتيجي اقناع جميع الافرقاء بكسر التحريم القديم على اجراء محادثات مباشرة بين اسرائيل وجيرانها. ومن اجل تحقيق ذلك، قررت ان امارس الضغط على كل الاطراف للحصول على تنازلات رمزية تسدد ضربة لميراث الكراهية المتبادلة وانعدام الثقة. كذلك قررت ان اطلب من الملك فهد والرئيس حسني مبارك المساعدة على "تدبر امر الاسد" و"عزل منظمة التحرير" عن اداء دور رسمي في العملية، ومحاولة الحصول على التزامات من جميع الافرقاء بحضور مؤتمر سلام اقليمي. وسيطلب من السوفيات بدورهم المساعدة من طريق الانضمام الى الولايات المتحدة كراع مشارك اما الاوروبيون فيحضون بأدب، مثلهم في ذلك مثل منظمة التحرير الفلسطينية، على التنحي جانبا، وذلك بسبب الاعتراضات الاسرائيلية. لقد كان محور نهجي التكتيكي بسيطا. وقد كتبت حول هذا الموضوع: "نريد من الجميع المساهمة في العملية بحيث لا يكون من السهل التملص منها. نريد منهم ان يؤدوا نصيبهم من العمل على نجاحها بحيث يكون ثمن فشل العملية باهظا بالنسبة اليهم". في تلك اللحظة لم يكن لدي تصور ان هذه الجولة الاولى من ديبلوماسية الشرق الاوسط ستحملني خلال ستة اسابيع مسافة تعادل ضعفي رحلة حول العالم كما لم اكن اتوقع انه سيمكن تحقيق درجة من التقدم تتجاوز التوقعات في نهاية هذه "الاوديسة"، بينما يظل البحث عن السلام مراوغا على نحو يبعث على الجنون، كما هو الشأن دائما. شامير يرفض الطريق المعذب نحو السلام، كما هو الشأن باستمرار، يمر عبر القدس. كان ثمة مؤشرات متناقضة تزامنت ووصولي الى اسرائيل في 9 نيسان. فقد اعلن موشي ارينز الافراج عن 1200 سجين ومن ضمنهم 300 فلسطيني قيد الاعتقال الاداري لاسباب تتعلق بالانتفاضة. غير ان هذا الاجراء الذي يهدف الى بناء جسور الثقة، لم يلبث ان تم الاجهاز على تأثيره ببناء المزيد من المستوطنات في الاراضي المحتلة. وسرعان ما اعلنت اعتراضي على المستوطنات في لقاء عقدته مع ديفيد ليفي الذي كان يبدو منذ البداية، راغبا في تحقيق السلام، قلت: "لدينا اتفاقات وتعهدات واضحة لا لبس فيها ويجب ان توضع في مصرف للصدقية". واضفت شاكيا من ان خطابيات آرييل شارون وزير الاسكان، الملتهبة، وحماسته للتوسع، تضعف عملية السلام، خصوصا ان البيانات التي يصدرها "كانت تترك لشأنها كأنها تمثل السياسة الرسمية لحكومة اسرائيل". واوضحت ان "هذه الاعمال بصراحة تولد انطباعا بأن اسرائيل تقوم بتضليلنا عن عمد". ضحك ليفي قائلا: "يجب ان تنال درجة الدكتوراه في موضوع الالغام الارضية والعقبات. فأنت شديد المهارة في العثور عليها وتجنبها". ولكنه لم يتنازل بالنسبة الى موضوع المستوطنات، بل اصر على ان اسرائيل لم توافق في شباط على التوقف عن بنائها حتى يطلب منها التوقف عن اسكان المهاجرين السوفيات فيها. وقبل ان اغادر واشنطن التقيت في منزلي على انفراد، دان ميريدور وزير العدل السابق في حكومة شامير والنجم الصاعد في حزب "الليكود"، وقلت له انني اتوقع الحصول على اجوبة عن ثلاثة اسئلة جوهرية خلال زيارتي: هل اسرائيل مستعدة لحضور مؤتمر اقليمي مع العرب والفلسطينيين؟ هل يوافق الاسرائيليون على ان اساس اجتماع كهذا هو التوصل الى تسوية شاملة تقوم على قرار الامم المتحدة 242؟ وهل ستحضر اسرائيل اذا ما حضر المؤتمر فلسطينيون من الاراضي (المحتلة)؟ هذه الاسئلة اعدت طرحها على شامير في القدس، خلال الاجتماع الاول من اصل ثمانية اجتماعات عقدتها معه على مدى الاسابيع الستة التي تلت. وبعد 15 دقيقة من الحوار الذي دار حول مسائل اخرى قال شامير: "الآن دعنا نعالج اسئلتك التي تعلم انها ليست الاسهل في هذا العالم". شعرت بالارتياح لان شامير تحرك قليلا، فقد تخلى عن اعتراضه السابق على مشاركة السوفيات بصفة راع مشترك. قال ان اسرائيل مستعدة الآن لحضور مؤتمر اقليمي، ولكن ليس في اشراف الامم المتحدة كما كان العرب يصرون منذ سنوات. ووافق شامير كذلك على التمثيل الفلسطيني، الا انه اصر على ان يكون الفلسطينيون اعضاء في وفد مشترك مع الاردن. وقد اعتقد ان تأثير الفلسطينيين سيصبح بهذه الطريقة معدوما. ولم يكن مرتاحا الى الاساس الذي سينعقد المؤتمر بموجبه، ان القرار 242 كما يراه العرب ويشاركهم في ذلك معظم دول العالم، ينص على تبادل الارض في مقابل السلام، وهذا ما اقسم شامير على الا يفعله، فقد اراد ان يضيف عبارة: "كما تم الاتفاق في كمب ديفيد على صيغة 242" طالما ان موقف اسرائيل يقوم على رفض مناحيم بيغن مبدأ مبادلة الارض بالسلام في اتفاقات السلام التي ابرمت عام 1978 مع انور السادات، برعاية الرئيس جيمي كارتر في كمب ديفيد. فاجبته قائلا ان هذه مسألة تتعلق بدلالات الالفاظ، وان الطرفين يستطيعان تأويل الصيغة حسبما يشاءان، الا ان العرب لا يمكن ان يقبلوا البتة بأي لغة تعدل القرار 242 كأساس لعقد اجتماع. كان لقائي والفلسطينيين من الاراضي (المحتلة) في عصر ذلك اليوم، اشد مدعاة للتفاؤل من مواجهتنا في شهر اذار. فقد اذهلني الغياب شبه الكامل للمماحكات ولادراج اسم منظمة التحرير الفلسطينية على نحو طقوسي. الا انني احسست، اكثر من اي شيء آخر، برهافة وجاذبية كان جو استعراض المواقف قد غطى عليهما في لقائنا الاول. فعلى رغم الانتقادات التي وجهت اليهم من اخوانهم، بسبب اجتماعهم بي مرة ثانية، فقد اوضحوا جميعا انهم راغبون في ان يصبحوا جزءا من عملية السلام. اكثر من ذلك، فقد وافقوا على الشروط الثلاثة المسبقة التي وضعها شامير كثمن لمشاركتهم في مؤتمر اقليمي. اذ اقروا مبدأ العملية ذات المحورين بين اسرائيل والعرب والفلسطينيين، وكذلك المفاوضات على مراحل، والتوصل الى سلام مع اسرائيل. وقد لاحظت في مذكرة للرئيس: "ان هذا وحده مؤشر طيب على تغير في المزاج والموقف لدى الزعماء الفلسطينيين في الاراضي (المحتلة)". لم اكن اريد ان ابدأ هذه المحادثات المهمة مع شامير بملاحظة صدامية. لذلك تريثت حتى بداية لقائنا الثاني في اليوم التالي العاشر من نيسان قبل ان اسجل احتجاجي على استفزاز المستوطنات الاخير معه مباشرة. وكان شارون قد اعلن في 13 اذار ان اسرائيل ستقوم ببناء 13000 وحدة سكنية جديدة في المناطق (المحتلة) خلال السنوات الثلاث المقبلة. وفي الوقت الذي كانت الولايات المتحدة تطالب جميع الاطراف بالقيام بخطوات تصالحية على طريق السلام، فان هذا كان ينطوي على تطور يؤسف له. قلت لشامير: "ارى ان في الامر محاولة متعمدة لتخريب السلام. انها لمشكلة كبرى بالنسبة الينا، وانا اطلب منك بكل احترام ان تتنصل من هذه البيانات". وكالعادة حاول شامير ان يحرف انتباهي عن الشكوى التي طرحتها قبل قليل. قال: "لست سعيدا بهذه البيانات. والكل في البلاد يعلمون ذلك". فقلت: "لا اطلب منك ان تتبنى موقفنا، ولكنني اطلب منك ان تمنع هذا الرجل من القاء الالغام في طريق السلام". قال شامير محتجا: "لا اريد ان اورطك في سياستنا الداخلية". فقلت محذرا: "لا اريد ان ارى سياستكم الداخلية تقوم بتوريطنا ولكن هذا ما ستفعله" اذا ما استمرت استفزازات المستوطنات في الحدوث. فقال شامير: "سأعالج الامر". وفي طبيعة الحال كنت قد بدأت اشعر انه لن يفعل، وانه لم يسبق ان فعل. ولدى انتقالنا الى الحديث عن عملية السلام، افرحني ما علمته من ان شامير قرر التخلي عن تمسكه بصياغة كمب ديفيد. وقد قال انه سيبحث في اقتراحي حول السماح بممثل عن المجموعة الاوروبية بحضور مؤتمر السلام بصفة مراقب. ولم يكن يثق بالاوروبيين، معتقدا انهم ينحازون الى وجهة النظر العربية انحيازا مطلقا. ولكنني كنت ارى ان لفتة كهذه مهمة من اجل الحيلولة دون بعضهم وتعقيد عملية السلام. ولم يدهشني، مع ذلك، ان شامير سارع الى طرح طلب جديد. ففي لقائنا الاول طالب بتعهد اميركي بالا يتطرق الفلسطينيون الى ذكر منظمة التحرير الفلسطينية، واما الآن فهو يريد رسالة من الفلسطينيين المشاركين في المؤتمر يتنصلون فيها من المنظمة رسميا ويؤكدون انهم ليسوا ممثلين لياسر عرفات. رفضت الفكرة دفعة واحدة، محذرا شامير بقولي: "انك لا تستطيع ان تصر على ان ينتحر هؤلاء الناس". واضفت انني سأبلغ الى العرب ان التصريح علنا بوجود علاقة لمنظمة التحرير الفلسطينية بعملية السلام قمين بالقضاء عليها. وهذا ما كنت اعتقد جازما بصحته. وفي المقابل لا بد من ان يؤدي اصرار اسرائيل على المطالبة بالرسالة الى الاجهاز عليها. قلت: "اذا فرضت شرطا يجعل من المستحيل التحرك قدما، فأنا منسحب من الموضوع. وسأصرح عندئذ بالاسباب التي ادت الى اخفاق العملية". قبل مغادرتي اردت التأكد من عدم وجود سوء فهم في ما يتعلق بمسألة التمثيل الفلسطيني. كان رأيي واضحا وبسيطا. اضفت قائلا: "اريد منك ان تقول لي انك لن تجلس معهم اذا ما صرحوا انهم ممثلون لمنظمة التحرير الفلسطينية". كنت احتاج الى جواب عن هذا التساؤل قبل مغادرة الشرق الاوسط، وقد ابلغ الي شامير انه سيفعل ذلك. وفي شكل عام احسست ان هاتين الجلستين كانتا تشكلان بداية واعدة. لم يكن لدي شك في انه سيكون من الصعب جلب شامير، ولكنه تحرك واصبح عندي ما اعرضه على مبارك الذي كان متفائلا كما هو متوقع، عندما زرته في القاهرة عصر ذلك اليوم. وبعد ان عبر عن بعض الهواجس، بدا ان مبارك اصبح مستعدا لتأييد فكرة المؤتمر الاقليمي. كما انه وافق على فكرة شامير الذي كان يفضل وجود وفد اردني - فلسطيني مشترك، وتنبأ بأن كلا من اسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية سيحجم عن الصدامات الخطابية. وفي وقت لاحق طلب مبارك رؤيتي على انفراد. قال: "لم اكن اريد ان اقول ذلك امام الآخرين، ولكنني مذهول لان شامير تحرك بهذا المقدار". وكان قال لي في اكثر من مرة انه يعتقد انه لن يصبح في الامكان مطلقا احراز تقدم مع حكومة اسرائيلية يقودها شامير. رفض من الاسد بنفس القوة بعد لقاءات منفصلة في القاهرة، مع وزراء خارجية العربية السعودية ومصر وتونس توجهت الى دمشق جوا لمقابلة الاسد، في تاريخ 11 نيسان وقد استمر اللقاء خمس ساعات ونصف ساعة، باستثناء فترة الافطار التقليدية خلال شهر رمضان. ولانني اعرف ان الاسد سيكون حجر الدومينو العربي الذي يصعب اسقاطه اكثر من سواه فقد تعمدت الا اطالبه الا بالقليل جدا بادىء ذي بدء. وقد ابلغت اليه انني لن اطلب منه الآن انهاء حالة الحرب او الاعتراف باسرائيل. قلت له: "ما نريد ان نراه من سوريا هو ان تكونوا ملتزمين عملية السلام". واضفت ان ما اطلبه هو ان يحجم عن انتقاد الفلسطينيين الذين على استعداد للتحدث مع اسرائيل وان يقوم باقناع منظمة التحرير بأن تحاول عدم البروز. وقبل هذا وذاك كنت اريد موافقة الاسد على حضور المؤتمر الاقليمي. استمع الاسد الى تلخيصي لرد فعل شامير باصغاء شديد ولكنه تجاهله ليركز بدلا من ذلك على المؤتمر الذي قال انه مستعد لحضوره اذا ما تحققت اربعة شروط. فهو يصر على وصف المؤتمر بأنه مؤتمر دولي. ويريد تأكيدات ان يضمن رعاة المؤتمر كل نتائجه. ويرى انه يجب ان يستمر انعقاده بحيث يشكل دافعا لاجراء المفاوضات. واخيرا فان ضمان ما سماه مرارا "الشرعية الدولية" و"السلطة الاخلاقية" يقتضي بأن يعقد المؤتمر تحت رعاية الامم المتحدة. لقد كانت ثلاثة بنود من هذه الشروط تنطوي - في حدود متفاوتة - على مشكلة لاسرائيل. ولكنني كنت اعتقد ان ثمة حلولا وسطا يمكن ابتكارها بحيث يوافق شامير عليها في نهاية المطاف. والحال اننا وصلنا الى ارضية مشتركة على الفور حول ما يمكن ان نصف به المؤتمر. كان الاسد قد رفض من حيث المبدأ فكرة "المؤتمر الاقليمي" التي تحبذها اسرائيل. قال: "هذا الوصف سيقلل من مغزى المؤتمر واهميته. دعنا نعطيه حقه". واضاف: "هل المؤتمر تربوي؟ اقتصادي؟ ام سينمائي؟ يجب ان يكون له اسم". اجبت بقولي انني افضل صيغة عصمت عبد المجيد وزير خارجية مصر: "المؤتمر... مؤتمر... مؤتمر". وذكرته بأنه ليس هناك ما يمنعه من اطلاق وصف المؤتمر الدولي عليه، او ما يمنع اسرائيل - على حد علمي - من دعوته المؤتمر الاقليمي. واخيرا اقترح الاسد انه ما دام الاجتماع قد اعد بحيث يحقق السلام، فيجب ان يطلق عليه اسم مؤتمر السلام. ولما كان في واقع الامر مؤتمرا للسلام فقد وافقته على رأيه بلا تردد. واما المطلب الرابع المتعلق برعاية الامم المتحدة فقد كان خنجرا موجها الى قلب السلام. ذلك ان اسرائيل نظرت الى الامم المتحدة دائما، وعلى نحو مبرر باعتبارها عدوا قاتلا لا يردعه سوى "الفيتو" الاميركي في مجلس الامن. وقد عزز هذا الرأي القرار الصادر في عام 1975 والذي يساوي الصهيونية بالعنصرية. وبصرف النظر عن الاسم الذي سيطلق عليه، كنت اعلم ان شامير لا يمكن ان يشارك في مؤتمر ينعقد تحت رعاية الامم المتحدة. فقلت محذرا: "بالنسبة الى السلطة الاخلاقية التي ينطوي عليها حضور الامم المتحدة، دعني اقول لك اننا ننظر الى الموضوع باعتباره يمثل حائلا دون التوصل الى اتفاق. فانا لا استطيع اقناع اسرائيل بحضور مؤتمر دولي برعاية الامم المتحدة. ان هذه حقيقة من حقائق الحياة لا قبل لي بالتغلب عليها. واذا اصررت فانني واثق من عدم قدرتي على تحقيق ذلك". قال الاسد بذكاء: "اذا كانت مظلة الامم المتحدة مناسبة لحرب الخليج، فلماذا هي غير مناسبة هنا؟". فاجبته بأن الولايات المتحدة لا مشكلة لها مع الامم المتحدة في حضور المؤتمر. بل انني - كما اخبرته - مستعد للضغط على شامير من اجل الموافقة على حضور مراقب للامم المتحدة. واضفت: "ولكننا لا نستطيع التوصل الى هذه الصفقة معا اذا كانت لها مظلة تابعة للامم المتحدة". لقد اعتبرت ان مطاليب الاسد، في معظمها، ليست اكثر من ستار تجميلي من الدخان. فهذه محاججات رجل ليس معنيا حقا باجراء حوار. قلت للاسد: "ان النقاط التي تطرحها شكلية اكثر منها جوهرية. فالمسألة الحقيقية هنا لا تكمن في ما سنطلق على المؤتمر من اسماء، وانما في ما اذا كان الفلسطينيون والاسرائيليون والسوريون والاردنيون واللبنانيون قد قرروا ان الوقت حان لاحلال السلام. اننا لا يمكن ان نتأكد من ذلك اذا ما استمر الافرقاء في الاعراض عن الحوار". فرد الاسد على النقطة التي اثرتها باطروحة حول الاسباب التي جعلت سوريا تحجم عن حضور محادثات جنيف في عام 1973، وهي المحادثات التي كانت بدورها مؤتمرا اقليميا للسلام انعقد برعاية مشتركة من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي عقب "حرب اكتوبر". حاولت مناشدة حس الاسد العملي بالاشارة الى انه باصراره، يقدم الى اسرائيل فرصة رفض الحضور والانحاء باللائمة في ذلك على دمشق قلت: "لا تمنحهم الذريعة لعدم الاشتراك في محادثات السلام والقول بأن هذه غلطة العرب". واذ بدا غير مستعد لسماع صوت العقل، رفض الاسد ان يتزحزح عن موقفه، فسألته بعد ان بلغ بي الشعور باليأس والاحباط كل مبلغ، عما يمكن ان يخسره عمليا من حضور المؤتمر. فاجاب: "سنخسر الرأي العام العربي في الداخل، سيكتشفون حقيقة ما يجري. وهذا لن يكون مجرد دخول في مغامرة، بل لعله نوع من الانتحار، ان انتهاج سياسة انتحارية تجلب النفع للناس، مفهوم، واما انتهاجها دون ان تفضي الى نتائج ايجابية، فضرب من الحماقة". واخيرا وافق كل منا على النظر في تحفظات الآخر. قلت: "لم تجعل الامر مستحيلا بالنسبة الي يا سيادة الرئيس ولكنك جعلته بالغ الصعوبة". تظاهر الاسد بأنه عاجز عن التصديق. فاجاب: "لم يكن هذا ما قصدته. فأنا اريد ان تحقق العملية النجاح فعلا". كان من الواضح انه يريد لها ان تنجح دون تقديم اي تنازلات من جانبه. ولم اكن اشعر شخصيا باننا سنتمكن من معالجة اعتراضاته. وتزامنت خيبة الامل التي شعرت بها ازاء موقف الاسد وشعور آخر بالاستياء ازاء تسريب انباء من اسرائيل مفادها انني وافقت على استبعاد ممثلين عن القدس الشرقية من الوفد الفلسطيني الذي سيكلف اجراء المفاوضات. وفي طريق عودتي من دمشق الى جنيف حيث التقيت طاهر المصري وزير الخارجية الاردني ومسؤولين من المجموعة الاوروبية، وشمعون بيريس رئيس حزب العمل الاسرائيلي، امليت في الطائرة رسالة موجهة الى شامير، اكدت فيها العناصر الايجابية وقلت له انه بينما كان الاسد متشددا في ما يتعلق بالمؤتمر، فقد وافق هو والعرب الآخرون على مبدأ المحورين في المفاوضات فضلا عن موافقته على عقد مؤتمر بصيغة ما. قلت له: "اريد ان اتجنب الالغام الارضية لا ان اركز عليها مشيرا بذلك الى عملية تسريب الانباء. كما اوضحت ان "قدرتي على ان افعل ذلك تعتمد على قيام الجميع بكبح جماح السنتهم في ما يتصل بما يتفوهون به علنا حول المسائل الحساسة. وهذا هو السبب الذي يجعل التعليقات العلنية غير مرغوب فيها الآن. انني جاد فعلا في ما يتعلق بمحاولة تجنب مسألة القدس الشرقية، غير انني عاجز في هذه اللحظة عن القول جازما بأنه لن يشارك احد من القدس الشرقية في عملية السلام". ولدى عودتي من جنيف الى واشنطن في 12 نيسان شعرت بأنني كنت احرز تقدما بطيئا. غير انني احسست في داخلي بأن هذه العملية ربما كان مآلها الفشل. فمع وجود كل هذه الشروط التي تضعها اسرائيل وسوريا كانت هناك بكل بساطة مسافة كبيرة تفصل بين الجانبين. وفي واشنطن تلقيت جواب شامير على رسالتي المؤرخة في 15 نيسان. وكان مما ثبط همتي انه انحدر الى مستوى الاسد حول اداء المؤتمر. فقد قال: "ما دام الاجتماع الاقليمي لن يكون منبرا لمفاوضات السلام فانه ليس من المنطقي ان نطلق عليه اسم مؤتمر سلام". واضاف ان اسرائيل لن تقبل مطلقا بفلسطيني من القدس الشرقية عضوا في اي وفد. وحاجج قائلا: "ان هذا سيؤدي الى نشوء وضع يتعذر الدفاع عنه، نظرا الى انه يدرج بذلك موضوع القدس الشرقية على جدول الاعمال". بعد اربعة ايام عمل في واشنطن واجتماع على المستوى الوزاري لدول المجموعة الاوروبية في اللوكسمبور عدت الى اسرائيل في 18 نيسان. وفي لقاء وشامير عقد في اليوم التالي قلت له انني اجهدت نفسي في بناء عملية مفصلة على قياس مخاوف اسرائيل واهتماماتها وانه حان الوقت الآن للبدء في التفكير بالتسويات. واضفت انني لا استطيع اعداد اتفاق يحدد مدى المؤتمر بجلسة واحدة: "ولكنني استطيع ان اظفر باتفاق يؤمن الحماية لكم". ان المؤتمر بهذا الاعتبار ليس مخولا التصويت او اتخاذ القرارات او فرض الحلول على اي طرف من الاطراف، فضلا عن أن اسرائيل ستحتفظ لنفسها بحرية الانسحاب في اي وقت تشاء. قلت: "ان ما اطلب منك ان تفعله هو اعطائي مقدارا كافيا من المرونة الاجرائية لانجاح العملية. واذا لم نحرز نجاحا فان ذلك سيضعنا في اضعف الاحوال، في وضع نتمكن معه من ترك هذه القطة الميتة على عتبة الباب العربي". ولم تكن هذه المرة الاولى ولا الاخيرة التي استعملت فيها هذا التشبيه الذي لم اعد اذكر اصله. بل لعله كان منذ البداية هو الذي يمنحني السلطة التي اتمتع بها. لقد تجاهل شامير ومساعدوه ندائي، مستمرين في اثارة العقبات الاجرائية، واختلاق النقاط والتحفظات والاعتبارات الجديدة. وبدا لي ان هذا الضرب من المساومة بلا نهاية - وانه تمرين محسوب في ممارسة الارباك والتشويش - الهدف منه كسب الوقت وتجنب مواجهة الخيارات الصعبة المطلوبة. فظهرت علي علامات الاستياء بوضوح. لقد فصلت عملية سلام بحسب المواصفات الاسرائيلية، ومع ذلك لم يكن شامير راضيا. قلت في نهاية المطاف: "اذا لم تكن قادرا على مساعدتي فسأعود الى بلادي".