مشاغل
حسب البحث الأخير للمؤرخ جفروا دو غالبير فإن هنيبعل قد مرّ من هنا، بأفياله الثلاثين وفرسانه الثلاثين ألفاً ومشاته بعشرات الألوف. هنيبعل هذا، هو الفتى اللبناني الأصل إبن هملقار برقة، وهما اللذان كانا يحكمان قرطاجة على ساحل تونس، يعني في قلب تقاطع الطرق التجارية في حوض البحر الأزرق المتوسط الذي هو الحوض الأكثر أهمية في العالم القديم، وكذلك عبر التاريخ حتى الآن، حيث برزت أحواض ومناطق أخرى ذات أهمية ايضاً. كان المتوسط ولا يزال الحوض الذي تتقاطع فيه وعنده القارات والحضارات، فوجب أن ينشأ النزاع بين قرطاجة وروما التي كانت تحكم في القسم الشمالي من حوض المتوسط، وتمدّ نفوذها الى القسم الجنوبي وتوابعه. نزاع اقتضى أن تحاول حسمه الدولة الفتية (قرطاجة) حسماً عسكرياً. هكذا عبر هنيبعل البحر وأراد أن يفاجئ روما من الخلف، كتدبير عسكري، فعبر ايضاً جبال الألب، وهي جبال عالية جداً وشديدة الوعورة والامتداد، وانتهى الى الأراضي الفرنسية ليفاجئ روما من الخلف.
العبرة التي بدأنا منها وبها هي السؤال: من أي أراضٍ فرنسية عبر هنيبعل؟ فكان المؤرخون يحدّدون مسارات لهذا العبور، تختلف من مؤرخ الى آخر، إذ إن جبال الألب كما ذكرنا طويلة جداً وعريضة جداً وتستطيع الطائرة أن تحلّق فوقها على مدى ساعة ونصف الساعة، وهي محاذية للحدود الفرنسية على مساحة شاسعة ايضاً.
الى أن طلع، أخيراً، المؤرخ جفروا السالف الذكر، ببحثه الجديد بأن هنيبعل قد عبر من هنا. وهنا، تعني سهل "الإيزير" وعاصمته مدينة غرونوبل، وهي مدينة الكليات الجامعية العليا ويسمونها هنا "المدارس" Ecoles مثل "البوليتكنيك" وغيرها، وهي مدينة الصناعة المتطورة والشركات التجارية المتعددة الجنسية والبنوك المحلية والعالمية، فيجري سجال لطيف على اعتبارها المدينة الفرنسية الثانية بعد باريس أو الثالثة بعد باريس وليون. في إطار هذا السجال يسجّل أهل غرونوبل هنا وعبر المؤرخ جفروا نقطة لمصلحتهم، بأن هنيبعل قد عبر من هنا، وذلك سنة 218 قبل ميلاد السيد المسيح.
وقد يكون الرجل قد عبر فعلاً من هنا منذ 2231 سنة، إذ إن المدينة وسهلها يحاذيان فعلاً أطراف جبال الألب وتستطيع عبر النافذة، نهاراً، أن ترى أثلام الثلوج التي تملأ منحدرات هذه الجبال ولا تغطيها بكاملها تداعياً عن نظرية الاحتباس الحراري الشهيرة، فلم تستطع الثلوج سوى أن تغطي القمم العالية التي تستطيع أن تراها حين خروجك من المقهى، مقهى "فاكسو" لصاحبه أحمد الجزائري الأصل، وترى المجمعات السياحية لرياضة التزلج المنتشرة في سفوح تلك الجبال.
قد لا تهتم كثيراً من أين عبر هنيبعل بالضبط، وتكتفي بالسياق العام للحادثة التاريخية، باعتبارك لست مؤرخاً متخصصاً وباحثاً منقباً، ولكن المؤرخين الباحثين المنقّبين يولون هذه المسائل وأقل منها أيضاً، أهمية بالغة، وذلك واقع في مجال كتابة التاريخ وتفاصيله الصغرى كتابة دقيقة، شأنهم في ذلك شأن علماء البحار والغابات وما فيها من كائنات وحشرات ونباتات الخ... فترى مختبراً بكامل تجهيزاته البشرية والتكنولوجية وما يسنده من جامعات ومراكز أبحاث، تراه منصرفاً الى تصنيف أنواع الفراشات مثلاً، ومواصفاتها وأشكال حياتها وتركيباتها البيولوجية، وترى بعثات بكاملها مع معداتها "هائمة" في الغابات والسهول الأفريقية وغير الأفريقية لملاحقة هذه الأنواع من الفراشات وغيرها. قُل مثل ذلك في أعماق البحار وفي علوم الشعوب، الأنتروبولوجيا، وذلك كله واقعٌ في نظام تكاملي من الأبحاث يؤدي الى ربط العلوم بعضها ببعض وافادتها من هذا الربط، لتخلُص من ذلك الى تعريف العلم كنظام موسوعي شمولي يؤدي الى ما يشابهه ويوازيه في السياسة والاقتصاد والاجتماع كنظام مؤسسات وقوانين وأبحاث مستمرة. فهذا الاكتشاف الجديد وهو مرور هنيبعل منذ 2231 سنة، يشغل هنا حيّزاً مرموقاً في صحف غرونوبل والصحف الفرنسية عامة، اضافة الى المشاغل الأخرى، بينما ترى مانشيتات صحفنا مشغولة بما تعرفه من تصريحات سياسيي الدرجة الثالثة وهم جميعاً يصلون بالكاد الى هذه الدرجة حسب تعريف السياسة، ومشغولة بتوقعاتهم في أي ساعة سوف تنشب الحروب الأهلية التي "لا بدّ منها" ومتى تتشكل الحكومة وكيف؟ هل من 8 – 8 – 8، أم من 9 – 9 – 6، أم حكومة أمر واقع أم تكنوقراط أم أوادم مشهود لهم (بماذا؟). وعلى مدى أشهر متواصلة من المشاورات والاستشارات، أشهر ستتواصل حتماً حيث بلدنا الحبيب وبعد ألوف السنوات من الحضارة والإشعاع وعشرات السنوات من "الاستقلال" انتهى الى حكومة بدون وزراء ومجلس تشريعي بدون نواب وجمهورية بدون جمهور وموازنة بدون أموال بل بديون تحاذي الـ60 مليار دولار، اضافة الى فوائد هذه الديون الفاحشة ووطن بدون مواطنين. أما ما تسمية "الأمة العربية" التي نحن روادها الحديثون، فمشغولة في جميع مدنها وعواصمها وبعد ألوف السنين من الحضارة وعشرات السنين من النهضة والحداثة والجامعة العربية والوحدة العربية ايضاً، مشغولة انشغالاً دموياً فاحشاً ومخجلاً حتماً وإلى فوق دماء رأسها وقتلى شعوبها ومهجريهم وجرحاهم ومشرديهم، مشغولة بتوحيد هذا الزاروب او ذاك في هذه المدينة او العاصمة وتلك، انشغالاً بدون افق وسيطول كثيراً على رغم المحاولات والمفاوضات والمؤتمرات والضغوط و... العروبة طبعاً! ولا حول ولا قوة الا بالله الذي تتناهبه، جلّ جلاله، التعريفات المتضاربة والمتناقضة والمتذابحة.
فلا تجزع كثيراً ايها الفتى اللبناني، الفتى العربي، الفتى الأممي، فإن الأمر كان دائماً كذلك اذا تصفّحت كتب التاريخ، ولكن كانت الفظائع تبترد وتبيت قبل أن تصل أخبارها وكانت الأنياب والمخالب البشرية قليلة الظهور في المشهد. أما الآن فإن الأخبار تصل على الفور والأنياب والمخالب حاضرة يومياً في المشهد، وجرعة الدم واللحم الممزق والكرامات المهدورة تحضر طازجة مع مناقيش الصباح... فتجلّد واعمل على إعداد ممحاتك منذ الآن، ذلك أن الذاكرة بعد قليل أو كثير من الوقت لن تسع لجميع هذه الأثقال ولن تستطيع احتمال جميع فظائع هذا الجنس البشري المتوحش وهذا العبث العدمي بما يمكن أن يكون شُبهة معنى لهذا الوجود الفاني على كل حال. لكن الوحش – المسخ داخلنا لا يستطيع انتظار قرارات الرب ولا يلتزم التوقيت الذي يعتمده.
نبض