أتاح لي كتاب: "الـمعلّم... تحديّات المهنة والإصلاح التربوي" فرصة الإطلال على ساحة النظام التربوي في لبنان، والتعرف على بعض مشكلاته التي يتخبط فيها من حيث جوانبه البشرية والهيكلية المادية، والوقوف على الصعوبات التي تواجه تطبيق مناهجه المقررة، واكتشاف عقد شبكة التحديات التي تقف في وجه المربين في هذا البلد العربي ذي الخصوصيات المنفردة.
إن ما جعل هذا المؤلف المركز الذي يقع تقريبا في مائة وخمسين صفحة من الحجم المتوسط يستهويني هو أن مؤلفه عدنان البرجي ينام على أكوام من الخبرات الميدانية المفيدة التي جمعها من طول ارتحاله في ميدان التربية والتعليم والتكوين والتأطير والتدريب. وهي رحلة استغرقت أربعا وأربعين سنة، هذا من جهة أولى. ومن جهة أخرى، فإن مساهمته الناصعة كباحث وكاتب ونقابي وممارسته لمهنة التعليم في كل مراحله هي موارد جعلت نظرته إلى التعليم موسعة وشاملة. وفضلا عن كل ذلك، فإن حصوله على شهادة الماجستير في مادة الرياضيات الإحصائية مكنه من حسن استقراء الأعداد والنسب والبيانات والتدقيق فيها. وهذه مواصفات جِمام قلما تنعقد خيوطها وتجتمع في يد رجل تربية واحد إلا في ما عز وندر.
قدّم للكتاب الدكتور أسعد السكاف تقديما مشوقا كتبه بلغة بارعة ورائعة، وفيها حس شعري شفيف تسكنه إيحائية فائقة. وقد زادته معرفته وصداقته بالكاتب ثقة في ما أنجزه ورمى به بين أيدي القراء. ويكفي على ذلك أن نستحضر استدلالا مختصرا من الفقرة الموالية المستلة من التقديم، حيث يقول الدكتور أسعد السكاف بعد أن شكا تهيّبه وأظهر خوفه، في البدء، من الوقوف بين الكاتب وقارئه: (.. وسرعان مازايلني ذلك التهيب، عندما وجدتني شريكا للصديق المؤلف في كل ما قاسى وعانى، وفي كل ما تصدى له من عوج والتواء بغية التقويم والتصويب، فقد طالما رافقته في مسيرته الطويلة، ولو من بعيد، وكلما غبطت سعيه في كل حلبة خاض غمارها وخرج منها متجليا ينفض عن بردته غبار الميادين !). وعلى هذا المنوال البديع في العبارة والمهذب في الفكرة جاء النسيج التقديمي للدكتور أسعد السكاف.

بسبب طغيان شيمة التواضع البهية وارتفاع مستواها في فكر وسلوك صاحب الكتاب عدنان البرجي، فقد ألبسها جمل واحدة من فقرات تقديمه التي انتقى كلماتها وصانها من الغموض والتورية، وخلصها من تعدد المعاني، وراح يسجل قائلا: (لا أدعي أنني في هذا الكتاب الموجز، قد أحطت بكل مشاكل المعلم والمدرسة، ولكنني حاولت أن أذكّر، فحسب، بمجموعة من الأسس التربوية التي بدونها يصعب على أي معلم النجاح بمهامه بما يرتضيه ضميره ورسالته التعليمية. ولأن المعلم والمدرسة والمتعلم كيان واحد، كان لا بد من الإضاءة على مكامن الخلل في النظام التربوي والتعليمي، حتى يمتلك كل معلم تصوّرا لما يجب أن يعمل لأجله تربويا انطلاقا من مسؤوليته الوطنية تجاه مستقبل طلابه ومستقبل بلده).
تعمق البرجي، وصال وجال في الجزء الأول من الكتاب الذي منحه عنوان: "تحديات أمام المعلم". وحجته في البدء به هي أن المعلم يشكل محور العملية التربوية والتعليمية، وهو قطب الرحى فيها. ولم ينس أن الانسلال من أمام هذه التحديات أو الاستسلام لها قد يخلف منفذا عبوريا يفضي إلى التخلي عن رسالة التعليم وترك الأجيال الناشئة فريسة للجهل ومطية للتخلف. وأدلى بلائحة تعقب فيها هذه التحديات ذكرا وتمثيلا وشرحا، ورآها متمثلة في أصناف حدّدها في: "التحدي القيمي" و"التحدي التقني" و"التحدي المادي" و"التحدي الاجتماعي" و"التحدي الإداري والوظيفي" و"تحدي الإعداد". وحتى وإن ربط مؤلف الكتاب هذه التحديات بأدبيات ونظام التربية والتعليم في لبنان، فإن المعلم البعيد يجد فيها أوجه شبه ومساحات تقاطع ونقاطا مشتركة. ويمكن أن نثبت ذلك من خلال قراءة التعليق الذي وضعه المؤلف للتحدي القيمي على سبيل المثال، أي المرتبط بحزمة القيّم في منحنى تغيراتها وتبدلاتها، والمتضمن لما يلي: ( إن أوّل ما يواجه المعلم اليوم من تحديات يتمثل في اختلاف القيم بين الأمس واليوم. فما نشأ عليه المعلم من قيم يعتبرها إيجابية غير التي ينشأ عليها طالب اليوم؛ وذلك لاختلاف الأزمنة واختلاف المفاهيم وتبدل المعايير. ويزيد من حدة الاختلاف أن مصدر تعليم الطالب وتلقينه القيّم الأخلاقية لم يعد مقتصرا على الأهل والبيئة والمجتمع والمعلم، إنما هناك عامل جديد دخل إلى حياة الطالب ألا وهو الأنترنيت الذي يتجاوز البيئات والمجتمعات، ويسهم في تعريف الطالب بقيّم قد لا يقبلها مجتمعه ولا دينه ولا يستسيغها معلموه.
أيضا هناك عامل الإعلام الذي يدخل البيوت بغير استئذان، ويفرض على العائلات مفاهيم تتسرب إلى الأبناء عن طريق المسلسلات والأفلام وبعض الحوارات والبرامج.
ويزداد اختلاف القيّم كلما ازدادت المسافة العُمرية الفاصلة بين المعلم والطالب. وهنا يزداد النفور بينهما ما لم يبادر المعلم إلى استيعاب الطالب والأخذ بيده رويدا رويدا للانتقال به من مرحلة سلبية إلى أخرى أقل سلبية وصولا إلى المرحلة الإيجابية المطلوبة.
على المعلم استيعاب تغير القيّم، لا من أجل القبول بها ولا الاستسلام لها، وإنما من أجل أن يمتلك الوقت والوسائل التي تساعده على تبيان الغث من السمين إلى طلابه).
مُنح الجزء الثاني من الكتاب عنوان:"الدليل التربوي المبسط لكل معلم" وفيه أحاط الباحث عدنان البرجي بأغلب الأسلحة التي وجب على كل مرب أن يتسلح بها حتى لا يخوض غمار التربية والتعليم في جهالة وغفلة. وقد أجمع عناصرها في أربع عشرة عنصرا أضاف فيها عما هو شائع ما جادت به عصارة تجربته الخاصة كعنصر: "حث المعلم على إدراك أن التعليم عملية إنسانية" الذي بلوره فيما يلي: (إن التعليم بطبيعته عملية إنسانية تتطلب أكثر من نقل المعرفة من ذهن المعلم إلى ذهن المتعلم مجردة، وهي عملية تتطلب معرفة طبيعة الطالب، وطبيعة مادة تعليمه. كما تتطلب العطف الأبوي حتى أن أحد المربين الناجحين قال: "إذا أردت أن يتعلم تلميذك، فاسكب عطفك في قدح وأسقه أياه، فيتعلم").
استرعى انتباهي وشدني جزء الكتاب التي حوى معلومات تقدمها عنوان: "الحرب اللبنانية والمدرسة"؛ لأنني أعرف أن الحرب إذا اشتد أوارها وتصاعدت أدخنتها في أي بلد فإنها تربكه وتهزه هزا عنيفا، وخاصة إذا كانت حربا أهلية طال مداها كالحرب اللبنانية المؤلمة والقاسية التي وقعت أحداثها المؤسفة في الربع الأخير من القرن العشرين الماضي. وفي هذا السياق نقتبس السطور اللاحقة التي كتبها عدنان البرجي: (غير أن الحرب اللبنانية ـ 1975/1989م ـ تركت أبلغ الأثار السلبية على هذه المدرسة. فما أن وقعت الحرب حتى بدأ الفرز الطائفي والتهجير المناطقي، مما اضطر كل معلم للالتحاق بأقرب مدرسة لسكنه بغض النظر عن الحاجة إليه. فكان أن أتخمت مدارس بأعداد كبيرة من المعلمين، وأفرغت مدارس أخرى لا سيما في قرى الجنوب اللبناني نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة وشبه اليومية. كذلك في الأرياف البعيدة في المحافظات الأخرى. هذا عدا عن الدمار الذي لحق بالأبنية المدرسية جراء القصف واضطرار النازحين إلى استخدام بعض هذه الأبنية نتيجة التهجير القسري...).
شمل الكتاب محل القراءة حديثا عن الإصلاح التربوي في لبنان كما يراه مؤلفه وينشده المربون اللبنانيون مع عرض واف لأسبابه وحاجته الملحة وربطه بتوصيات تتعلق بمراجعة تصنيف المعلمين، وتوفير سبل استقرارهم في الوظيف مع اقتراحات تخص ترفيع المستحقين منهم في الرتب والمناصب وفق معايير محددة بعيدا عن المجاملات والمصانعات والتزلف.
لما كان كتاب البرجي موجها أساسا إلى المعلم اللبناني، فإن قارئه البعيد يحتاج أحيانا إلى معلومات قاعدية يستند إليها، ويتخذها كمفاتيح للفهم وخاصة ما ورد في الجزء المخصص منه لبسط جوانب من مسيرة الحركة النقابية التربوية في لبنان تحت عنوان: "العمل النقابي التعليمي، ماذا حقق؟، وماذا ينتظره؟ ورغم عراقة بعض نقابات التربية كنقابة معلمي التعليم الخاص التي أسست زمن الانتداب الفرنسي سنة 1928م، إلا أن عدنان البرجي يرى أنها ماتزال تعاني من مشكلات مزمنة كضحالة الثقافة النقابية عند معظم المعلمين.
يؤكد عدنان البرجي في الجزء الأخير من كتابه الذي وسمه بعنوان فرعي: "مستقبل التربية في لبنان"، يؤكد على أهمية التربية في صوغ وقولبة مواطنين لبنانيين ينظرون إلى أهداف مشتركة وإن اختلفت توجهاتهم ومعتقداتهم وقناعاتهم، وهذا ما يبرز في قوله: (في لبنان، شكلت التربية نقطة اختلاف كبيرة بين المجموعات السياسية والفكرية نتيجة اختلاف المشارب والأهواء والمصالح والتطلعات. لذلك ما من وثيقة وفاقية صيغت خلال الحرب اللبنانية إلا وكانت التربية بندا رئيسا من بنودها، حتى أن الكثيرين من أهل الفكر والقلم يعتبرون أن الوفاق الوطني يبدأ بالإتفاق التربوي).
كتب البرجي على الصفحة الأولى من نسخة الكتاب التي أرسلها لي عن طريق البريد العادي، كتب معبرا عن أمله بأن يحوز مؤلفه إعجابي. وللتطمين أرد عليه صادقا بأنه قد تمكن من فعل ذلك وزاد، وشوقني في رغبة إلى معرفة المزيد المفيد.
نبض