.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
يستمدُّ لبنان جوهر وجوده من كونه وطناً للتنوُّع الدِّيني والثَّقافي، ومساحة للتَّلاقي بين فئاتٍ كثيرةٍ، ارتضت صيغة تعايش بين الطوائف والمذاهب، بقيت صامدةً في مواجهة التحدِّيات الكثيرة، وقادرةً على امتصاص التَّناقضات، وتوليد المعالجات للأزمات المتفجِّرة من بين حدَّي هذه الصيغة، أي التَّناقض والتَّلاقي.
لم تستطع التحوُّلات الكثيرة التي تعاقبت على لبنان ومحيطه المس بجوهر التَّعايش، بل ربما أسهمت مرحلة ما بعد العام 2011 (التي شهدت تنامي حالة الارهاب التكفيري بدمويته المنقولة مباشرة على وسائل الاعلام) في تعزيز فكرة التَّعايش والتَّمسك بالنموذج اللبناني، وبقدر ما كان الحفاظ على التنوُّع حاجة للجميع في لبنان، فإنَّ عوامل عدِّة أسهمت في إبقائه موحدًا غير قابل للتَّقسيم، أو الإندثار، ومن بين هذه العوامل ما هو داخلي، وماهو خارجي، وهذا بحدِّ ذاته يحتاج إلى معالجة مستقلَّة.
بقاء لبنان وطنًا للتنوُّع، كان يحتاج على الدوام إلى التَّمسك بواحدة من أبرز ميزاته، وهي اعتباره واحة للحريَّات العامَّة، وفي طليعتها حريَّة المعتقد، وحريَّة التَّعبير، وكلاهما مكفول بالنَّص الدُّستوري.
أسهمت هذه الحريَّة في ولادة اعلام متنوِّع، يسير بين حدود المتناقضات اللبنانية، ويرسم دورًا يشبه إلى حدٍّ ما المجتمع الذي ينبثق منه، فالاعلام وليد بيئته السياسيَّة والاجتماعيَّة والقانونيَّة، وهو حال اعلامنا اللبناني الذي يعبِّر عن خصوصيَّات الفئات اللبنانية في تمايزها الدِّيني والثَّقافي وفي بيئاتها الاجتماعيَّة، لكنَّه في النِّهاية ملزم بالبقاء تحت سقف الدولة الواحدة، بدستورها الجامع لهذه الخصوصيَّات، وقوانينها التي تسنُّها السُّلطة التشريعية، وبثوابتها الوطنيَّة المتأتية من وثيقة الوفاق الوطني.
صحيح أنَّ فكرة الدولة في لبنان لم تترسَّخ بسبب التقلُّبات التي شهدها منذ استقلاله إلى يومنا هذا، وبقي هذا السَّقف مثقوبا، لكنَّ سلطة الدولة بقيت حاكمة على الاعلام اللبناني على المستوى القانوني، ويمكن للسُّلطة متى شاءت أن تجعل من هذا المستوى القانوني سلاحها الأمضى لضبط الاعلام وفق تفسيرها لوظيفة القانون.