مع "التقارير حول سارة وسليم"، يستعيد المخرج الفلسطيني مؤيد عليان خلطة فيلمه السابق، "الحبّ والسرقة ومشاكل أخرى" (٢٠١٥)، ولكن بصياغة جديدة، وقفزتين أبعد ونتيجة أهمّ، حدّ انه يستحق ان نلتفت اليه جدياً. مخابرات إسرائيلية، حبّ وخيانة، لغط وإحتلال، هذه مكوّنات نجدها في الفيلمين. لكن دعونا نتفق على ان ثمة ما يعيد هذا المخرج إلى هذه الأشياء: نزعة ما إلى البورلسك. الأهم انها تبقى نزعة، لا أكثر. صحيح ان فيلمه الأحدث لا يُضحِك، لكنه ترك فيّ انطباعاً حقيقياً مفاده ان كلّ مشهد يقف على حافة الهزل من دون ان يلقي بنفسه فيه كلياً، إلى درجة انه يحلو لي التخيل ان لدى عليان، على الأقل في رأسه، نسختين من الفيلم: النسخة التي اكتشفناها في الدورة السابعة والأربعين من مهرجان روتردام السينمائي (٢٤ كانون الثاني - ٤ شباط) حيث نال جائزة لجنة التحكيم، وأخرى يحتفظ بها لنفسه. يبرر هذا التخيل، المشهد الأخير من الفيلم، حين يتحول الحزن الذي من المفترض ان يسيطر على وجه سيدتين "مفجوعتين"، إلى شيء من ابتسامة مكبوتة توحي بأنها ستتطور إلى ضحكة انفراج، لكن ليس قبل ان يصعد الجنريك وتتلاشى الصورة.

أياً يكن، نحن إزاء مجموعة شخصيات غير نموذجية في السينما الفلسطينية الحديثة يتقدّمها كائن لا يتحلّى بذكاء شديد ويُدعى سليم (أديب صفدي)، ومع بعض المبالغة يمكن إلصاق صفة الأحمق الطيب به، بلا أي شعور بالتحامل. فهو رجل لا يكاد يتحكّم بأي تفصيل من تفاصيل حياته العادية، لا بل تفلت منه معاني أفعاله. كلّ خياراته تؤكد هذه الحقيقة. فهو مثلاً متزوج من فتاة جميلة (بيسان - ميساء عبد الهادي) تنتظر منه مولوداً، ولكن هذا لا يمنعه من إقامة علاقة مع إسرائيلية (سارة - سيفان كريتشنر) تكبره سنّاً ولا تمتاز بأي كاريزما، وهي فوق ذلك زوجة ضابط مكلَّف إستهداف الفلسطينيين (إيشاي غولان). غياب الحجّة (أو ضعفها) الذي يُفترض ان يكون خللاً سيناريستياً (الفيلم مستوحى من قصّة حقيقية أفلمها رامي عليان، شقيق المخرج) يحوّله النصّ إلى قوة تستدرج البورلسكية التي تحدثنا عنها سابقاً، فيأتي عدم ذكاء بطلنا المضاد كغطاء شرعي.
يصعب التحدث عن الفيلم من دون التطرق إلى الجنس. فالجنس، على الرغم من انه ليس محورياً، له دلالات. هل الجنس "المحظور" الذي يمارسه سليم مع سارة هو الذي يجعله يبقى معها ويجازف بحياته؟ صحيح ان علاقتهما ليست قائمة على الجنس وحده، لكننا لا نعرف مع ذلك علامَ هي قائمة. من الواضح ان الجنس هنا هو وسيلة لإفراغ كبت معين، أداته المرأة الإسرائيلية، يستخدمها حيناً سليم الذي يعيش حياةً "نظيفة" مع زوجته المحجبة، وحيناً تقع في يد الضابط الإسرائيلي زوجة سارة نفسه الذي سيلجأ إلى المضاجعة العنيفة للانتفام منها، رغم ان علاقتهما تعاني من برودة جنسية. هذا البُعد في الحكاية كان يحتاج معالجة أعمق (الفيلم يتخطى الساعتين بسبع دقائق)، الا اننا نتفهّم حاجة المخرج وكاتب السيناريو بسرد قصّة تأتي أحياناً على حساب الاعتناء بالشخصيات وإيجاد مبررات لتصرفاتها.

سليم يوزّع معجّنات وسارة تدير مقهى. هكذا يتعرّف أحدهما إلى الآخر، ومن هنا تبدأ الحكاية التي تجري فصولها في القدس الشرقية. إلى وظيفته المتواضعة هذه، ينقل سليم بعض المواد إلى بيت لحم. بين هذا وذاك، يحاول الافلات من وصاية شقيق زوجته (محمد عيد) الذي يكلّفه الوظيفة الاضافية، الا ان ظروفه الاقتصادية المتردية تمنعه من ان يكون حراً مستقلاً عن ابن العم الفظ. حكاية أخرى لا يأتي الفيلم الا بشذرات منها، هي الذل المالي الذي يجعل سليم يعيش سلسلة مغامرات غير محسوبة الكلفة والنتائج. أما لحظة الانزلاق في الهاوية فتأتي عندما ترافقه سارة إلى بيت لحم خلال عملية تسليم. هذه ستكون بداية النهاية...
ينطلق الفيلم بمنحى تقليدي، وسرعان ما تتطور الشؤون الحياتية اليومية التى نشهد على شذرات منها، إلى ظروف استثنائية على خلفية الصراع القائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين الذين يتعايشون كيفما اتفق، في انتظار حلّ ما، لا يبدو ان أحداً يؤمن بظهوره قريباً. يحاول الفيلم تبسيط وضع في منتهى التعقيد وخصوصاً لجمهور غير مطلع على كلّ تفاصيل الصراع. بتقطيع حيوي وفعّال، ومعالجة متوازنة تخدم السيرورة الدرامية، يمضي الفيلم في كشف بعض من المعاناة الفلسطينية، من دون ان ينسى أيضاً تقديم الإسرائيليين باعتبارهم بشراً ككل بشر، يحبون ويكرهون. فهذا يقوّي حجة الفيلم ويجعل خطابه مسموعاً للعالم، بعيداً من جعجعة الأفلام النمطية التي تشطب العدو كلياً أو تشيطنه. لعل اللافت في هذا المجال هو كيفية تعاطي الفيلم مع الضحية الفلسطينية للخيانة الزوجية (بيسان، زوجة سليم) والضحية الإسرائيلي (زوج سارة)، فيظهر الاختلاف بين مَن يمسك العصا ومَن يُضرَب بها، علماً ان الضحية في الحالة الأولى أنثى وفي الثانية ذكر.

الفيلم ملمّ بالتفاصيل، ويجب الدخول فيها لفهم الأطر الاجتماعية، وإدراك الفوارق بين العيش الفلسطيني والعيش الإسرائيلي. فالأخيرون يملكون مساحات أكثر رحابة يتحركون فيها، وأوضاعهم متيسرة. أما الكادر من جهة الفلسطيني فيخنقه، وليس الكادر وحده الخانق، بل أيضاً العائلة والزوجة والدخل المحدود والوجود الإسرائيلي نفسه.
ولكن ينتقل "التقارير حول سارة وسليم" الذي ينتصر للمرأة ظالمة أكانت أم مظلومة، إلى مرتبة أخرى، ما إن يبدأ في تصوير الصراع الفلسطيني - الفلسطيني، متسائلاً اذا كانت الأزمة أخلاقية أيضاً. نعم، الفيلم ينطوي على نقد لاذع أيضاً للفلسطينيين. هل يكفي ان يقع شخص يخون زوجته أسيراً في يد إسرائيل كي يصبح بطلاً قومياً ينتصر له الشارع ويرفع صوره بطريقة لا تخلو من الكاريكاتور؟ وكم لمّاح وذكي هذا الاقحام في السياسة لرجل لا علاقة له بها!
يَتبع...

(*) دعت "الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل" إلى نبذ الفيلم لـ"خرقه معايير مناهضة التطبيع"، وطلبت من الصالات والمهرجانات عدم عرضه، ومن الجمهور في العالم كله الامتناع عن مشاهدته، ومن طاقم العمل الاعتذار عمّا سمّته "مشروعاً تطبيعياً". ورغم ان الفيلم إنتاج مشترك بين فلسطين وهولندا وألمانيا والمكسيك ويخلو من أي تمويل إسرائيلي، فأن الحملة وجدت في "إشراك ممثلين إسرائيليين إلى جانب ممثلين فلسطينيين من القدس المحتلة والضفّة الغربية"، مشكلة كبيرة! أما رد شركة الإنتاج الفلسطينية فجاء ليوضح ان المشاركين في الأدوار الإسرائيلية مؤمنون بحقوق الشعب الفلسطيني ومساندون، حتى ان أحد المشاركين، أي روني باركان، هو "عضو وناشط فعّال في حركة المقاطعة". كشف ناطق باسم الشركة ان الفيلم "خرج من رحم مدينة القدس في ظروف إستثنائية عاشتها في تموز الماضي، حيث تعرض طاقم العمل لاعتداءات عديدة من قوات الاحتلال".
نبض