.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
تهنئتي الصادقة لإدارة "النهار" مزدوجة لمبادرتها الرائدة حول "صناعة الوطن". التهنئة الأولى لوضع الاصبع على الجرح، فمعضلة لبنان أنّه "أرض أفراد" وليس وطناً، والأفرادُ هم بالتوصيف مرادفٌ للأنانيّة ولا مجال أن ينجحوا بالسمو للوصول الى مفهوم الوطن. أما مصطلح "صناعة" الذي يسبق الوطن في مبادرة "النهار"، فأنا مقتنع أن المسألة هي زراعة قبل أن تصل الى مرحلة الصناعة: كيف نزرع أفراداً يزهرون مواطنين؟ كيف يرقى الحس القبلي، العشائري، المذهبي، الطائفي، والغرائزي ليصل الى نضج المواطن، وقيّم المواطنة ومفهوم المساءلة والمحاسبة والواجبات والحقوق؟
زراعة المواطن هي الأساس، لأنها ترتكز على أصالة الجذور ومعادن التربة، والمياه الوطنيّة الجوفيّة وهي الإرث المشترك والتطلعات الطامحة لأفرادٍ يسعون الى الانصهار كي يرقوا الى أن يصبحوا شعباً وليس شعاباً وأفخاذا وبطون قبائل وتوابع مذاهب ومرضى بداء طاعون الطائفية. الزراعة هي بدء البشرية المُنتجة، وهي الرمز بين الأرض وقدسيّة الانتماء اليها، وخيرات السماء المتدفقة عليها؛ والزراعة هي القادرة على تطوير البذور والغرسات الهزيلة الى أشجار وثمار وفيء وجمال وجداول وخمائل.
وحدها زراعة المواطن توصلنا الى حصاد صناعة الوطن، والزراعة هي مسؤولية النخبة والمدرسة والجامعة والعائلة والمجتمع ولعلّ تقاعس أي مكوّن من هؤلاء، وعجزه عن القيام بواجبه في دورة الزراعة هذه، يهدّد المحصول ويُبْقي الغرسة هزيلة، مريضة، منفردة وخاضعة لأداء الغريزة والتخلّف.