18-01-2018 | 23:39
جو قديح قوّال بارع رسم بالسجع المقفّى جدارية الحرب الطويلة \r\n"أبو الغضب" ملحمة هوميرية عنيفة قارضة مغمّسة بالضحك الحامض
جو قديح قوّال بارع رسم بالسجع المقفّى جدارية الحرب الطويلة \r\n"أبو الغضب" ملحمة هوميرية عنيفة قارضة مغمّسة بالضحك الحامض
Smaller Bigger


استطاع جو قديح أن يضحكنا، بل أكثر من الضحك المهذّب، خرق النفوس المغلقة، وفجّر عالياً، الراجمات الصدئة، المتعفّنة في داخلنا. فهل آن الأوان لكي نضحك مع الحرب وعلى الحرب، ولا تزال ذيول تلك السنوات القاتمة، الجهنّمية، فاعلة في كل فرد منّا، إن نجا من الموت، لم ينج من تبعاتها؟ 

على مسرح الجمّيزة، وقف مع ظلّه، رفيقين لا يفترقان، قوّال من هذا الزمن، والظل حدسه، يشق له الدرب حتى لا يتعثّر في مسلسل هذا الليل الطويل، شاهداً ومشاهداً، كتب هذه الفقرة النقدية من التاريخ، لصوت واحد، صوت يتكاثر على الخشبة، فيغدو أصواتاً، في استذكاره ذلك الملجأ الذي تحوّل مسكناً جماعياً، محا الغربة بين جار وجاره، وانكشفت فيه وجوه كانت قبل الحرب، مستترة، فتأقلمت وتآلفت بما فرضه الواقع، في فتّة ورق، ولعبة زهر، وقرص كاتول، لمحاربة البرغش والذباب. وتتسع الجدارية، ترسم بالفحم خطوط التماس، وتعبر لكنات، فلسطينية، سورية، مخابراتية، من دون أن تفقد القافية ذرّة من إيقاع مثير للتصفيق.

"13 نيسان، كان عمري سبع سنوات حين انطلقت شرارة الحرب". هي المدرسة التي بدأ فيها الفتى جو قديح، كسواه من اللبنانيين الصغار، يتفتّح على تركيبة الوطن، ويحفظ غيباً أبجدية الطائفية، والتعصّب، وأسماء الراجمات، الناشطة، في غير اتجاه، التاركة دماراً وموتاً. على صوتها المدوي درس جغرافيا الوطن لا كما جاءت في كتب المدرسة. حفظ أسماء الأحزاب المقاتلة، ومعها أعداداً لا تحصى من القبضايات. "أبو الغضب" كنية ألبسها مثالاً لمن أصبحوا خلال الحرب، في غياب الدولة، حاكمين، آمرين، يلغون، يخطفون، يقتلون، ولا من يردعهم. كبر الفتى ووعى حقيقة ما يجري على المساحة اللبنانية. الحكاية الملحمية، جمعها لمامات من هنا وهناك على ما يفوق سنوات الحرب وما تركته في نفوس المنتفعين منها من ذيول وفي نفوس المتضرّرين من أسى، ودوزنها كقوّال سجع عتيق، بارع في تركيب القوافي بخفة دم وظرافة سلسة كما لو أنه يرتجل قصة من عصر هذا الزمن، شبيهة بأسلوب قوّالة، أتحفوا القصص الشعبية وخلّدوها. فالمقادير كانت كلها في حوزته، يولفها كسمفونية موسيقية، صاغ بها على فصول وأمكنة، تراجيديا الإنسان في زمن الحرب، بفن النقد الفطري، ورشاقة القول السجعي، الذي أصبح ماركة مسجّلة لجو قديح، تعلو به فوق ما يجب ألا يقال، حرّاً، فهو يعرف أن الحرية هي لمن يعرف ان يمتلكها بجرأة. أفيكون وقوفه منفرداً على الخشبة، في حزمة الضوء، يروي من دون توقّف، آفات الحرب وعاهات الإنسان، بهذا الكم من الطرافة الساخرة؟ أفيكون دخل زمن الوحدة، هذه النعمة التي تدعو الإنسان في عزلته إلى أن يفكر أعلى وأفضل ويبدع قيماً جديدة مفيدة لمجتمعه؟