تيلدا سوينتون: في رأسي موسيقى عندما أمثّل
Smaller Bigger

تيلدا سوينتون لا تشبه أحداً، إن شكلاً أو مضموناً. يمكن المحاججة أنّ ديفيد بووي هو مُعادلها الذكوري، ولكن ينتهي الأمر عند هذا الحد. إنها كتلة من الأفكار والنظريات والاقتناعات التي جعلتها على ما هي عليه اليوم ورسمت مسيرتها منذ ثمانينات القرن الماضي بإدارة كبار السينمائيين: سبايك جونز، بيلا تار، اريك زونكا، الأخوان كووين، ديفيد فينتشر، لوكا غوادانينو، جيم جارموش، وأيضاً وخصوصاً مواطنها البريطاني درك جارمان الذي أطلقها في “كارافاجيو” عام ١٩٨٦ّ (“دبّ” برلين في العام نفسه).  

تأكدنا من حداثوية عقل هذه الممثلة الانكليزية يوم حطّت في ليون في منتصف الشهر الماضي ضمن مهرجان لوميير السينمائي. تيلدا سوينتون سليلة فكر حرّ لم تستطع الشهرة تعليبه، هي عفوية، غريزية، عاشقة، ما في قلبها على لسانها. فنانة كاملة الأوصاف لا تحاول ركوب أيّ موجة، ولكن إياك الاطالة في تعداد فضائلها، والاصرار لمعرفة الأسباب التي جعلتها تجسّد هذا الدور وتتخلى عن ذاك. فهي ترفض عقلنة كلّ شيء، وتقول: "قد يحب البعض رؤية ناس يعرفون ماذا يفعلون. أنا لا. ولكن انتبهوا، سأناقض نفسي فوراً، وقد أقول في سياق الحديث عكس ما أدّعيه هنا. أحتاج إلى عدم معرفة ماذا أفعل".



ما إن دخلت سوينتون القاعة حيث كان في انتظارها نحو ٥٠٠ شخص، حتى تصرّفت بعفوية شديدة: “قيل لي أنّني سأجري ماستركلاس. ففكّرتُ: هل عليّ تحضير شيء ما. فأكّدوا لي: لا، إنّه مجرد حوار”. حاول محاورها ان يقدّم أدق تعريف عنها، محللاً شخصيتها التي حملتها من فيلم إلى فيلم، ولكن مع كلّ سعي له للتوصيف، كانت تجابهه بالعبارة الآتية: “لستُ أياً من هذا كله، ولا أحاول أن أكون. لا يوجد فارق بيني وبين أحد من الجمهور. لستُ محترفة، إنني عاشقة #سينما فحسب. قبل الحضور إلى هنا، كنتُ أسأل نفسي كيف سأقف أمامكم. منذ سنّ مبكرة، كان لي هذا الإحساس. لستُ ممثلة ولم أطمح يوماً لذلك (…) لطالما شعرتُ بأنني فاشلة قليلاً لأنني مثّلتُ في فيلم ثانٍ وثالث. لا يوجد سوى فيلم واحد يستطيع المرء أن يكون طبيعياً فيه، الباقي تمثيل. أحاول أن أتجاوز هذا عبر التجدّد قدر المستطاع، حتى وإن أجد في داخلي جوانب لا أستطيع تغييرها”.

شبت سوينتون في بيئة اجتماعية حيث الفنّ لطالما اعتُبر شيئاً نكتسبه بالفطرة، لا نتعلمه. تتذكّر الممثلة الخمسينية الملقبة بـ"الحرباء" (نظراً للتحولات التي خضعت لها من فيلم إلى آخر)، انها منذ الصغر دهمتها الرغبة في الالتحاق بما تسميه قبيلة الفنانين. "والدي كان جندياً، وبروسون يقول إنّ السينما أرض معركة، أنا كنت مستعدة لهذه المعركة".



“بدنوبز أند برومستيكس” لروبرت ستيفنسون أول فيلم ذهبت سوينتون من أجله إلى السينما خلال عطلة عيد الميلاد في لندن العام ١٩٧١. ولكن، أول فيلم شاهدته كان في عمر الثامنة على التلفزيون. طوال سنوات اعتقدت أنّ هذا الفيلم حلم. كانت تسأل الناس من حولها إذا كانوا يعرفونه، فيجيون بـ“لا”، فتخال أنها حلمته. ولكن في السنوات العشر الأخيرة اكتشفت انه يوجد فعلاً هكذا فيلم وهو “سلطة العشرة” لراي وتشارلز ايمز. “إنه فيلم مذهل. أحياناً أعرضه للأطفال، فيصبحون كأنهم تناولوا مخدرات. يغوصون في السينما حرفياً”.

دخلت سوينتون الجامعة لتتعلم الكتابة. في اللحظة التي جلست فيها على مقاعد الدراسة، توقفت عن الكتابة. كوّنت أصدقاء وبدأت تمثّل في مسرحيات. عقائدياً، كانت تنحو إلى اليسار. أرادت أن تدرس السينما، ولكن في جامعة كامبريدج لم تكن هذه الدراسة متوافرة. عوّضت حاجتها هذه بالمسرح، إلا أنّها لم تكن “حيوان” مسرح، كما تقول. في منتصف الثمانينات، كانت السينما البريطانية تمر في مرحلتها التجارية، فلم تنجذب لها. وجدت نفسها على قاب قوسين من الاستسلام. راحت تقامر. جنت الكثير من المال عبر الرهانات في سباق الخيول. تتذكّر حصاناً يُدعى ديفيليري. إلى اليوم لم تنساه. استطاعت العيش سنة كاملة من خلال الرهان عليه.



ثم كان اللقاء الأهم، اللقاء الحاسم في حياتها: درك جارمان، المخرج الأندرغراوند الذي توفي من السيدا وهو في الثامنة والأربعين. معاً، شكّلا ثنائياً متماسكاً. “كنت محظوظة جداً للقاء درك. آنذاك، كان يعمل لمعهد الفيلم البريطاني الذي كان بدأ لتوّه منح الفرص لأصوات جديدة من خارج السيستم. فألتحقتُ بهذا السيرك. شعرتُ أنني جزء من هؤلاء. كنا كـ”فاكتوري” آندي وارهول. على كل حال فكرة أن يجتمع فنانون تحت لواء واحد ليست بالجديدة، هي موجودة منذ قرون. كانت عقليتنا عقلية قراصنة، على الرغم من أنني تربيتُ في بيئة اجتماعية تلتزم بأصول تربية صارمة جداً. الفنّ جعلني أعي بأنه من الممكن أن أمنحه من ذاتي. فجأة، سُمح لنا بتفجير طاقاتنا الإبداعية. في الفنّ، ذاتنا كانت مطلوبة، لم تكن مستبعدة. الأشياء باتت أكثر صعوبة اليوم. ينبغي تغيير زاوية النظر. ولكنني مقتنعة بأنها مجرد سحابة سوداء وستمرّ (…) عملتُ مع الجميع للسبب نفسه. السبب نفسه كان يجمعني بهم: فكرة أناس أستطيع الخروج معهم للتسلية والتسكّع، قد أناقشهم بمواضيع مشوّقة، وأستقل برفقتهم الباص، وأتنقل معهم من مهرجان إلى مهرجان. لا يوجد أجمل من العمل مع الأصدقاء. وحتى عندما كنت أمثّل في فيلم استوديو، كنت أختار الناس الذين يتمتعون بالعظيمة نفسها التي لدى المستقلين. الأفلام كورق الشجر والنقاش هو الجذع”.



درك جارمان أمسك بيد سوينتون، بمعنى ما تبناها. ٧ أفلام في تسع سنوات. معه تعرّفت إلى الأشياء عن كثب. شاركت في مهرجان برلين مع “كارافاجيو” (من وحي سيرة الرسّام الإيطالي) وهناك اكتشفت عالم السينما الحقيقي. سينمائيون من بلدان العالم كافة. فلاحظت أنّ رغبتها لم تعد في أن يأتوا اليها إلى لندن، بل أن تذهب هي إليهم. تقول سوينتون إنّ التمثيل هو نوع من استسلام لعالم المخرج ورؤيته. “عندما أجد نفسي على بلاتو فيلم لبيلا تار، تجتاحني رغبة في الدخول إلى عالم بيلا تار. أمقت الشعور بالضجر. أنا بروسونية بامتياز (نسبة إلى المخرج الفرنسي روبير بروسون). يعني لي الكثير كلامه عن الممثل الموديل. بروسون مدرستي الوحيدة. التقارب بين الكائن والشيء المتحرك كان مهماً في مسيرتي. اذا أردتَ الدخول إلى عالم بيلا تار، فهذا ليس كما لو دخلتَ إلى عالم وس أندرسون أو بونغ جون هو أو اريك زونكا. أنا كلوحة، لوحة زيتية! ماتيس رسم لوحات زيتية، وربما درجة الزراق عنده نفسها التي استخدمها سالفادور دالي، ولكن كلّاً منهما خرج بنتيجة مختلفة. فيلم للأخوين كووين يحتاج إلى إنسان كوويني. أنا هنا لخدمة المخرج. لا آتي بشيء من عندي. ولكن في الحقيقة، التمثيل ليست فقط خدمة الدور. هناك مسؤولية، وهذا تعلمته من درك وكلّ الذين عملتُ وإياهم. لا أريد أن أبدو متعجرفة، ولكن أشعر أنّني أنا أيضاً مخرجة الفيلم. على كلّ حال، كلّ شخص يشارك في فيلم هو سينمائي أيضاً. عندما أسمع الممثلين يتكلمون عن طريقة عملهم والتقنيات التي يستخدمونها، لا أجد نفسي في هذا كله. لذلك، منذ ٣٠ سنة وأكرر أنّني لستُ ممثلة. الممثلون عادة يتحدّثون عن امتلاك الشيء، أنا أجد نفسي في فكرة “صناعة الأشياء بالمشاركة”. الممثلون الكبار يأتون بشيء منهم إلى الفيلم، أنظر اليهم بإعجاب ولكن لا أراني في هذا النمط. لا أحب أن أعزل نفسي عن الآخرين، أفعل ذلك في حياتي الشخصية، ولكن ليس في العمل”.

تدعّي سوينتون أنّ كلّ شخص مثّل في فيلم ولو مرة واحدة سيتلقى الكثير من العروض، ولكن كلها لأدوار متشابهة. فالاحتمال الأكبر ألا يتلقّى هذا الشخص سوى أدوار تكون عادة نسخة طبق الأصل عن دوره الأول. “أحاول أن أتذكّر متى كانت آخر مرة عرض أحدهم عليّ المشاركة في فيلم من دون أن أضطر إلى تولّي كلّ شيء من ألف إلى ياء. في كلّ مرة كان عليّ أن أتدخّل ليتحقق المشروع، وأورّط نفسي في أمور كجمع تمويل، إلخ. لطالما حاولتُ أن أخلق من جديد. فمثلاً، تثيرني الشخصية الباردة الحذرة، يهمني استكشاف السبب الذي يجعل المرء سلبياً على هذا النحو، صاحب مشاعر فاترة”.

تروي سوينتون أنّها كانت دائمة الاهتمام بمسألة الهوية. فهي التي تمثّل حبّاً بالتمثيل، تعارض المجتمع الذي يريد “بيعنا حقيقة أنّنا لا نمتلك سوى هوية واحدة ولا مجال للتغيير”، انطلاقاً من إيمانها بأنّ الهوية خيار وليس فرضاً. “في “دكتور جاكل ومستر هايد” يتكلّم ستيفنسون على ازدواجية الهوية. هويتي متعدّدة الوجه. أن يوجد مجتمع يفرض عليك هوية واحدة صريحة محددة، فهذا يغضبني جداً. لذلك، لطالما سرتُ خلف الشخصيات التي تبلغ مرحلة من الوعي فتطرح علامات استفهام حول هويتها وسلوكها وتصرّفاتها. يصل هذا الشخص إلى نقطة يلتقي فيها الآخر. هذا ما يحصل للشخصيات في “أورلاندو”، وهذا ما يحصل في “النهاية العميقة”، وهذا ما يحصل في “جوليا” (ثلاثة أفلام مثّلت فيها). كلّ واحدة من هذه الشخصيات تتعرض لحادثة تغيّر فيها شيئاً ما. أن تكون على رأس فيلم، فهذا أمر استثنائي جداً، يجب ألا ننسى أنّ المتلقي سيضع رجليه في حذائك طوال الوقت. أن تحمل المُشاهد إلى هذه النقطة التي تحدّثت عنها، فهذا ما يجعل التمثيل فناً”.



بعيداً من أفكارها الراديكالية ومقاربتها للقضايا الكبرى، تتمتّع سوينتون بخفة دم محببة. في ليون، أشخاص عديدون اقتربوا منها بعد اللقاء، وكانت تأخد وتعطي معهم بهدوء ورقي. كما أنها أصرّت على توقيع أوتوغرافات فرداً فرداً والتقاط صور معهم. استغربت كيف أنّ الناس اكتشفوا للتوّ موهبة سالي بوتر الكوميدية في مناسبة بدء عرض فيلمها الأحدث “الحفل” في الصالات، مع أن “أورلاندو” الذي أخرجته في العام ١٩٩١ كان ظريفاً، وهي تأمل ألا يقول لها الناس حين يلتقونها في المطارات: لماذا أنتِ باردة إلى هذا الحدّ؟ فهذه ليست طبيعتها. نكتشف كذلك في لقائنا بها أنّ الموسيقى تحتلّ مكانة مهمة في حياتها. مراراً تم مقارنتها بديفيد بووي الذي عملت معه وهو كان صديقاً لها. “كان ديفيد يقول إنّ الناس يعتبرونه موسيقياً في حين هو يعتبر نفسه ممثلاً. أما أنا فأعتبر نفسي العكس: موسيقية لا ممثلة. في أفلام جارموش الموسيقى هي النص… أكاد أقول بأنّها الحمض النووي لأفلامه… في رأسي موسيقى عندما أمثّل. في “سوسبيريا” (ريميك لفيلم داريو أرجنتو الشهير صوره الإيطالي لوكا غوادانينو أخيراً) أضطلع بدور موسيقية بكماء. أثناء التصوير، كنّا نستخدم موسيقى جون أدامز، وأقول في سري إنّه سينتهى الأمر باستخدام ماهلر، ذلك أنّ أدامز رفض اعطاء حقّ استعمال ألحانه لأي كان منذ زمن. ولكني استطعتُ اقناعه، وكان سخياً جداً معنا. إنها لحظة التقاطع بين الأشياء التي أتحدث عنها دائماً”.

لسوينتون أخيراً مقاربة راديكالية للأفلام القديمة. كون اللقاء حدث على هامش مهرجان “لوميير” للأفلام الكلاسيكية، فكان لها رأي في هذا الشأن: “أي سينما هي سينما قديمة. فيلم أُنجز من أسبوع هو فيلم قديم. لذلك، لا شيء اسمه قديم في السينما. إذا اعتبرنا أنّ كلّ الأفلام قديمة، فهذا يعني أنّه ما من فيلم قديم. أمس عندما شاهدنا “نورث باي نورثويست” لألفرد هيتشكوك شعرتُ بأنني في الفيلم. كاري غرانت كان هنا، أمامي”.




العلامات الدالة

الأكثر قراءة

تعمل السلطات على وضع حواجز لمنع المواد السامة من تلويث المجاري المائية أو المحيط الواقع على مسافة كيلومترات.
منبر 5/23/2026 10:14:00 AM

هل تستضيف برلين مجدداً بطلب من جهة محايدة مفاوضات غير مباشرة بعيدة عن الاضواء بين "حزب الله" وايران واسرائيل للتفاهم على انهاء حال الحرب بينها على غرار مفاوضات العام 2000 التي أدت الى إنهاء الاحتلال للجنوب في آيار من العام المذكور .

لبنان 5/24/2026 12:59:00 PM
صحيفة "نيويورك تايمز": الاتفاق المرتقب سيشمل "إنهاء المواجهات على جميع الجبهات"