الحكم على نمسوي بالسجن 15 عاماً لتخطيطه لهجوم على حفلة لتايلور سويفت

التّربية اللبنانيّة وأزمة القيم
Smaller Bigger

إنّ لبنان قد أصبح اليوم بفعل التطوّرات الإجتماعيّة التي أصابت المجتمع، بلد " مش ماشي الحال"، ولهذه المسألة جذور تعود إلى السّلوكيّات التي اعتاد وتربّى عليها اللبنانيّون. والأدهى في هذه المسألة، أنّ هذا النّظام في التّربية، تمّ تناقله من جيل إلى جيل على مرّ الزّمن محمّلًا بالأخطاء، التي أصبحت بفعل السّنين ثوابت وأسس بُنيَ عليها المجتمع اللبناني. فهل نستطيع أن تغيير هذه الأسس انطلاقًا من تغيير النّمطيّة السّائدة في نظامنا التّربوي؟ أم أنّنا سنسير مع موجة المجتمع محاولين تبرير ما آلت إليه الأمور من ضرب بعرض الحائط لأبسط القيم الإنسانيّة؟ 

العائلة هي النّواة الأولى للمجتمع، وبضرب هذه النّواة يتمّ تفتيت المجتمع. من هنا، فكلّ الجمعيّات السريّة وحتّى العلنيّة منها لتسود على المجتمع تعمل على تفتيت الحصن الأوّل المنيع فيه، أعني العائلة. ففي حين أنّ تفكّك العائلات لم يكن مسألة لافتة في مجتمعنا، لقد أصبحت هذه المسألة حالة لافتة جدًّا مع ما بتنا نراه اليوم في مدارسنا ومؤسّساتنا التّربويّة من حالات تفكّك للعائلات قد انعكست سلبًا على الأبناء، إن من حيث التصرّفات العنفيّة التي باتت حجّة لتنفيس الحرمان الذي يعاني منه الأبناء الأبرياء، أو من حيث ازدياد عمليّات التسرّب المدرسي التي ازدادت بشكل ملفت في الآونة الأخيرة. والجدير بالذّكر، أنّ هذه العمليّة لم تصل إلى هذا الدّرك في عزّ سنوات الحرب التي واجهها لبنان، حيث كان معظم المقاتلين يدرسون في النّهار ويسهرون في الليل على خطوط النّار.

أمّا بعد العائلة، فينطلق الشّخص البشري بكلّ كيانيّته إلى المجتمع حاملًا معه كلّ الأثقال التي أُلقيت على كاهله من تربيته البيتيّة. ففي حين لم يتعوّد أبناؤنا على قولة :" اللا" حيثما يجب، قد أنتجنا بطريقة غير مباشرة جيلا خاضعًا لمن خوّلته الحياة والظّروف وأوصلته إلى مراكز القرار. فبات الشّاب اللبناني يسير وراء الزّعيم مهما اتّخذ من مواقف، والعجب العجاب في هذه المسألة، أنّنا نراه يبرّر لزعيمه كلّ القرارات التي يتّخذها، من دون مناقشته بها. في حين أنّ بعض الأحزاب، قد اتّخذ أكثر من سنة ليقتنع ملتزميه ومناصريه على السّواء بضرورة تغيير السياسيّة خارطة تحالفاته، من أجل وجوديّة هذا الفريق التي تنسحب بدورها على وجوديّة الوطن بأسره. بالمقابل، بقيت فئات مجتمعيّة متمسّكة بما اعتبرته ثوابت حتّى بعد أن أسقطها التّاريخ بفعل عدم صوابيّتها.

هذا كلّه منبثق عن تربية بيتيّة مضروبٌ فيها سلّم القيم بعرض الحائط، وهي ناتجة عن نفسيّة نتغنّى بتجذّرنا منها. أعني الرّوح التّجاريّة الفينيقيّة. فالفينيقيّون كانوا روّاد المتوسّط في التّجارة، لأنّ مملكتهم كانت على شاطئ البحر الذي اعتبروه منفذهم الوحيد، وامتدادهم الإستراتيجي نحو العالم. وهذه الطّبائع حملها اللبنانيّون حتّى صارت في جيناتهم.

وهذا ما جعل منهم "ماركانتيليّين على حدّ قول المفكّر أنطوان مسرّة، و" ليفنتينييّن" على حدّ قول الفيلسوف شارل مالك. حيث صار لكلّ عمل ثمن وسعر يتقاضاه، إضافةً إلى ثقافة الشّطارة التي زيّنت الغشّ أي "الزّعبرة" بالمفهوم اللبناني، وحوّلت الرّشوة إلى حقّ شرعي. فتمّ ضرب مفهوم الحقوق والواجبات بعرض الحائط. وانتفت القيم التي بُني عليها مجتمعنا ليحلّ مكانها أساليب حوّلها التّطبيع إلى تعميم فغدت بحدّ ذاتها قيمًا وصار لها فلسفتها الخاصّة.

يا سادة، إن أردنا أن نبني وطنًا علينا أن نبني عائلة محصّنة بوجه كلّ الإغراءات أوّلا، ومن ثمّ علينا أن نعلّم أولادنا كيف، ومتى، ولمن، يقولون نعم أم لا. وعلينا أيضًا أن نبني خياراتنا، كلّ خياراتنا، على أساس سلّم القيم الإنسانيّة، وأوّلها الحريّة والمحبّة واحترام الآخر المختلف، وليس التّبعيّة والإتّكاليّة والحقد وتحويل الإختلاف إلى خلاف. نحن بحاجة إلى إعادة ترتيب سلّم القيم الذي دمّرناه بتبريراتنا في تربيتنا الخاطئة، لإعادة إنتاج حضارة جديدة تقوم على الأسس التي أشرنا إليها. ماذا وإلّا ... سنفني ذاتنا بذاتنا، وعندها لن يكون لبنان لنا لأنّنا لسنا على قدر قيمة ذكره من قبل الرّبّ. وعندها سيكون البكاء وصرير الأسنان.



الأكثر قراءة

كتاب النهار 8/20/2026 5:40:00 AM
السؤال مشروع عما إذا كان "حزب الله" هو الذي يقرر شؤونه بنفسه، أو أن كل بنيته تدار من إيران ومن "الحرس الثوري" تحديداً.
اقتصاد وأعمال 8/19/2026 3:24:00 PM
شطب الأصفار قد يجعل التعامل بالليرة أكثر سهولة، لكنه لا يعيد إليها الثقة. فاستعادة هذه الثقة تتطلب معالجة الأسباب التي أدت إلى انهيارها، لا إعادة ترتيب الأرقام على الأوراق النقدية.
لبنان 8/20/2026 7:06:00 PM
أمن الدولة يوقف شخصاً وزوجته في الحازمية بعد شكاوى بشأن تسعيرة المولدات، ويضبط في منزلهما مخدرات وأسلحة وذخائر و4 طائرات مسيّرة.
لبنان 8/20/2026 8:53:00 PM
فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على 10 أشخاص قالت إنهم يشكلون شبكة لنقل الأموال إلى "حزب الله"، مستخدمين رحلات جوية تجارية لنقل مبالغ تصل إلى مئات ملايين الدولارات خارج النظام المالي الرسمي.