في السخرية، يدافع المظلوم والمهزوم عن ذاته بطريقة تجعله منتصراً، ولو لفترة قصيرة. هي طريقة سحرية وفريدة، تعيد إليه حالاً من التوازن المفقود، وتبني في روحه صرحاً مذهلاً من الضحك من قاهره. لربما ولدت السخرية كردّ فعل ذكي مذ ولدت الحضارات البشرية الحقيقية. فالسخرية التي تمثلت في الأدب والفن وفي النكات التي يطلقها الناس البسطاء، رافقت الملوك والحكام الذين بنوا أمجادهم من تعب الفقراء ومن ملح عرقهم الذي لا يجف.
مثّلت السخرية أحوالاً من التحدي الذي قد يفجر ثورات كاملة، وقد يزلزل عروشا كاملة، مثلما كان لفولتير ذاك التأثير في قيام الثورة الفرنسية. فثقافة السخرية سرعان ما تتحول الى قوة جذب هائلة تجعل المتلقي يقبل عليها بشراهة المقهور الجائع الى ضحكة.

رواية "الدون كيخوت" لثرفانتس، من أكثر روايات العالم قراءة، لما فيها من سخرية رشيقة وذكية. تقوم الرواية على مفهوم الفروسية الذي نما كثيرا في العصور الوسطى، لكنه تحول الى مفهوم أجوف ينتج حالات مشوهة من السلطة ومن البطولة الفارغة الناقصة لكل بعد أخلاقي عميق. ذكاء ثرفانتس جعل كلاً منا، يسخر من الدون كيخوت الذي يسكنه، وجعل كلاً منا يتوهم نفسه فارساً، وهو في الحقيقة لا يقاتل إلا طواحين الهواء.
قي الأدب العربي الحديث، شكل محمد الماغوط ظاهرة نادرة من العفوية والفطرية والشعرية الحادة واللاذعة، ضارباً بعرض الحائط كل المفاهيم النقدية للكتابة، وكل أشكال الاستبداد والسلطة، معرياً الطغاة والساسة، والأحزاب، والرؤساء، بجرأة وقوة وعمق، وبموهبة صادمة وعرة لم يستطع شيء ترويضها.
جسّد نهاد قلعي صورة الممثل والمثقف الموهوب، القادم من وعي فكري طافح بالعمق الانساني. موهبته هذه، جعلته يتلقف أعمال الماغوط التي حاكت روحه، وقالت ما تمنى هو أن يكتبه ويقدّمه ليس فقط كممثل، بل كصاحب مشروع ثقافي مليء بالكوميديا السوداء، باعتبارها ذلك السكين الحاد الذي ينحت حجارة الاستبداد بكل أنواعه، ويعريها ببشاعتها، لتعود وتظهر مدى جمال الداخل الانساني النقي البكر.
ضمن هذا الثنائي وجد دريد لحام نفسه. إنه ذلك الممثل السوري الشاب، المتخرج في الجامعة، لكن الممتلك موهبة نادرة في تقديم شخصيته، وفي قدرته على التحكم بملامح وجهه التي كانت مزيجاً محبباً وذكياً في الوقت نفسه.

جمع في شخصه القدرة على تمثيل شخصية الانسان البسيط، لكن الساخر الحربوق في الآن نفسه، فراح يقدم معادلا متوازنا لما ينقصه النص المسرحي الساخر الذي يفضح كل ما يلتهم أحلام الفقراء، ومن يتاجر بفقرهم الطويل،
من هنا ولدت قامة دريد لحام الفنية. هو لم يكن مؤلف تلك النصوص التي سرت في المجتمع العربي كما تسري الشائعة، أو الضحكة المحرمة، وتسللت الى ملايين القلوب العربية المحطمة، وحاكت أحلامها المؤجلة.
كان من الطبيعي والحال هذه، أن يدرك الجميع أن دريد لحام هو ممثل متفرد ونادر، يمتلك العديد من المواهب التي ساعدته في بناء ذاته الفنية، مثل الغناء بصوت حنون حقيقي، والرقص والخفة، والقدرة على اصطناع الدهشة. لكنه ليس ذاك الانسان الذي يحمل مشروعا فكريا حضاريا يواجه به السلطات الاستبدادية التي تحكم الوطن العربي، بدءا بالسلطة السياسية الديكتاتورية مرورا بالسلطة الفكرية والاجتماعية، وصولا إلى السلطة الدينية.
ورحل الماغوط تاركاً ارثاً عظيماً من النصوص والمسرحيات الصادمة والمؤثرة في عمق الوجدان العربي، ومن القصائد الوعرة البرية التي تصفع في كل نهاية وتستدرج المرارة الى الحلق وتجعل القارئ يقتنع بأن الشعر هو غير كل ما قالته كتب النقد.
دريد لحام سيرحل يوما، وقد عرّت الثورة السورية هشاشته الفكرية والانسانية والأخلاقية، وجعلته ينكشف على حقيقته، تاركاً خلفه ارثاً تمثيليا مهما، لكن هذا الإرث لن يشفع له، ولن يحميه، وفق ما يرى البعض.
لن يبقى من دريد لحام سوى غوار الطوشي، وطربوشه مليئا بالوحل.
نبض