سنقول لاحقاً ان مسلسل "اسم موقت"، الذي عرضته CBC (وقنوات أخرى) في رمضان، ذكّر المُشاهد بأعمال تتشابه بالمطاردة والتشويق والغموض الممتع. لا تكون المقدّمة للتفاصيل. تابعنا كيف جمع البحث عن الهوية شخصاً فقد ذاكرته بوطنٍ يسير نحو التيه.
ارتبط فقدان الذاكرة في "ثقافتنا" بنمط حياة الآخرين، ولا سيما لجهة المكسيك. العرب لا يفقدون الذاكرة. هذا السلوك "المضحك" صُنع في عالم ماريا مرسيدس ولويس فرناندو. طوّع المسلسل هذه الاشكالية "المستوردة" لتتلاءم و"الثقافة" العربية بجعله البطل الذي فقد ذاكرته شبيهاً بالبنية المصرية بعد ثورة "25 يناير".
وضعَ الامتداد النفسي للبطل يوسف رمزي (يوسف الشريف) بعد فقدانه الذاكرة، الكاتب محمد سليمان عبدالملك والمخرج أحمد نادر جلال أمام ضرورة ألا تكون المراحل التي تمرّ بها المجتمعات، وهي تعيد تموضعها، "طبيعية" وسهلة، وإلا لما تطلّب التغيير نضوجاً ظرفياً. اختيار "البلطجة" حدثاً مغيّراً لمصير الشخصية، ثم تداخل الأسماء والشخصيات في وتيرة تصاعدية متسارعة تعمّدت إشباع المشهد بالغموض، صوّرا العمل أشبه بصندوق بريد للرسائل السياسية، هدفه خلق مُشاهد يترقّب، وآخر يبحث عن وجه شبه ما بين الحقيقة والخيال.
الترقّب قد يُخرق بالظنون. فالعمل حين "بالغ" في تشابك الحوادث الى حدّ "اللامنطق" أحياناً، ترك المُشاهد يشعر وكأن التبدّل "الكميّ" للأسماء والأدوار، لم يكن لأبعاد درامية فقط، وإنما لمقاصد سياسية. لعله ثمة خشية من الملاحقة بتهمة "الاساءة" الى المرشحين السابقين للانتخابات الرئاسية. فما إن نجحت العناصر الرمزية المكثّفة بوضع العقل أمام الشخصية المقصودة، حتى طرأ حدث (أغلب الظنّ انه مُتخيَّل) هدفه إبعاد الشبهات والعودة الى الوراء.
لا تفصلوا النفوس عن مكان يضجّ بالخوف والابتعاد والزحمة. تعمّد المسلسل انتهاء البطل مشلولاً عاجزاً عن الدفاع عن نفسه وتكذيب التهم. بعضهم يريد الوطن مجنوناً. تبرز نظرية المؤامرة في الحلقة الأخيرة على شكل تلفيق جرائم للشخصية "المريضة" بالفصام، وفبركة أدلّة تثبت اصابتها بالهلوسة والاضطراب. الحِقن فكرة مثيرة للتحليل. انها المسكنات التي تُطرح عند البحث عن علاج للأمراض المميتة. فنجد نهاية الشخصية تمتلئ بالمجهول والخيبة، كما المجتمع المصري بعد "يناير"، وما كشفته معركة السباق الى السلطة من تحالفات مشبوهة تستقوي بالمال على حساب المبادئ والمصلحة الوطنية العليا. الوجوه في اغلبيتها زائفة. كان حقيقياً أداء صبري عبدالمنعم وزكي فطين عبدالوهاب في دور مرشحي الانتخابات الرئاسية برؤية انتهازية تتخذ من المدّ الاسلامي شكلاً يضمن تأييد الجماهير، من أجل تصفية الحسابات والتباهي بلقب "الريس".
تبدّلت ملامح يوسف الشريف وفق الأدوار التي أداها بوظيفة وأسماء مستعارة، ووفق المخطط الذي يتحضّر له (للبلد)، فكان مقنعاً. فقدانه أوراقه الثبوتية في الحادثة، وضعنا أمام المواجهة: الشك في مقابل اليقين. فإذا بنا نثق بشخصية ونعتقد ان ما تقوله صحيحا وفي الوقت عينه لا نأخذها على محمل الجدّ. حملت شخصية هالة، التي أدتها شيري عادل، انطباعات نفسية متناقضة، فأججت الصراع الذي عاشه يوسف لتجعل منه حالا عبثية تنشد مزيداً من الضياع. التقط المخرج خيوط عمله، محافظاً على الايقاع من الملل ومحدثاً عند الضرورة مفاجآت صنعت اضطراب يوسف (كأن يمتلك مهارات قتالية، وهو الذي عجز عن الدفاع عن نفسه حين تعرّض للضرب). الفلاش باك زاد التشويق ورفع حماسة المُشاهد. وإنما الضخّ من كل الجهات أرهق العمل وخنق أنفاسه، فبدا وكأنه أستاذ يرفّه عن تلامذته بكتابة جدول الضرب مئة مرة.
[email protected]
Twitter: @abdallah_fatima
نبض