لا يمكن للبنان أن يواكب مسيرة التطور نحو بناء دولة من دون قانون جديد للأحزاب يكون متمايزاً في أحكامه عن قانون الجمعيات العثماني العائد الى عام 1909 والذي لا يزال معمولاً به. في مطلع هذا الأسبوع، طرح رئيس لجنة الإدارة والعدل النيابية النائب روبير غانم وأستاذة العلوم السياسية في جامعة القديس يوسف الدكتورة فاديا كيوان اقتراح قانون تنظيم الأحزاب السياسية في لبنان في مؤتمر صحافي في مجلس النواب، فجاءت الخطوة بحد ذاتها مواكبة للتطورات السياسية والاجتماعية والسياسية التي شهدها المجتمع اللبناني منذ 1909 الى اليوم.
ما هو هذا الاقتراح وكيف يقدمه كل من غانم وكيوان للرأي العام؟ وما هي أبرز ملاحظات وزير الداخلية الأسبق زياد بارود عليه؟
الفصل ضرورة
أكد غانم على الحاجة الماسة لإقرار قانون لتنظيم الأحزاب في لبنان، لأنه لا يمكن أن يسري مفعول قانون الجمعيات على منظومة تأسيس الأحزاب في لبنان. ورأى أن مسار جمعية ثقافية أو بيئية لا يتماشى مع أي طرح لحزب سياسي يسعى عبر برنامجه لاستقطاب مناصرين له والسعي للوصول الى السلطة، مشدداً على "أننا انطلقنا من حاجة ماسة لقانون يعزز المواطنة ويكون أرضية لانخراط الشباب والشابات دون الـ 18 ربيعاً في حزب يختارونه عن قناعة، ويشاركون في قراراته". واستوحى كلامه من تجربة الشباب في الحراك المدني، الذين لم يتمكنوا من الدخول في مشروع الدولة"، معتبراً أنها "لم توفر لهم فرصة حقيقية للتعبير عن آرائهم، فوجدوا أنفسهم دون أي نتيجة ملموسة".
الواقع ... والحلم
وتابع: "عملنا للمحافظة في الاقتراح المذكور على الحريات العامة، فضلاً عن تمسكنا بضرورة صياغة نظام أساسي داخلي تشارك فيه القاعدة في الحزب في انتخاب الهيئة التنفيذية"، لافتاً الى أنه "يضع حداً للأحادية في القرار، ويسمح لانتساب أي مواطن أي حزب يتلاءم مع طروحاته، ويحفز لديه فرص المشاركة في القرار". واعتبر أن الحزب لا يحتاج الى " ترخيص مسبق لتأسيسه، بل يقتصر التأسيس على إرسال مستندات محددة الى وزارة الداخلية، التي ترفعها بدورها الى مجلس الوزراء للبت بالطلب". عما إذا كان هذا القانون مثالياً في مضمونه في ظل أحزاب أحادية الرأي وعائلية الطابع، قال:" سيأتي الوقت المناسب لإقرار هذا المشروع، والذي يمهل الأحزاب الحالية سنة واحدة للتكيف مع مواد القانون. لا يمكن إقراره قبل سنتين على الأقل لأن المشروع، الذي رفعته الى رئيس مجلس النواب نبيه بري، سيدرس من اللجان النيابية المتخصصة، والجهات الرسمية قبل إحالته على الهيئة العامة لمجلس النواب".
الأسباب الموجبة
وافقت كيوان على إعداد مشروع بديل بتوجيه ليبرالي، وعملت على "التمسك بثقافة حقوقية في لبنان، والسعي فيه الى المحافظة على التقليد يراعي حرية تأسيس الجمعيات مع إضافة دور للسلطة القضائية في وضع حد لأي نزاع".
وتوقفت عند الأسباب الموجبة لهذا المشروع التي ساهم النائب روبير غانم في تطويرها، ولاسيما أنها تصب في "تعزيز الديموقراطية، وتشجيع الأجيال الجديدة للانخراط في الحياة السياسية، وتعزيز الثقة في النظام الديموقراطي الذي يعطي فرصة متساوية للجميع، فتشكل الأحزاب أداة لا بد منها للدخول في الحياة السياسية".
الشفافية في المال والأداء
وتوقفت كيوان كذلك عند الطلب في الاقتراح من الأحزاب مسك "دفاتر مالية، مع الإشارة الى ان مشروع القانون لم يحدد السقف لقبول الهبات لأن الجمعيات الدينية والأهلية قد تتلقى دعماً لا سقف له، لذلك لا يمكن أن نؤمن ضوابط وسقوفاً دون سواها". طالبنا أيضاً "بفرض الشفافية، أي أن تكون موارد الحزب كلها مذكورة مع المبالغ والمصاريف المرصودة لكل نشاط". وأشارت الى أننا "طرحنا في إحدى المواد أن يتم مراقبة الدفاتر من خبراء محاسبة محلفين توكل لهم مهمة التدقيق في دفاتر مالية للأحزاب".
توقفت عند جديد المشروع الذي يمنع على المؤسسات الحزبية "تنظيم أنشطة عسكرية لأنها تتناقض مع النظام الديموقراطي"، معتبرة أن "هذا لا علاقة له بمبدأ مقاومة الاحتلال". ولفتت الى أنه "يحق للقضاء المستعجل حسم أي نزاع، يمكن أن تتخذ الحكومة صفة الإدعاء أمام القضاء للحسم في أداء حزب أو تعليق عمله أو حله على خلفية مسه بقواعد الوفاق الوطني، وإخلاله بالنظام العام".
وأكدت أنه "يساهم في نقل اللبنانيين من الانتماءات الفئوية المحدودة الى الانتماءات الوطنية، وتتحول الساحة السياسية من ساحة حصص للمذاهب والطوائف الى ساحة وطنية تنافس فيها الأحزاب في برامج وطنية، وبناء على اختلافات فكرية فيما بينها".
العلم والخبر!
قدم بارود ملاحظاته وإضافاته في قراءة أولية للاقتراح، وهي تحتاج الى تعميق، معتبراً "بداية، أنه يأتي في زمن الوقت الضائع واقتصار التشريع على الملحّ منه فقط، وهو يحمل توقيع النائب الحقوقي روبير غانم الذي له باع طويل في التشريع، خصوصاً أنه يرأس أيضاً لجنة الإدارة والعدل النيابية". وأشار الى أن "بصمات الدكتورة فاديا كيوان الرائدة في الحقوق المدنية، تعطي الاقتراح قيمة مضافة، علمية، أكاديمية، وليبرالية بالمعنى القانوني".
رأى بارود أن "من إيجابيات الاقتراح أنه يُبقي على النظام والخبر ولا يجنح في اتجاه الترخيص المادة الثانية:" من دون شرط أو إذن مسبق"- المادة الثالثة:" أن يعلموا السلطات"-المادة الخامسة: "كتاب الإعلام"". أعلن أن "هذا أمر ممتاز يُبقي على ليبرالية قانون الجمعيات العثماني لعلم 1909 الذي لا يزال معمولاً به والمستوحى من القانون الفرنسي لعام 1901 الذي لا يزال معمولاً به ايضاً".
لكنه توقف عند المادة السابعة من الاقتراح التي "تعود لتضع العلم والخبر بين أيدي مجلس الوزراء، وهو سلطة سياسية، فيُصدر قراراً بالعلم والخبر"، طارحاً جملة أسئلة: "ضمن أي مهلة، وماذا لو لم يُصدر المجلس قراراً أو لم تضع الأمانة العامة لمجلس الوزراء الموضوع أصلاً على جدول الأعمال".
ذكر انه "في مختلف مواد اقتراح القانون، ثمة إشارة الى "الدائرة المختصة في وزارة الداخلية"(علماً أن التسمية الرسمية هي وزارة الداخلية والبلديات). برأيه، أن قانوناً "جديداً للأحزاب ينبغي أن يُخرج الأحزاب من اختصاص وزارة الداخلية". واقترح أن "يتم إنشاء سجل خاص بالجمعيات والأحزاب لدى وزارة العدل، أسوة، مثلاً، بالسجل التجاري". وأشار الى أنه "يتضمن عندها السجل مختلف قيود الجمعية أو الحزب، وتجري المراسلات بواسطة أمين السجل، وفي حال النزاع مع هذا الأخير أو رفضه تسجيل الأوراق، يبت بالموضوع قاض مدني مشرف على السجل، ما يستدعي إعادة النظر في الباب الخامس من الاقتراح برمته".
النظام الداخلي والمالية
توقف بارود عند ما ورد في البند 5 من المادة الخامسة من الاقتراح وجوب أن يتضمن النظام الداخلي للحزب "اعلام الدائرة المختصة في وزارة الداخلية بمواعيد الاجتماعات، فتوفد الدائرة ممثلاً عنها لمواكبة الاجتماع". ولفت الى ان "الامر يتكرر في المادة 11 بالنسبة لانتخابات الحزب". واعتبر ان هذا "اجراء غير مألوف عالمياً وينطوي على اشراف في غير محله من السلطة السياسية، وقد عملت وزارة الداخلية والبلديات في الأعوام الأخيرة على إلغائه بعدما فرض في السابق".
أما الشق المالي ولا سيما في المواد 13، 14، 15 و27، فاعتبر انه "يحتاج ربما الى إضافات، خصوصاً في ظل احكام قانون الانتخاب لجهة الإنفاق المالي وقوانين مكافحة تبيض الأموال والإرهاب". وأشار الى انه "من المستحسن "فرض تدقيق محاسبي متخصص مع آليات تفصيلية لا مجال لذكرها هنا، وقد وردت في مشروع أعده وزير الداخلية بهذا الخصوص عام 2010". وقال:"لا بد من القول انه جيد أن تحصل الأحزاب على مساعدة مالية حكومية سنوية، مع ضرورة ان تحدد دقائق تطبيق هذه المادة بمرسوم في مجلس الوزراء".
ودعا بارود الى التدقيق في المادتين 22 و29 من الاقتراح اللتين تنصان على ان "يتخذ مجلس الوزراء صفة الادعاء العام لدى القضاء المستعجل"، مضيفاً " إذا كان ثمة خرق لمبدأ سلمية العمل الحزبي (حمل السلاح مثلاً)، فكيف يكون القضاء المدني المستعجل صالحاً، ووفق أي إجراءات وما القرار الذي يمكن ان يصدر عنه".
ورأى ان المادة 30 "المتعلقة بحل الحزب تذكر حالات فضفاضة (ثبوت مخالفة القوانين النافذة- قانون السير مثلا) ويمكن ان يتم التوسع في تفسيرها على نحو يضر بحرية الجمعيات المكفولة في المادة 13 من الدستور، ومن المستحسن الإبقاء على حالات الحل المذكورة في قانون 1909". وذكر ان الحل "ينبغي ان يبقى قابلاً للطعن امام مجلس شورى الدولة، إذا كان صادراً عن مجلس الوزراء"، لافتاً الى "انه في حال الإصرار على صلاحية القضاء المستعجل، قلا بد من تفصيل آلية الطعن امامه والمهل وما إذا كان القرار القضائي قابلاً للاستئناف والتمييز".
اعتبر انه "تبقى مسألة إجرائية لم يفصلها الاقتراح، وهي تتعلق بالهيئة العامة للحزب. فكيف تجتمع وتؤمن نصاباً قانونياً عندما يتخطى عدد الحزبين الالاف؟
Twitter:@rosettefadel
نبض