مناشير إسرائيلية "رقمية" في بيروت... إحذروا الـ QR Code

المقاهي الطرابلسية: شريط تطوُّر الحياة من التقليد إلى الحداثة
Smaller Bigger

حل رمضان، فأعاد الى المقاهي الشعبية رونقا تفتقده في بقية أيام السنة، خصوصا في الليالي، حيث يتخذ كثيرون من المناسبة موعدا للالتقاء في أجواء إيمانية دافئة، وسط شعور بالطمأنينة والارتياح الى حضور الآخر.

يعود تراث المقاهي التقليدية إلى زمن بعيد تاريخيا، وما يمكن التوقف عنده اليوم هو مقاه اشتهرت بأسمائها وأدوارها، أهمها ثلاثة: مقهى موسى في محلة باب الرمل، وما تلاه من مقاه لاحقا، كلها اكتسبت اسمه، ومقهى التل العالي، ومقهى فهيم على ساحة التل. وتعكس هذه المقاهي جزءا من نمط حياة ساد المدينة، ولا يزال موجودا، وفيه طابع من الحياة التقليدية المحدثة، لكن أهم اللحظات فيها هي السهرات الرمضانية.



مقهى موسى

أقيم مقهى موسى في محلة باب الرمل قبل نحو ثمانين عاما تقريبا، وأنشئ وسط تقاطع طرق على زاوية المحلة التي كانت رملا، وأقيم على شكل مثلث الاضلاع، تتوسطه بركة ماء، وتحوطه شوارع من كل الجهات في منطقة شعبية مكتظة بالسكان. وما لبثت مقاه أخرى أن أنشئت على مقربة منه، ولم يطلق عليها أصحابها تسميات غير ضرورية، فالزبائن معروفون، وأصحابها معروفون ولا يحتاجون الى إعلان، واختصر الجميع الموقع المتعدد المقهى باسم المقهى الأول، حتى كادت محلة باب الرمل تكنّى بـ"مقهى موسى".

مع مرور الزمن تحولت المحال المحيطة بالمقهى الاصلي الى مقاه شكلت سلسلة او عقدا من المقاهي المتلاصقة والمتداخلة، حتى ان الزبون، شابا كان أم مخضرما، لا يعرف احيانا في اي مقهى يجلس، وقد يكون من يجلس الى طاولة مجاورة من رواد مقهى مجاور.

يقصد المقاهي أبناء المحلة، وشبان من خارجها، يتوقون الى السمر الرمضاني فيها، واعتاد بعض ابناء الجوار المسيحي ارتياد هذه المقاهي في رمضان، يتشاركون أجواء اللفة مع أصدقائهم وزملاء عملهم.

والعابر المحلة لا يتمكن من رد دعوات الجالسين للالتحاق بهم، ومشاركتهم المشرب والنرجيلة وأصناف الفاكهة والعصائر: "بزورات وحبتين عنب... فنجان شاي أو قهوة. شاركنا من فضلك". ويبدو أن أحد الشبان يتولى تشكيل السفرة المسائية، ثم يجتمع حوله أصحابه، لكنه يتولى هو تغطية التكاليف. وتتكرر التجربة مع أصدقاء آخرين في الأيام التالية.



مقهى فهيم

يقع مقهى فهيم قبالة ساحة التل، وقد حل محل البنك العثماني عام ١٩٠٦، وفوقه قصر مصطفى عز الدين الذي كان يقصد المقهى، ويجلس ليتسامر والمرحوم فهيم آغا. وكان رواد المقهى ينتقلون عبر الترامواي الذي كانت تجرّه الأحصنة بين طرابلس والميناء.

وشكّل مقهى فهيم ملتقى لعائلات المدينة وكبار شخصياتها، وكان لكل مجموعة منهم زاوية خاصة به. إزدهرت أعمال المقهى حتى حلت الحرب الأهلية اللبنانية في مطلع السبعينيات، واجتمعت فيه بوتقة من الشعراء والأدباء وأصحاب الصحف والمحررين، وكان هذا المكان بالنسبة إليهم المركز الدائم قبل الظهر وبعده.

ويتذكر عبد الله خالد المقهى كجزء من تاريخ طرابلس الحلو، عندما كانت طرابلس الشام، وكان يأتي الناس من كل انحاء سوريا، يسهرون فيها لانها كانت مدينة عامرة بالسهرات، واهلها يحبون الغريب، ويستقبلونه على الرحب والسعة.

أضاف: "كان مقهى فهيم ملتقى الذوات في البلد، وفيه عرفنا قصصا عديدة في الادب الشعبي الطرابلسي وبطولات عديد من أبنائها، مثل قصة عائشة البشناتية التي حاربت المستعمر، وفوزي القاوقجي الذي ترك البلد وكان له بصمة في كل الثورات العربية".

وبعد انكفاء نسبي عن المقهى، وتغير أحوال الأجيال، يشهد المقهى اليوم حركة تحديث، وإعادة تأهيل وترميم، يرتقب أن يكون لها أثر جيد في إعادته إلى سابق عهده من النشاط والحيوية والازدهار، فيشهد حاليا حركة ناشطة من مختلف الأجيال، وهي ظاهرة متجددة في التاريخ الحديث من طرابلس.

مستثمر المقهى خضر شعراني، قال: "تراجعت الحركة في المقهى بسبب الاحداث، وبعد الاحداث انكفأ كثيرون عن ارتياد المدينة، في وقت كان هذا المقهى مهملا. لكن تغير الأحوال واتجاه المدينة نحو الأحسن، دفعني الى التفكير باستثمار طويل الامد في هذا المقهى، فتعاقدت مع اصحابه، وتضامن معنا كل الناس، لما لهذا المقهى من تاريخ عريق".

أضاف: "اليوم المقهى في حلة جديدة، والناس يسهرون كل يوم، حتى الفتيات اليافعات يقصدن المقهى في أوقات مختلفة، وفي رمضان يعج المقهى بهم ليلا، وبالزبائن من كل الطوائف والمناطق".

يكتظ المقهى بالناس وصولا إلى خارجه، بزبائن لبنانيين وغير لبنانيين، ولاحظنا وجود رواد من السعودية، وشعرنا بأن منطقة التل استعادت انتعاشها السابق، وطرابلس ان شاء الله تنتعش وتزدهر".



مقهى التل العليا

على الطرف الآخر من المدينة القديمة، وفي منطقة عرفت بشارع "التل"، وتعتبر مركز المدينة ووسطها التجاري، يتربع مقهى التل الذي عرف لدى العامة باسم "قهوة التل العليا". موقع مشرف ومطل على البحر البعيد زهاء أربعة كيلومترات، هناك وقف الوالي العثماني عزمي بك يوما فأمر بشق طريق تصل التل بالبحر، وعرف بشارع عزمي، وربما كان أول شارع مستقيم في لبنان بهذا الطول.

الوصول الى المقهى يتطلب صعود عشرات الدرجات قبل ولوج احد ابواب المقهى المتعدد الباب، وقبل الدخول تعبق روائح المعسل والاصفهاني والعجمي (انواع التنباك).

المقهى مكتظ برواده من مختلف الاعمار، طاولات زهر، ورق لعب، نراجيل، عصائر ومكسرات، ولا ننسى القهوة والشاي.

صاحب المقهى محمود عابدين، بادرنا: "تسلمت المقهى بعد وفاة والدي، ومذ كنت ابن خمس سنوات، وانا في هذا المقهى".

أضاف: "في السابق كانت الحياة بسيطة اكثر، وشكلت قهوتنا ملتقى للناس، في جو طرابلسي أليف وجميل في رمضان، فمن بعد الصلاة يبدأ الناس بالتوافد الى المقهى، يسهرون، ويلعبون ورق الشدة، ويدخنون النراجيل".

المقاهي الحديثة التي تشهد نشاطا رمضانيا ليليا، تقع في منطقة الضم والفرز، مثل مقهى "عالبال" و"كريباواي"، و"صح صح" وعشرات أخرى، يغلب عليها طابع الديوان على النرجيلة، ممزوجا بتقديم مأكولات منها المتخصص ك"التشوبستيك" و"ك أف سي" و"بيتزا هات"وما شابه. لكن لرمضان نكهة خاصة فيها، حيث تحتشد سهراتها بالوافدين بعد الفطور.

أما أهم المظاهر الرمضانية، فتتم في مقاهي شاطئ الميناء الشعبية التي أنشئت بعفوية في السنوات القليلة الماضية، وانتشرت حتى ملأت الشاطئ مستخدمة مظلات القش، وبضع طاولات بلاستيك أو خشب، وأقام منشئوها في مستوعبات أو باصات قديمة او ما يشبه غرفا من صفائح البلاستيك يصنعون منها قهوتهم ومشروباتهم قبل أن يقدموها للزبائن.

وتستمر هذه المقاهي عاملة حتى ساعة متأخرة من لليل، وبدأت منذ أيام قليلة تنتشر فيها شاشات كبيرة تعرض البرامج التلفزيونية، ويقصدها المواطنون لسهرة جميلة على الشاطئ، وتستمر الحركة الرمضانية الناشطة حتى ساعات متأخرة من الليل.






الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/3/2026 6:20:00 AM
"النهار" تلقي الضوء على تفاصيل المشروعات السورية الخمسة لربط الخليج بالبحر المتوسط وأوروبا، وأهميتها والتكلفة الاستثمارية لها، والتحديات التي تواجه هذه المشروعات، والعائد الاقتصادي لهذه المشروعات سواء على الاقتصاد السوري أو على اقتصادات الخليج
النهار تتحقق 4/4/2026 11:36:00 AM
تظهر الصورة رجلاً معصوب العينين، مقيداً بكرسي يشبه قفصاً، في غرفة رفع فيها العلم الايراني.
اسرائيليات 4/2/2026 6:02:00 PM
ظاهرة لافتة في تل أبيب تمثّلت في تحليق كثيف لأسراب الغربان، بالتزامن مع استمرار الحرب والهجمات الصاروخية
اسرائيليات 4/3/2026 9:21:00 AM
الجيش الإسرائيلي: مخطط لإطلاق صاروخ مضاد للدروع نحو أراضي دولة إسرائيل