يوم قدم المخرج وكاتب السيناريو الجنوب افريقي الشاب نيل بلومكامب شريطه الروائي الطويل الاول District 9 عام 2009، حفر اسمه في سجِل السينما الذهبي، وسجّل شريطه العلمي الخيالي الذي لم تتخط ميزانيته الـ 30 مليون دولار، في لائحة روائع الفن السابع.
اليوم يقدم لنا بلومكامب فيلمه العلمي الخيالي الثاني Elysium. شريط لن يخيب املنا مطلقاً، ولكن، رغم ميزانيته التي بلغت 3 اضعاف الاول(100 مليون دولار) هو لن يوازي شريط District 9 الذي هزنا بقوة بفضل قصته العميقة والمبتكرة جداً، وحقق ارباحاً بلغت 211 مليون دولار. رغم قصته الاساسية جداً والمليئة بالميلودراما والمأساة التي ترتكز على عمق انساني وبيئي وسياسي، Elysium لافت بكاريزما بطله المقنع جداً مات دايمون، وبجبروت نجمته جودي فوستر، وبشرّ شارلتو كوبلاي نجم Elysium الذي يؤدي هنا دور كروغر العميل الشرير والمتوحش في شكل يثير القشعريرة في الابدان. ايضاً الشريط لافت بكمية الترفيه والاكشن والعنف والمؤثرات والديكورات المبتكرة جداً في خلقها نقيضين من المجتمعات المستقبلية السنة 2154. الأول هو مجتمع بائس ويمكن اشتمام رائحة الفقر والاوبئة من خلال صورة تختنق بعفنها لفرط قوتها وواقعيتها الصادمة، والثاني مترف ويمكن اشتمام رائحة البحبوحة والرخاء المادي عبر صورة تسبح في زرقة مياه مكررة وتنضح بفقاعات الصابون المعطّر والاوكسيجين النظيف. المجتمع الاول هو طبقة الفقراء الذين يعيشون على الارض المكتظة التي تجتاحها الامراض الخطيرة ويمسك بأمنها رجال آليون كما في Blade Runner و Terminatorو I, Robot. اما المجتمع الثاني فهو "اليزيوم" قاعدة جوّية للاثرياء فقط، متطورة تكنولوجياً وتشبه جنة احلام فعلية، حيث لا فقر ولا جوع وخصوصاً لا مرض يمكن ان يقضي على الانسان الثري، وذلك بفضل آلات طبية متطورة جداً تشفي مثل السحر. من خلال Elysium يثير بلومكامب مجدداً موضوعاته المفضلة، مثل وحشية البشر وانعدام المساواة الاجتماعية في ظل وجود اشخاص يملكون كل شيء وغيرهم لا يملكون شيئاً. الصراع، هذه المرة، لن يكون بين الانسان المتسلّط والمخلوقات الفضائية الضعيفة والمسجونة على الارض كما في District 9. الصراع هذه المرة بين اثرياء ظالمين يحرمون الفقراء دخول جنتهم، لأنهم لا يستطيعون شراء بطاقة الصحة. بدورها حبكة Elysium قريبة جداً من حبكة District 9 التي روت قصة رجل سيلتقط جرثومة ستغيّر جيناته وتجعله مطارداً من الشركة التي تريد كشف سر تكنولوجيا الاسلحة الفضائية التي ستربحها مليارات الدولارات. المصاب هذه المرة هو ماكس (مات دايمون) الذي سيتعرض اثناء عمله لاشعاعات خطيرة ستميته بعد خمسة ايام. وسيلته الوحيدة للنجاة هي السفر الى اليزيوم لاستعمال آلة الشفاء. ولكن اليزيوم محكومة بيد من حديد، ووزيرة دفاعها دولاكورت (جودي فوستر) لا تتردد في خرق القانون لحماية مستعمرتها من حركة الهجرة غير الشرعية، مثل تفجير اي مركبة تنقل فقراء الى جنتها. للصعود الى اليزيوم لانقاذ نفسه وابنة حبيبته فراي (اليس براغا)، ماكس سيقوم بمهمة خطيرة تقضي بزرع رقاقة في رأسه تحتوي معطيات تدين دولاكورت وتحقق العدالة الاجتماعية والمساواة بين البشر. مهمته ستنطلق، ومعها سينطلق الاخراج بشكل دينامي جداً والاكشن والعنف في شكل واقعي مقنع جداً، خصوصاً أن بلومكامب قلل المؤثرات الرقمية قدر الامكان للمحافظة على مناخ الواقعية. هذه الواقعية دفعته للتصوير في ظروف حقيقية، خصوصاً جزء الارض الذي اتى متناقضاً تماماً مع مجتمع اليزيوم الفاخر. وهكذا اختار التصوير في مكب عام للنفايات في المكسيك لمدة اسبوعين كاملين، وكانت نسبة التلوث عالية جداً. صحيح أن معظم فريق الفيلم انزعج جداً والنجم مات دايمون اعتبر أن تصوير Elysium هو الاصعب في مسيرته الفنية، لكن النتيجة جاءت مذهلة الى درجة استطعنا، نحن المشاهدين، أن نشعر بأننا نشتم رائحة النتانة التي عبقت فيها الصورة. ايضاً التناقض ما بين العالمين ظهر في شكل واضح من خلال تصوير تم في صحراء المكسيك واحيائها الفقيرة من جهة، ومن جهة اخرى داخل جنة مليئة بالنباتات الخضراء والفيلات الفخمة والمسابح المتلألئة بالزرقة، قام فريق الديكورالمؤلف من 150 شخصاً بانشائها في مدينة فانكوفر الكندية، وقد استغرق انجازها عاماً كاملاً.
نبض