لا تقوم حضارة من دون تراث، والتراث أمانة وإرث. ويكفي أن ننظر الى العرس البعلبكي لنرى ما يختزنه من عبق الماضي ونكهة الأرياف .
طقوس خاصة بالعرس البعلبكي تميزه عن الأعراس الاخرى، إذ تجرى مراسمه وفقاً لطقوس تراثية محددة تستمر 7 ايام، وإن يكن هناك تراجع في التمسك بكل المراسم لدى كثيرين من اهالي القرى، غير أن هناك من يتمسك بتنفيذ المراسم كاملة حفاظاً على إرث انتقل من الأجداد .
موعد العرس يُحدّد باتفاق بين اهل العروسين، ويتبادلون الورود. وفي بعلبك يكفي العلم والخبر ليجتمع الأقرباء والجيران والأصدقاء كخلية نحل، ويقدموا يداً واحدة، كل ما ملكت أيمانهم لأهل العروسين. الفرحة واحدة والجميع يشارك فيها، ولإنجاح العرس يجب ان تكون الدعوة اكثر شمولية .
يتداعى الاصدقاء الى منزل العريس والعروس في سهرات خاصة قبل موعد العرس بـ 7 ايام. رقص ومزح وزغاريد تعبيراً عن الفرحة المنتظرة، ويستمر ذلك قبل أيام من موعد العرس، فتنصب خيمة عملاقة تحتضن كل المدعوين داخل باحة منزل والد العريس، وبعضهم يستخدم الساحة العامة داخل الحي، وبعضهم لا مانع لديه من قطع الطريق امام المنزل المنوي إقامة حفل الزفاف فيه، واتخاذه مكاناً لجمع الاقرباء، الى ان ينتهي العرس مع مراعاة ترك مساحة واسعة للخيول المشاركة.

ولا يمكن أن تتكلم على عرس في بعلبك من دون ان نلفت الى الدبكة البعلبكية، فهي من اهم عوامل التراث ومن أوجب العادات للعرس البعلبكي. وقلة منهم لا تجيدتلك الدبكة التي يشتهرون بها، وتجد عدداً من الفرق التي تعمل على تعميمها وتدريسها بعدما ابدعوا في ادائها ومشاركتهم بالزي الموحد في تلك الاعراس، بالرمح والسيف. ويبقى لـ "دبكة العرجة" نكهة مميزة خلال الاحتفال، وهي نوع من الرقصات التراثية التي ترجع الى الاصالة البعلبكية وتعبر عن الرجولة والفروسية عند اهلها.
خلال الأيام السبعة، يتقاطر المحبون الى منزل العروسين، منهم من يحمل أكياس الأرز والسكر ومنهم من يقدم الخراف والسمنة وكل ما يحتاج اليه أهل العروسين لتحضير الولائم، فيما النسوة يجتمعن لتحضيرها يدا بيد. ودائماً الخبرة الأعتق للاكبر سناً.
ليلة الحنّة
قبل اليوم الاخير، الحفلة الرئيسية للعروسين. تأتي ليلة "الحنّة" التي فيها ترتدي العروس بدعوة من الأحباب الزي التقليدي مع المجوهرات، وتعلو اصوات الغناء الشعبي في هذه الليلة ويقدم اهل العروس للضيوف ما يعرف بـ "كبة العروس"، إلى حين حضور أهل العريس الذين تحضروا واجتمعوا في منزله ليتوجهوا بعراضة راجلة يشارك فيها كل المعازيم ويتقدمهم العريس والخيول والجمال، مرددين الاناشيد والمواويل والاغاني الخاصة للمناسبة، مع صدر"الحنّة أو الحنّاء"، وهي من المواد الطبيعية التي تستخدمها النساء في تلوين شعرهن الذي يزين بالورود والشموع، فيما ينثر الارز والورود من الشرفات على رؤوس المشاركين، تعبيرا عن مشاركتهم الفرحة. وما إن يصلوا الى منزل العروس حتى يتشارك اهل العروسين الرقص المشترك، فيما تتناوب النسوة على الرقص حاملات "صدر الحنّة". ويعمد الاكبر سنا إلى دمغ إصبعي العروسين بالحنّة على وقع مواويل خاصة، منها "عريس عريس مد الكف وتحنا وبحياة عمرك لا تزعل حدا منا...". وفور الانتهاء من الحفلة يعود أهل العريس أدراجهم، فيما يعمد أحد الاصدقاء أو أقرباء العريس الى خطفه، على قاعدة ان العريس البعلبكي هو فرحة لكل البيوت البعلبكية، والفرحة في كل القلوب. وهنا وجبات من الطعام تقدم للعريس وأصدقائه لتعاود العراضة بإعادة العريس عند الصباح الباكر الى منزل اهله بعد ان يتناولوا الفطور الى جانبه، ليتم بعدها حلاقة شعره على وقع أناشيد مخصصة للمناسبة "عريس عريس تحت الجوز حلقولوا ..."

وفي اليوم الاخير للفرحة، وهو الذي يلي "الحنّة"، أي يوم الفرحة الكبرى للعروسين، يذهب الجميع ويأخذون الإذن من أهل العروس لاصطحابها الى دارة زوجها، فيما يعمد أحد أقرباء العريس إلى سرقة إحدى القطع الاثرية من منزل عائلة العروس لينقلها الى منزل العروسين الجديد، وتحضر العروس بالفستان الأبيض ليتم حفل الزفاف: رقص وغناء ودبكة ورقصة خيل ومنجيرة، لتكون سهرة فرح طويلة بعد أن يرتشفن القهوة المرة، في حين يتزيّن الجميع بأجمل حلّة، وتُقدَّم الضيافات المميزة الى المدعوين.
طقوس العرس البعلبكي من اهم اهدافها دفع الحقد وإبعاد المشاكل الداخلية، وهو ما يعبر عن الاصالة والكرم لتتشابك الايدي وابعاد الهموم وتلاقي القلوب، في زمن كثرت فيه الفتن والبغضاء.









الأكثر قراءة
تتسارع الوقائع الميدانية في جنوب لبنان بعد أن هدّد الجيش الإسرائيلي كامل المنطقة الواقعة جنوبي نهر الزهراني وأنذر سكانها بالإخلاء الفوري بعد فترة من تحييد مدينتي صور والنبطية
نبض