من صورة الغلاف "رحلة صيد منطلقة من قصر صليما"، هذه اللوحة الزيتية المؤرخة العام 1837 بريشة الرسام الفرنسي مونفور، والموجودة في متحف الفن الاسلامي في قطر، تبدأ رحلة الذاكرة بالصور والنصوص والعمارة القديمة. فالتاريخ، بعد أن نكون درسناه على مقاعد الدراسة وتاه عن بالنا مع هموم الحاضر والمستقبل المجهول دوما، يعود، لا بحلّة الكتاب المدرسي الكئيب بل كجولة في متحف التاريخ وآثاره المعمارية وعادات ذلك الزمن وتقاليده التي يغطيها الزمن المعاصر بطلائه. كتاب "إمارة أبي اللمع في المتن" الصادر عن "دار النهار" بقلمي راي جبر معوّض وليفون نورديغيان، جمع التاريخ والقصور في حقبة مديدة بين القرن الثالث عشر والتاسع عشر.
الأميران سمير ونبيل أبي اللمع، وارثا هذه الحقبة الكبيرة من تاريخ لبنان، أرادا من هذا الكتاب ضوءا ينير ثمانية قرون من أمارة أبي اللمع، بهدف صيانة الذاكرة، وإبقائها متوهّجة من جيل إلى آخر. فعائلة أبي اللمع كتبت صفحة جليّة من تاريخ لبنان، تميّز رجالها بالشجاعة والكرم والبحث عن الأفضل والأجمل. وهذا الكتاب، الشاهد بالكلمة والصورة، هو أكثر من درس في تاريخ لبنان، بل رحلة حنين إلى ماض لم يمت ما دامت شجرة العائلة اللمعية وارفة بالبنين، وعلى أغصانها غيارى على إرث طالما خرّبت بعض معالمه أيادي الزمان وأهمل ما بناه الأجداد فاعشوشبت في جدرانه حشائش النسيان.
كتاب يتذكر... ومن صفحاته تعلو صرخة يقظة، علّ الأجيال المتعاقبة تعود وتسمع صوت الحجارة تنهض من ركامها، ومآثر هؤلاء الرجال تقرع في وجدانهم الوطني.
للكتاب مقدمة بقلم رئيسة المؤسسة الوطنية للتراث السيدة منى الهرواي، وقد تمنّت فيها أن يجد هذا الكتاب مكانه في كل مكتبة، ليكون مرجعا للباحثين في تاريخ لبنان.
في مستهل الكتاب يصف كل من راي جبر وليفون نورديكيان دهشتهما أمام ما وجداه من كنوز تاريخية محفوظة في صندوق الذاكرة. وكان ذلك بناء لطلب من سمير ونبيل ابي اللمع للشروع في إنجاز هذا العمل الكبير:
"قمنا بزيارة أكثر من سرايا وبناء تراثي خاص بآل أبي اللمع في المتن. السياحة تحوّلت الى شغف التعمق أبعد. في هذه الهندسات المعمارية، التي ارتفعت من تخاريمها القصور،واجهة الأمارة في جبل لبنان التي عرفت عزّها في القرن الثامن عشر".
بيد أن التوغل في صميم التاريخ، ليس بشمس مضاءة للدفء والطمأنينة. هذه الحقبة من ثمانية قرون غاصت في تقلباتها، في ثوراتها، في أمجاد متينة تارة، هزيلة أخرى، راي جبر معوّض أستاذة التاريخ في الجامعة اليسوعية. في صندوق التاريخ عثرت على مخطوطات ورسائل وبنادق وسيوف لمّاعة وفي كتب التاريخ بدأت من "الكان يا ما كان" وبدايات جبل لبنان. فلنسمع ما ورد في كتاب بطرس حبيقة "تاريخ يسكنتا": "الأمير فارس أبي اللمع من بسكنتا ورث من والده سيفا مرصعا بالذهب وكلمات محفورة عليه تقول: اتكالي على الله" والسيف احتفظ بآثار دماء متنقلا من وريث إلى آحر"
ذات يوم، على أرض المعركة في جبل لبنان، لمع سيف رجل. من بريقه ولدت كنية حامله "أبي اللمع". وبقي اسمه يعرّف عنه وينتقل إلى ذريته من جيل إلى آخر. فما عرف عن هؤلاء الرجال في نضالهم في جبل لبنان، هو أنهم رجال سلاح. عبر القرون ومن خلال المعارك التي خاضوها، كان أقليم المتن تحت سيطرتهم. وشيئا فشيئا صاروا ركيزة لمجتمع فيودالي درزي، بدأت من عصر المماليك وتواصلت حقباتها مع العصر العثماني الذي وضع تحت سلطته ثلاث سلالات من الأمارات، آل معن في القرن السابع عشر وآل شهاب في القرن الثامن عشر حتى منتصف القرن التاسع عشر.
التاريخ يعيدنا إلى حقبات مريرة ما زال لون دمائها المهدور قانيا في الذاكرة. نقلّب صفحات هذا الكتاب لنتوقف عند فصل لم يذبله الوقت: آل أبي اللمع قائم مقامية المسيحيين.
العنف في فترة القائم مقاميتين، بين الدروز والموارنة ازدادت حدته. الموارنة يرفضون التخلي عن امتيازاتهم القانونية والاجتماعية تلك التي اكتسبوها من الأمراء، فيما الدروز يحاولون استرجاع نفوذهم الضائع في جبل لبنان.
التاريخ في كل صفحة من هذا الكتاب يروي جذور عائلة ازدهر اسمها ونفوذها في مناطق عديدة من لبنان، حيث تتمازج السياسة بالتقاليد والعادات والدين... إمارة نقشت اسمها في صاليما وبسكنتا وبكفيا وبرمانا وقرنايل وفالوغا ودير القمر وزحلة ومن حكايات هذا التاريخ، الست زهر في صاليما التي آثرت البقاء على مذهبها الدرزي. والدها الأمير مراد أبي اللمع من المتين خصها بميراث، قدمته في ما بعد إلى المجلس الدرزي. وما جاء بالنصوص، له براهينه في المباني والكنائس والمجالس، وهذا الجانب من عائلة أبي اللمع ما زال شاهدا بهندسة القصور على حقبة طويلة من التاريخ.
بقلم ليفون نورديكيان، رأينا الحجارة تتكلّم وتستفيق من غفوتها. المتخصص بالهندسة المعمارية، أعرب عن أسفه لافتقار هذه المباني التاريخية الى وثائق وخرائط تشرح معالمها حيثما وجدت في جبل لبنان.
"لم نعثر على أية وثيقة تخص ليس فقط قصور أبي اللمع بل أيضا قصور آل معن وشهاب في دير القمر وبيت الدين وحاصبيا ووادي التيم. بعض الصور أتتنا من محفوظات كميل أبوصوان إلى دراسة وافية من "فيبير" خص بها قصر آل دبانة في صيدا".
الحجر الذي ما زال واقفا رغم الخراب الذي أصاب بعضه، كان دليل ليفون نورديكيان في دراسته القيّمة. لقد ركّز على قصر صاليما بين الأمس واليوم:
"قصر آل أبي اللمع في صاليما ما زال حتى اليوم يفرش هيبته على القرية. ففي أماميته مدفن الست زهر. آية هندسية، متروكة لمساوئ الزمن والبشر، قام نورديكيان بدراسة مثيرة عن كل جانب وزاوية من هذا القصر الأسطوري، كأنه يعيد إعماره بما للذاكرة القديمة من حنين وحكايات بين قناطره وأسواره...
وبعدما تشبع معرفة ودراسة لقصر صاليما مشى بدراسته في اتجاه قصور المتين من قصر مراد أبي اللمع وريث المقدم علم الدين. إلى قصر الأمير قيس كنج وقبلان، قصور أصبحت مأوى للطيور المهاجرة.
والمهندس الرحالة يستقيم فترة في برمانا حيث مدفن أمراء أبي اللمع شاهدا على الحياة. والرحلة تمتد إلى بسكنتا حيث ملكية فارس أبي اللمع.
يتوقف الزمن في بكفيا، عند القصر الوحيد الذي نجا بترميمه من الخراب. هذا القصر تم بنيانه العام 1849 بعدما عين الأمير حاكما للمسيحيين في الجبل، هندسة جميلة مصانة على النحو الهندسي، أعيد ترميم القصر العام 1982 فكان مكان اصطياف لرئيس الجمهورية اللبنانية لحقبة واحدة. بنيانه يشبه إلى حد بعيد قصر باز في دير القمر. في ختام جولته كتب ليفون نورديكيان:
"بالرغم من غياب الوثائق لهذه القصور اللبنانية الشاهدة على ثمانية قرون من إمارة أبي اللمع وغيرها، اتكلنا على بقايا من قصور أبي اللمع في المتن، الأكثر بلاغة من غيرها في إعطائنا فكرة عن روائع فن تطوّر في لبنان أبان الحكم العثماني فيه. أتمنى أن تثمر ملاحظاتي هذه لبداية دراسة متعمقة عن فن العمارة في الحقبة المنيرة من جبل لبنان.
نبض