تركيا تستكمل الاستعداد لعملية برية في سوريا

مسألة المرأة
Smaller Bigger

لم تكن "المعرض" ذكوريةً البتة، بل طليعية في مجال تأكيد حضور المرأة، وتمكينها من المساهمة في تأدية دور حضاري، مجتمعي، فكري، سياسي، ثقافي، وأدبي، يكون له أثره العميق في مجرى الحياة العامة. هنا، أيضاً، إطلالة أخرى، لجان داية، على هذا الباب، الذي إن دلّ على شيء، فعلى الدور الاستثنائي الجامع الذي اضطلعت به "المعرض" في عشرينات القرن الماضي، وثلاثيناته.


أين المرأة في "المعرض" الصادر في عشرينات القرن العشرين وثلاثيناته، وهي الحقبة التي اعتبرت العصر الذهبي بالنسبة إلى تعليمها وحريتها وحقوقها؟ وهل كان لمي وسلمى صايغ وجوليا طعمه دمشقية وغيرهن حضور ملحوظ في جريدة زكور، أسوة بالحضور القوي الذي كان لهنّ في بعض دوريات بيروت؟
لم تكتب مي في "المعرض". لكن صاحب "المعرض" كتب عنها في افتتاحية 26 تشرين الأول 1922 لمناسبة تكريمها في بيروت. ولما كانت حفلات التكريم خطابية، فإن المكرّمة ألقت كلمة لمدة نصف ساعة "تمنى الحاضرون لو تتكلم ساعات". ذلك ان مي الخطيبة "كانت الشرق الناهض بأسره وقد تمثل أمام سامعيه بشخص فتاة تبرهن للعالم ان المرأة وجدت لتكون لها حقوق الرجل وواجباته". وقال الكاتب وهو سياسي أصبح نائباً ووزيراً في لبنان: "خطر في خاطري، ومي تلقي خطابها البديع وتأسر سامعيها بمعانيه حتى لا يسمع بينهم تردد الهمس لو ان اللبنانيين يجمعون كلمتهم في الانتخابات المقبلة على ان تكون مي نائبة عنهم في المجلس النيابي". وختم منوّهاً بالذين "تغيّبوا من الخطباء والشعراء. فقد "أجادوا" كثيراً، إذ انه لولا ذلك لما انتهينا من الحفلة حتى في منتصف الليل". وتُوِّجت الافتتاحية بصورة للحفلة تتوسط فيها مي القومندان ترابو والأمير فائق شهاب. للمناسبة، نشر زكور في "معرض" 1 أيلول 1922، أي قبل أقل من شهر من افتتاحيته، مقالة صغيرة للدكتور فؤاد صروف تحت عنوان "مي ومي" قال فيها: "ضمني منذ يومين مجلس وجدت فيه الكاتبة النابغة مي، وصدف أن وجد معي عدد "المعرض" الذي نشرت فيه صورتها. أريتها الصورة فقالت ان الصورة المنشورة هي صورة ابنة عمها ماري زيادة ابنة اسكندر وشقيقة الدكتور جوزف زيادة الذي جنّنها طمعاً بثروتها. وقالت ان هذا الخطأ تكرر منذ أصدر خيرالله خيرالله كتابه "سوريا" إذ كتب فيه نبذة عن الآنسة مي ونشر صورة ابنة عمها". وعلّق زكور مؤكداً أن "الرسم الذي نشرناه قريب الشبه بها" ومتمنياً لو ان مي "تتكرم على قراء العربية برسمها لأن كل ناطق بالضاد يرغب التعرف الى أكتب كاتبة في الشرق".


سلمى صايغ
أما سلمى صايغ فدشنت مساهماتها لـ"المعرض" بتحقيق عن الموسيقي وديع صبرا احتل كامل الصفحتين الأولى والثانية من العدد الصادر في 15 تشرين الثاني 1921. قالت حماة صلاح لبكي عن الموسيقي البيروتي لمناسبة اختراع "البيانو العربي" أن من يسكن في جواره "يسمع انغاماً رقيقة كأنغام العود تخترق الأثير. هذه الأنغام تخرج من طاولة خشبية بسط عليها الموسيقي اختراعه الذي سيعرضه على البيروتيين، فيعزف أمامهم الألحان على الآلة التي اخترعها، فيظهر الفرق جلياً واضحاً". واستدركت سلمى ان "أرباب الفن في باريس اهتموا لهذا الاختراع يوم سافر الاستاذ وديع في صيف 1919 الى باريس وعرض فكرته على صاحب معمل بلايل الذي وعده بصنع البيانو العربية حالما يتم اختراعها". وعزت الكاتبة نجاح وديع في الاختراع الى أمرين: التفرغ أو "الانقطاع بالكلية الى العمل الذي وجد لأجله، والثبات الذي كانت موضته وما زالت غير دارجة عند الشرقي". تروي سلمى طرفة واقعية تعزيزاً للأمرين: "أذكر انه ذهب مرة الى ادارة شركة الماء ليطالبها بواجبها نحوه كرجل يدفع الاشتراك ولا يأخذ شيئاً. ولما سأله ذووه عن نتيجة تلك المقابلة، قال: استقبلني فلان وكلمني عن الموسيقى، ولما صرنا الى البحث عن الأنغام الشرقية رأيت نفسي امام رجل متضلع في الفن، فرجعت ولم أكلمه في مسألة الماء، لأنني قلت في نفسي ان الرجل الذي يعرف الموسيقى الى هذه الدرجة يجهل كل ما هو متعلق بالماء وشركات الماء".
قبل أن أقلب الصفحة على كاتبة ثالثة، لا بد من القول ان جريدة "المعرض" لم تكتفِ بنشر ما كانت سلمى تتبرع به لها، بل هي نشرت ما كتبت عنها خصوصا اذا كان الكاتب "شيخ الصحافيين سليم افندي سركيس". قال صاحب "مجلة سركيس" لسلمى لمناسبة صدور كتابها "النسمات": "قولي للآنسة عنبرة سلام – عمة الرئيس تمام – ان الشرقيين لا يدركون المنزلة التي يريدونها لأنفسهم إلا متى أباحوا المدرسة لبناتهم. ومتى قدموا للوطن ذلك النور الذي وهبهم اياه الله، فلا ريب انهم يكونون إذذاك سادة هذا الوطن". أضاف، ودائما برسم والدة الباحثين من آل الخالدي: "بأي حق تركب هي السيارة الآن طلباً للسرعة في بلوغ غرضها من زيارتك، ولا تساعد النشء الآتي ليركبوا سيارة الجامعة الانسانية". في المقطع الثاني والأخير من رسالته التي كتبها قبيل الفجر، نسي دعوته الى السرعة في المقطع الأول، فقال: "الله ما اجمل نور الصباح يجيء بطيئاً على مهل. يتروى في مشيته كأنه الحبيب عرف مقامه. أليس بطؤه افضل من طفرة المصباح الكهربائي ومفاجآته". الجدير ذكره ان سركيس الذي نشر المقالات النسائية باسم مستعار "مريم مزهر" في جريدة ابن عمه "لسان الحال" في بيروت، اصدر في القاهرة مجلة "مرآة الحسناء" بالاسم المستعار نفسه.
في صيف 1924، تسلم زكور رسالة مذيلة بتوقيع "فاطمة" وقصيدة موقّعة باسم "فتاة غسان" فنشرهما في "معرض" 20 آب 1924 منوّهاً بأن صاحبتهما ليست سوى شقيقة بدوي الجبل. قالت فاطمة في الرسالة: "أخي الاديب الجريء... طالما منعني عدم معرفة اسمك عن الكتابة لجريدتكم. ولقد بحثت في الجرائد وتصفحت المعرض كلمة كلمة علّي أرى اسمك فلم أعثر على شيء. واخيراً وقع في يدي العدد الـ311 فقلبته ورأيت الكتاب الذي أرسله اليك الدكتور يوسف حريز يقول فيه (اخي ميشال) ولكن هنا نقطة لها من الأهمية ما لها: ميشيل اسم فرنسوي، فهل أكتب ميشيل أم مخائيل؟". لم يتوقف زكور، رغم فرنكوفونيته، أمام ملاحظة الشاعرة الشابة، بل سارع الى نشر قصيدتها الى جانب رسالتها، وتابع في نشر قصائدها ومقالاتها الوجدانية، ومنها مقالة "أيها الوادي" المنشورة في "معرض" 27 تشرين الثاني 1924. ذلك أن صاحب "المعرض" كان رحب الصدر بالنسبة إلى الانتقادات الموجهة اليه، وخصوصاً اذا صدرت عن الجنس اللطيف. للمناسبة، نشر اسكندر الرياشي مقالة في جريدته "الصحافي التائه" اتهم فيها جبران تويني وميشال زكور بكثرة "أكل الهوا"، بمعنى أن الأول يزعم ان افتتاحياته في "الأحرار" هي التي أسقطت الوزارات اللبنانية، والثاني يدّعي بأن افتتاحياته في "المعرض" هي التي تتسبب في انتحار الحسناوات اللواتي لم يكترث لهن. بالطبع ظلمت سخرية الرياشي جدية زكور. فهو كان يهتم بكل الجميلات وبخاصة الكاتبات. اما رحابة صدره فلم تنحصر بالجنس اللطيف، بل هي شملت الجنس العنيف. أولم ينشر في "معرض" 20 آذار 1930 مقابلة فؤاد حبيش مع اسكندر الرياشي "العاري بأدبه وبأسلوبه المجوني" الذي صنّفه "رسول العري" "كأظرف صحافي عربي على الاطلاق"؟!


حبّوبة حداد
من الجميلات الكاتبات اللواتي فتح لهن الصحافي الوسيم صالون جريدته، حبوبة حداد صاحبة مجلة "الحياة الجديدة" المحتجبة ووالدة فؤاد حداد الذي كان يذيّل عموده اليومي في جريدة "العمل" الكتائبية بتوقيع "أبو الحن" وقد دفع حياته ثمناً لتعليقاته السياسية الساخرة في "ثورة" 1958. ضاعف من حفاوة زكور، وهو جبراني، لحبوبة الجميلة الظريفة، أن الموضوع الذي تبرعت به لـ"معرض" 3 ايار 1931 كان الجواب عن سؤالها "كيف عرفت جبران؟". بدأت الكاتبة مقالها الذي ملأ الصفحة العاشرة باعترافها انها "كرهت جبران" بعدما قرأت مؤلفاته العربية وما تضمنته "من بكاء ونحيب وتمرد مستمر على الشرائع والتقاليد". وحين زارت بوسطن اشتركت مع جبران في محاضرة مزدوجة حضرها 15 ألفاً من الجالية البوسطنية. سألته قبيل المحاضرة: "أوأنت جبران؟ فوضع يده على كتفي وقال مازحاً: أنى لي أن أصدقك الخبر وأنا أعزل من المعاول وبقايا القبور كما ترين. ثم أخذني بتؤدة الى كرسي موضوع الى جانبه، فجلست مأخوذة برصانة تلك الشخصية التي أسبغت عليها الثقافة اللاتينية السامية أبهى حللها، وبإشراق ذلك الوجه المستطيل الذي أفرغت في تكوينه وتقاطيعه آيات النبوغ السماوي، وكيف أن تلك العيون التي خلتها بالأمس مقرحة مجدبة تتدفق بأنوار الحكمة والمعرفة". في لقاء آخر، سأل جبران "النساء المتحمسات الموهوبات"، وهو المزاحم لجرجي باز في نصرة المرأة، "لماذا تقتلن مواهبكن السامية بالسياسة والصحافة والتجارة؟"، وأجاب: "ارجعن الى غريزتكن الطبيعية واكتبن في النهار سطراً واحداً من شعوركن وعواطفكن، فلا تمر السنة الا ويتجمع عند الواحدة منكن 365 سطراً خالداً".
وسأل ضيفته: "أولا تظنين أن التي قالت: لمس الموت تمثالي الحي فأصبح بارداً، لها جنّات الخلود؟ تعالي نكتب لسلمى صايغ ونستزيدها الكتابة في هذا الموضوع". وسأل مجدداً: "ومي ألا تعرفينها وتعرفين أنها آية من آيات عصرنا هذا".


على سبيل الخاتمة
لنختم بأجوبة سريعة عن الأسئلة الخمسة التي طرحتها في مستهل هذه الرحلة الثقافية الطويلة.


الأجوبة الخمسة
1 - كان المعرض الثقافي اسماً على مسمّى. فقد تنوعت بضاعة أجنحته: من القصة القصيرة الى الشعر والنقد الأدبي والمقالة الفكرية والمقابلات الفردية والجمعية. ولم يكن المعرض موسمياً، بل كان أسبوعياً في الجريدة الرسمية. أكثر من ذلك، لم تحتكر السياسة الصفحة الأولى بصورة دائمة. فبين وقت وآخر، تحوّل "المعرض" السياسي الى ثقافي، كما حصل في 12 حزيران 1921 في ذكرى رحيل أديب اسحق، حيث نشرت آراء ابرهيم اليازجي وسليم النقاش والشيخ اسكندر العازار وداود عمون ونعوم لبكي وشبلي ملاط وأمين تقي الدين وجبرائيل نصار ويوسف نخله تابت ووديع عقل ويوسف البستاني وأمين الغريّب واسكندر البستاني وجرجي نقولا باز وأسعد عقل وجورج بشارة، في الصفحتين الأولى والثانية الى جانب افتتاحية ميشال زكور.
2 - أما أبرز المساهمين في المعرض الثقافي، فإن من ذُكر منهم في الفقرة المتعلقة بأديب اسحق، وفي الفقرات الكثيرة التي استغرقت معظم مساحة التحقيق، لا يشكل نقطة في أوقيانوس من الأسماء التي حال ضيق المجال دون التنويه بها: محمد مهدي الجواهرجي، شفيق المعلوف، الشاعر القروي، نسيب المتني، أنطون الجميّل، بطرس معوّض، سلامه موسى، فوزي المعلوف، قبلان الرياشي، حليم دموس، معروف الرصافي، بدوي الجبل، حبيب جاماتي، ميشال شبلي، أمين الريحاني، مرغريت سمعان، راجي الراعي، طانيوس عبده، عبدالله غانم، رئيف خوري، ابرهيم طوقان، جورج صيدح، شفيق جبري، نقولا بسترس، مارون عبود، فليكس فارس، حبيب اسطفان، ماري عجمي، عمر أبو النصر، شاهين حاتم، صلاح اللبابيدي، حبيب الياس الزحلاوي، منير العجلاني، تقي الدين الصلح، أمين نخله، كرم ملحم كرم، يوسف السودا، نجيب مشرق، خليل مطران، جميل الزهاوي، أسعد رستم، فؤاد الشايب، الياس ربابي، ألبر أديب، فؤاد سليمان، عبدالله قبرصي، أنيس فاخوري، ميشال طراد، سعيد عقل، اميل جبر ضومط، الياس خليل زكريا، واصف البارودي، منير الحسامي، قيصر المعلوف، ادوار حنين، وآخرون.
3 - إذا كان المقصود بالمنهاج الثقافي مدرسة أدبية معينة كما هي حال "الرابطة القلمية" النيويوركية أو حركة الشعر الحديث البيروتية، فالمعرض الثقافي توزع مناهج ومدارس. أما إذا كان تشجيع الواعدين والمبدعين، على اختلاف مناهجهم وعقائدهم، يعتبر منهاجاً ثقافياً أو مدرسة أدبية، فالمعرض الثقافي الأدبي يحتل رأس لائحة الدوريات التي تتبع النهج ذاته الذي يتمحور على تنوع الوسائل والمدارس والمناهج، ووحدانية الهدف المتمثل في الابداع ومرادفاته، كالتجديد الأدبي والحداثة الشعرية والفكر الخلاّق. من أسباب "رحرحة" المعرض الثقافي، أن المايسترو ميشال زكور كان على الحياد من هذه الناحية إلى درجة أنه لم ينتم الى "عصبة العشرة" التي تأسّست في جريدته، ولم يسمح لأعضائها، ومنهم المدير المسؤول بالاستئثار بالصفحات الأدبية.
4 - من السهل تحديد الحصاد الثقافي المستمر على مدى 15 سنة. لكن الصعوبة تكمن في تحديد الدور الذي لعبته الصفحات الثقافية لجريدة "المعرض"، في الحراك الثقافي خلال عشرينات القرن الماضي وثلاثيناته. وإذا جاز القول، في خلاصة تحقيق صحافي، ان الغلّة الأدبية والفكرية لم تكن قليلة، فإن الأمل غير منقطع لتحديدها بالمقارنة والأرقام عبر بحث علمي في كتاب أو دراسة أكاديمية لطالب دكتوراه.
5 - يبقى دور ميشال زكور الثقافي، وهو الذي اشتهر بافتتاحياته السياسية في "المعرض" وخطبه ومواقفه السياسية ايضاً، في البرلمان ومجلس الوزراء. ككاتب أدبي، يمكن القول إن افتتاحياته ومقالاته كانت قليلة الكم ومتواضعة النوع. لكن دور المايسترو الثقافي الذي لعبه في جريدته، لم يكن أدنى مستوى من دور المايسترو السياسي الذي قام به، في الوقت نفسه. وتجلى دوره الثقافي أكثر ما يكون في تلك المقدمات الصغيرة الحجم والكبيرة المضمون، التي كان يتوّج بها بعض المقالات الأدبية المذيّلة بأسماء أدباء مجددين، مشهورين أكانوا أم واعدين.
دور المايسترو في الجمعيات والدوريات الأدبية، يشبه أحياناً دور نظيره في الفرقة الموسيقية من حيث البراعة في القيادة والتواضع في العزف. أولم يلعب يوسف الخال دوراً كبيراً في حركة الشعر الحديث والمجلة الناطقة باسمها "شعر" عبر قيادته للحركة والدورية؟

الأكثر قراءة

لبنان 3/31/2026 10:21:00 AM
مواجهات جنوب لبنان: مقتل 4 جنود إسرائيليين بينهم ضابط  وإصابة 6
لبنان 4/1/2026 1:05:00 PM
شهدت منطقة الجناح في بيروت قصفاً إسرائيلياً عنيفاً 
موضة وجمال 3/27/2026 6:53:00 PM
أكسسوارات الحقيبة باتت بيان هوية… ودمية "براتز" تعود باسم "براتزيز"