يوم كان الحزب القومي لا يزال سرياً ويعمل في الخفاء، كانت "المعرض" الجريدة الأولى التي فتحت صفحاتها لـ"الأستاذ" أنطون سعادة ورفاقه في الحزب السوري القومي الاجتماعي، مقدِّمةً نموذجاً حيوياً عن وساعة الفكر الذي ملأ عقل صاحبها، وحمله على تصوّر مشروعٍ للحياة الإعلامية والوطنية العامة، يختلف عن مشاريع الدولة المنتدِبة من جهة، ومشاريع الرؤى والتصورات الكليانية والأحادية للسلطة والرأي من جهة أخرى. هنا إطلالة أخرى لجان داية على دور "المعرض" في إفساح صفحاتها لهذا "الآخر" القومي، الذي يؤمن بوحدة سوريا الطبيعية، ويقف في الجهة المقابلة تماماً للفكر الوطني اللبناني، باعتبار لبنان كياناً مستقلاً وذا سيادة.
تلقى صاحب "المعرض" بالبريد مقالة بعنوان "علم التاريخ وسلام العالم" ومذيلة بعبارة "دمشق – أنطون سعاده". سرعان ما نشرها في 30 أيار 1931، رغم عدم معرفته بصاحبها الذي كان مغترباً في البرازيل، ولم يكن قد مضى على عودته أكثر من عام، واستوطن دمشق ليعمل ظاهرياً في الصحافة، ويؤسّس سرّاً حزبه الذي عاد وأسسه في رأس بيروت في العام 1932. أما لماذا نشر المقال الذي احتل الصفحة 14 وربع الصفحة التالية، فلأن معياره في النشر هو مضمون المقالات وليس شهرة كتّابها. ماذا في المقال؟ إذا قرأته بدون أحكام مسبقة، وجدت مضموناً جديداً مثالياً: "ان تجريد التاريخ من النزعات والفلسفات المملوء بها يغني عن ألف مؤتمر لتحديد السلاح وألف ألف معاهدة لمنع الحرب... ان الفلسفة المتغرضة كانت ولا تزال آفة التاريخ والعقبة التي تعترض سبيل التفاهم البشري... اننا تجاه قضية خطيرة تهدد كياننا العلمي بالفشل فضلاً عن انها تهدد كياننا الإنساني بالبغض والنفور وإيغار الصدور وسائر العوامل التي تحمل أخيراً على اثارة الحروب وصد المساعي والجهود التي يبذلها المفكرون الانسانيون في سبيل تحقيق السلام العام". اقترح عضو "دائرة المعارف القومية البرازيلية" وبعض لجانها الاختصاصية بكتب التدريس التاريخية، "على المعاهد العلمية السورية ارسال نداء حار إلى معاهد العلم في العالم كله تدعوها فيه الى عقد مؤتمر عام يقوم بمهمة التحقيق في مؤلفات التاريخ المعول عليها في التدريس عند جميع الأمم وتوحيد علم التاريخ العام".
في 16 تشرين الثاني 1935، اكتُشف حزب سري يدعى "الحزب السوري القومي"، بزعامة انطون سعاده وعضوية مجموعة من الأدباء الشبان أمثال صلاح لبكي، سعيد عقل، فؤاد سليمان، صلاح الأسير، رشدي معلوف. رغم الخصومة السياسية، خصص ميشال زكور عدداً بكامله لهؤلاء المثقفين، وقال في افتتاحية العدد الصادر في 25 شباط 1936 "ان مبادئ الحزب لا تتفق مع قضيتنا اللبنانية، ولكننا نحترم القائمين بهذه المبادئ لأنهم مشوا بها وفتحوا أمامها الطريق بقوتين جبارتين: النظام والعقيدة". حرر صفحات العدد الـ34، أنطون سعاده، زكي النقاش، فؤاد سليمان، عبدالله قبرصي، مأمون أياس، صلاح لبكي، رشدي معلوف، جورج حكيم، أسعد الايوبي، نعمة قسطنطين تابت، روبير أبيلا، الياس خليل زخريا، وصلاح عبد الرحمن الأسير الذي تمحور مقاله على "القومية في الأدب". أكد الشاعر العلماني الصيداوي ان "الادب القومي ليس قوامه الموضوعات الاقليمية الضيقة، ولكنه الأدب الذي يلهمه الفنان الذي تمثلت فيه خصائص أمته وطبيعة اقليمها وأرضها في الشعور والفكر، والذي يسمو بفنه الى اسمى درجات الفن العالمي، لأنه اعتمد على ذاتيته وثقافته الخاصة وشعوره الخالص، فأخرج للناس الصور الرائعة في دنيا الأدب كما يراها هو، فأصبحت هذه الصور عالمية بحتة". ذلك ان "الفكرة العالمية لا تتناقض مع الفكرة القومية" كما يتوهم البعض. وختم قائلاً: "فالعالمية عندي هي القومية على صورة واسعة الأفق فسيحة المدى".
طبعاً، من يشرب بحر التناقض العقائدي وما ينجم عنه من خلاف ثقافي، لا يغص في ساقية التباين الأدبي المتمحور على رداءة أو جودة الشعر التقليدي وليس على الاختيار بين الشعر الكلاسيكي والشعر الحديث.
تلقى زكور نقداً لاذعاً وجّهه نقولا فياض نحو الشاعر محمد كامل شعيب العاملي، فتوّجه بمقدمة أبدى فيها رغبته في نشر "رد الأستاذ العاملي عليه".
ماذا في نقد فياض؟ وهل ردّ العاملي المعروف بكرمه في الردود؟
لنقرأ، أولاً، نقد فياض في "معرض" 24 كانون الثاني 1926 الذي ملأ الصفحة السادسة ومعظم الصفحة السابعة. روى الناقد في مستهل نقده المصوغ بأسلوب فكه: "سألني مرة رأيي فيه فقلت أتريد ان اصدقك أو اصدّقك، قال بل أصدقني. قلت: مجيد للسبك أحياناً مولع باللفظ دون المعنى، قلّ أن يقع القارئ منك على بيت يحسن حفظه ويبقى في النفس أثره. قال: ولكن اسمع هذه القصيدة العلمية التي أرسلتها إلى المقتطف! قلت: لا تقل قصيدة بل مقالاً، فالشعر ليس موسوعة علوم بل موسيقى تطرب الاذن والروح. فغنِّ يا أخي واطرب وابكِ وتألّم وتغزّل وصف وتحمّس ما شئت، وخلِّ المباحث العلمية والقضايا الفلسفية للنثر فهو بها أولى". وبعدما حلل وانتقد قصيدة العاملي "الشمس بين عاشقين"، شاء أن يكون مسك الختام "حكمة" اختصرها مبدعها بكلمات ثلاث: "العلم ثلاثة أشبار". أضاف فياض: "فمن نال الشبر الأول عظم في عين نفسه وظن انه اصبح سيد المخلوقات. ومن نال الشبر الثاني صغرت نفسه في عينه، وتضاءل واتضع. وأما الشبر الثالث فلا يناله أحد. جعلني الله وأخي العاملي من أحظياء الشبر الثاني. أليس الله على كل شيء قديراً؟".
وفيما كان العاملي يركّز طربوشه ويسنّ قلمه، دخل طالب في الجامعة الاميركية على الخط، يدعى علي بدر الدين. باعتبار ان الأخير من جبل عامل، توّج ردّه المنشور في "معرض" 11 شباط 1926 بعنوان "عاملي ينقد العاملي"، وبمقدمتين قال بدر الدين في اولاها: "كنت قد قدمت لكم رداً على بعض سرقات شعرية للسيد كامل أفندي شعيب"، وأبدى زكور في الثانية استعداده لنشر النقد متمنياً لو "يتحفنا العاملي بالرد". أكد بدر الدين ان شعيب سرق قصيدة للشاعر العراقي الأزري، ثم قارن بعض أبيات القصيدة القديمة الأزرية بأبيات القصيدة الشعبية الطازجة، فنجح في اثبات السرقة حيث كان التشابه كبيراً بين الأبيات: وعلى سبيل المثال، قال الأزري:
ذكرتني وما نسيت عهوداً/ لو سلا المرء نفسه ما سلاها
وقال العاملي:
لست أسلو بين ألقاب عهوداً/ لو سلا المرء نفسه ما سلاها
وأخيراً ظهر رد العاملي في "معرض" 14 شباط 1926، وقد شمل بعطفه فياض وبدر الدين. لم يستغرب "ان يقوم من الناشئة الحديثة في الأدب واحد منهم تدفعه غلواؤه للنقد". واتهم بدر الدين بالغرور وحب الظهور من غير أن يسمّيه. الجدير ذكره، ان علي بدر الدين الذي تخرّج من كلية الطب في الجامعة الاميركية، أصبح نائباً في البرلمان واشتهر بالنزاهة والخطابة. لكن استغراب العاملي يتمحور على فياض الذي اعتبر نقده "عثرة من عثراته وشطحة من شطحات قلبه وهفوة من هفوات بيانه". أضاف "كأني بإخوان الأدب في هذه البلاد يدركون الحقيقة ويخطئون الطريقة".
نبض