من سيساعد الغلابة على التخلص من وضعية الكاتش ٢٢ ؟

المعرض الثقافي في "المعرض" السياسي
Smaller Bigger

كانت مقالات ميشال زكور (1896 – 1937) الأدبية متواضعة على المستويين الكمّي والنوعي، بخلاف افتتاحياته السياسية العميقة والنارية والموضوعية. مع ذلك، كانت مكاتب "المعرض" تعج بالمثقفين والأدباء منهم المدير المسؤول ميشال أبو شهلا، وأبرزهم خليل تقي الدين وفؤاد حبيش والياس أبو شبكة.


لم يكن الحضور الثقافي في بعض أعداد جريدة "المعرض" السياسية، من باب رفع العتب، كما كانت حال بعض الدوريات السياسية، بدليل أن اكثر من صفحة في كل عدد احتضنت المقالات الفكرية والنقدية الأدبية والقصص القصيرة. أكثر من ذلك، فإن "عصبة العشرة"، إحدى الجمعيات الأدبية التي لعبت دوراً ملحوظاً في الحركة الثقافية اللبنانية، قد تأسست داخل مبنى الجريدة، واحتكرت لمدة عام تحرير الركن الأدبي والنقدي. نطرح الأسئلة الخمسة الآتية: ماذا عن المعرض الثقافي في "المعرض السياسي"؟ من هم أبرز فرسان الفكر والشعر والأدب في جريدة ميشال زكور وعلى مدى 15 سنة؟ وهل كان للجريدة التزام لمنهج ثقافي معين؟ وما هي الغلة الأدبية التي نجمت عن عمل استمر من الأول من أيار 1921 الى الحادي والعشرين من حزيران 1936؟ وأي دور ثقافي لعبه مايسترو الجريدة السياسي؟


صلاح وأبو صلاح و"خلايا النحل"
في "معرض" 4 كانون الاول 1921 ظهرت الحلقة الأولى من سلسلة "خلايا النحل" مذيّلة بتوقيع "أبو صلاح"، استهل كاتبها المقالة المنشورة من 92 سنة بمقدمة توحي كأنها مكتوبة منذ 92 ثانية: "من قلة ادبنا في السياسة أننا نتواصم بالخيانة، أي يصم بعضنا بعضاً بها اذا اختلفنا في المذاهب السياسية. فإن احتشمنا حتى لا يبلغ من تعادينا في السياسة ان نعدّ المخالف لنا في المذهب السياسي خائناً، فلا نحتشم أن نعيّر بعضنا بعضاً ما هو دون الخيانة من المعايب. وأقل ما في الأمر من الضرر وقوع الحيلولة دون التشاور بين الفريق والآخر ممن يتعاطون منا السياسة اذا قضت مصلحة الوطن أن يتشاوروا، وما أكثر ما تقضي به مصلحة الوطن".
اعتقد معظم القراء أن كاتب المقال هو الشيخ ابرهيم المنذر، السياسي واللغوي والخطيب، وخصوصاً أن كبير أنجاله يدعى صلاح. بقي الاعتقاد سائداً مدى ثلاث سنوات، وتحديداً حتى 16 تشرين الثاني 1924، تاريخ ظهور افتتاحية زكور "كيف عرفت اللبكي". أكد الكاتب في مستهل الافتتاحية أن "لفقيد الصحافة والوطن نعوم اللبكي يداً على "المعرض" بما دبجته يراعته له للمقالات الوطنية والأدبية تحت عنوان "خلايا النحل" وبتوقيع "أبو صلاح". لكن معرفته برئيس مجلس النواب سابقاً لم تقتصر على مساهماته في "المعرض"، ولا هي بدأت اثر صدورها. يكشف الكاتب هذا السر السياسي: "في اوائل 1919 التقيت برفيق صديق على ساحة الاتحاد، فقال لي هامسا: إنك مدعوّ الى اجتماع، ولكن يجب عليك أن لا تسأل، لا عن مكان الاجتماع ولا عن المجتمعين... وركبنا عربة أقلّتنا الى خارج بيروت، واجتمعنا هناك رفاق من اللبنانيين المخلصين ندرس قضية وطنية وبرنامجاً سياسياً. وكان واضع البرنامج نعوم اللبكي الذي لا أزال أتصوره الآن، وكأنه أمامي، جالساً في زاوية من الغرفة وقد اقترب حاجباه الكثيفان من عينيه السوداوين وتدلى شارباه على فمه وغرق طربوشه الى نصف جبهته". أضاف: "قرأ علينا برنامجه، وللمرة الأولى شعرتُ أن للألفاظ قيمة غالية في الكتابة، بحيث اننا كنا نعاني الصعاب ونجهد الفكر – وكلنا من الكتّاب – لنغيّر أو نبدّل كلمة واحدة من البرنامج، فنعود عاجزين". وختم مؤكداً "سيمر جيل لا يلد الزمان فيه لبكياً ثانياً".


قصيدة ودرس أدبي
بعد سبع سنوات، وتحديداً في 5 تموز 1931، برز لبكي ثان ولكن على المستوى الأدبي لا السياسي، بدليل تتويج قلم التحرير مقالته "قصيدة ودرس أدبي" بالمقدمة الآتية: "كانت هذه الصفحة الأدبية النقدية من "المعرض" وقفاً على أقلام "عصبة العشرة" تكتبها وتحمل تبعة ما يرد فيها من نقد وآراء. وانه ليسرّنا اليوم أن نفسح مجالها أمام شاعر أديب هو الصديق صلاح لبكي ليدرس فيها قصيدة "الشلال" للأستاذ أمين بك نخله".
حمد صلاح لبكي الله "أن الأمين لم يفعل الشلال بنفسه فعل نياغرا بنفس بيرون" وأكد ان فكرة الشلال ليست مبتكرة "فالشلال من حيث الموضوع نسيب لدرة بودلير "الالبتروس" ولقطعة موسيه البليكان".
كان الأمين يدرس الحقوق في دمشق حين نظم القصيدة وقال فيها:


تنسج الخصب للمروج رداء/ ليت لي منك فضل ذاك الرداء
وأنا ابن الغمام مخضوضر الذهن/ وإن كنت ساكن الصحراء


علّق صلاح بكلام سياسي عقائدي: "ان امين نخله يكاد يكون الفريد من إخواننا الذين ذهبوا الى دمشق بعقيدة لبنانية، وعادوا من دمشق بعقيدة لبنانية راسخة". ولم ينس الأديب المتسيس سعيد عقل وقوله "أنا حسبي أنني من جبل"، في قصيدة "سائليني يا شام" التي غنّتها فيروز، ذلك أن قصيدة "الشلال" سبقت "سائليني يا شآم" بنحو ربع قرن.
عاد الناقد الى الأدب للقول في خلاصة نقده الذي استغرق صفحة ونصف الصفحة: "اكثر ما اعجبني بها – الشلال – قوة الايحاء، هذه الكامنة في كل كلمة من كلماتها تفتح أمام بصيرتنا آفاقاً يكتفي الشاعر بأن يلمع اليها الماعاً". وختم بهذه النصيحة الى القارئ: "اذا كنت تريد ان تحس مثلي كل ما في هذه القصيدة الغربية الحلة، العربية الفكرة الاندلسية، من روعة، فاقرأها متمهلاً، ثم أناشدك الله جرّب أن تفهمها بإحساسك لا بعقلك".
نبقى مع بعبداتيّ آخر، لقراءة قصة "الحب بين عهدين" المنشورة في "معرض" 14 شباط 1931، والمذيّلة بتوقيع كاتب مغمور: اميل توفيق سلهب. وعلى رغم أن القصة القصيرة تضمنت موضوعاً جبرانياً، وكُتبت بقلم واعد، فإن كاتبها بقي مغموراً بخلاف ابن بلدته صلاح لبكي الذي أصبح شاعراً مشهوراً ورئيساً لجمعية "أهل القلم". لعل سبب مغمورية سلهب أنه انصرف إلى السياسة، فأصبح رئيس المجلس التنفيذي في حزب الكتلة الوطنية، ونائباً عن المتن الشمالي، وهو والد النائب الحالي الدكتور سليم سلهب.


يا أبناء بسكنتا
نترك بعبدات حيث يقيم في ساحتها تمثال لأبي صلاح، ولكن نبقى في المتن الشمالي، حيث يوجد تمثال لأديب يستحقه، في ساحات غابت عنها تماثيل المبدعين وكثرت تماثيل أدباء البلاط. كان ميخائيل نعيمه ضيف "الحفلة التكريمية التي أقيمت له في وطنه الصغير بسكنتا لمناسبة عودته من الولايات المتحدة بعد غياب عشرين سنة"، على حد تعبير قلم تحرير "معرض" 26 حزيران 1932. تلت المقدمة الصغيرة خطبة بسيطة عميقة احتلت كامل الصفحة الخامسة، استهلها نعيمة بمخاطبة البسكنتاويين: "يا ابناء بسكنتا، يا لحمي ويا دمي... منذ عشرين سنة أدرتُ وجهي الى البحر وظهري الى صنين. واليوم صنين امامي والبحر ورائي، وأنا بين الاثنين، وكأني ولدتُ ولادة ثانية". أضاف وهو يتوسط سفح جبل صنين وسطح وادي الجماجم: "لو جمعتم كل ما ذرفته عيون بسكنتا منذ ابتداء المهاجرة حتى اليوم، لطاف به وادي الجماجم. ولو كان لكم أن تستخرجوا من الأثير كل ما أودعته قلوبكم وقلوب آبائكم وأجدادكم من تنهدات وتحرقات وأن تدفنوه في قلب صنين، لتحوّل صنينكم الساكن الى بركان". على ذكر صنين، فقد قارن الخطيب هذا الجبل الناطح السحاب، بناطحات سحاب مدينة نيويورك التي أمضى فيها آخر سنوات غربته الى جانب جبران وسائر فرسان "الرابطة القلمية": "ما أبعد السلام المخيم في جبالكم من الجلبة المعسكرة في مدينة نيويورك. فعلام تصرّون على تزويج سلامكم من تلك الجلبة؟ سلامكم هو أنفاس العزة القدسية المنبعثة في صخوركم وترابكم وأعشابكم. وتلك الجلبة هي تطاحن المطامع والأهواء البشرية في سبيل الريال، والاثنان لا ولن يتزاوجا. فريال نيويورك نقاب كثيف يحجب وجه الله. وصنين عرش من طهارة يبدو عليه وجه الله سافراً". وتدارك على مسمع أهل المغتربين وبعض المرشحين للاغتراب: "تقولون لي: وهل نأكل سلام صنين إذا عضّنا الجوع، أو نلتحق به إذا قرصنا البرد؟ وأنا أقول لكم: ألف بلى. ليس آمن من تربتكم مستودعاً لعرق جبينكم، ولا أحنّ منها عليكم، ولا أطهر من الخيرات التي تكافئكم بها لقاء أتعابكم". لعل أبلغ ما تفوّه به الخطيب في خطابه البليغ هذا، الحوار العامّي الذي جرى بين مؤلف "الغربال" وفلاّحة بسكنتاوية: "قالت لي إحدى النسوة اللواتي جئنني مسلّمات عندما وضعت يدها في يدي: "يا عيب الشوم منك، دياتي مخشبرين". فأجبتها: "بل يا عيب الشوم منك، دياتي ناعمين".
نهبط من بسكنتا في اتجاه عمشيت الساحلية لممارسة "الجمناستيك في الأدب" مع المحامي العلماني عبدالله لحود، ولكن ليس قبل أن نقرأ التقديم المعهود لميشال زكور في "معرض" 24 كانون الثاني 1932: "الأستاذ عبدالله لحود من شبابنا النابغين المثقفين. وهو، الى سعة اطلاعه على الآداب العالمية، شاعر رقيق مبتكر. نقرأ له فيما يلي بحثاً طريفاً بأسلوبه وتفكيره وجدّته، لم يخطر على بال أديب من قبل. وقد كتب هذا البحث الجدي الفكاهي معاً بروح التهكم العميق. فلم يقلّ عمقاً في التفكير والسخرية من أناطول فرانس فقيد الأدب الفرنسوي الكبير".
ماذا عن الرياضة في الأدب، العربي طبعاً؟ يجيب الكاتب: "ان هناك بطولة لم تجرأ أمة من الأمم الحديثة على منازعة العرب اياها، تلك هي بطولة العالم في الجمناستيك اللغوي"! تعزيزاً لمعلوماته تساءل: "كم يبدو لك باولينو وكارنيرا ضئيلين أمام الكسائي وسيبويه يتناجذان بين الزنبور والعقرب! وكم تحتقر فريق النهضة وفريق الجامعة في بيروت، بل كم تستصغر الستاد الافرنسي والراسينغ كلوب في باريس ازاء فريق البصرة وفريق الكوفة يتراشقان بالضمة والفتحة والكسرة".
أما الطالب الذي يعتبر الضحية الأولى لجمناستيك الأدب العربي، فقد "نزل ميدان الشعر القديم يتمرن به على حمل الأثقال، إذ عليه أن يحمل على كتفيه خطيئات شعراء الجاهلية وصدر الاسلام. لقد كان عنترة "معصوماً" عن اللحن. ومثله كان "أصحاب القداسة" الشنفرى والنابغة وسواهما. أما الأدب البحت فمسرحه للرياضة فسيح. وحسبه أن تكون "التفاسير الصوفية" بعض ألعابه اللذيذة المغرية. أتريد انموذجاً من هذه التفاسير وهي رائعة الروائع في جمناز الأدب؟ اليك هذا البيت من ابن الفارض:


عليك بها صرفاً فإن شئت مزجها/ فعدلك من ظلم الحبيب هو الظلم


ومعناه الظاهر: عليك بشرب هذه الخمرة صافية، فإذا شئت مزجها فلا تمزجها بغير ريق الحبيب، وإلا كنت لها ظالماً. على أن لهذا البيت معاني صوفية بديعة يجلوها لك كبار اللاعبين الرياضيين من امثال حسن البوريني وعبد الغني النابلسي". وذكر لحود أدق معانيها من غير أن يرفّ له جفن. ومن المرجّح أن المقال لو نشر في 2013 لتسبب في "نشر" رؤوس النابلسي والبوريني وزكور ولحود وعقل العويط والداعي.
كان يجب أن تكون مربط خيلنا باريس المحطة الأبعد، بعد عمشيت. لكن الزميل الياس طنوس الحويك نزيل باريس وقتذاك، وفّر علينا عناء الانتقال الى ميناء بيروت واستئذان القبضاي البيروتي حسن خريرو بكرْت توصية من صديقه القبضاي الياس الحلبي لدخول الحوض اليتيم وامتطاء الباخرة. ونظراً إلى مضمون مقال "ايفل وحكاية برجه" التاريخي والأسلوب الصحافي الذي صاغه به الزميل المتمصّر، لم يتردد زكور في نشره "مكان رواية العدد" في "معرض" 24 كانون الثاني 1924. قال نسيب البطريرك الحويك وسميّه في سياق مقاله المميّز بالمعلومات الدقيقة: "فرغ إيفل من بناء برجه في 31 آذار 1889، ولم تنته أعمال التزيين والترتيب فيه إلا في 17 أيار من السنة عينها. وعليه فيكون بناؤه قد اقتضى سنتين وأربعة أشهر وثمانية أيام، وبلغت نفقته ستة ملايين ونصف مليون من الفرنكات". ومن المؤكد ان الكاتب أهمل عدد الدقائق والثواني بسبب ضيق المجال، بدليل قوله في مكان آخر "كان العملة في البرج ثلاثمائة، واقتضى ذلك المشروع مليونين ونصف مليون من المسامير المبشمة وضع ثمانمئة منها في اثناء التركيب. وتبلغ زنة الحديد المستعمل لهيكل ذلك البرج سبعة ملايين ونصف مليون كيلو". واذا كان هذا الانجاز العلمي والفني قبلة أنظار السياح، بحيث ان وارداته "بلغت في سنة واحدة سبعة ملايين ونصف مليون فرنك"، فإن الباريسيين صاروا يتوهمون انه وُجد في مكانه منذ وجدت باريس في مكانها، وانه اذا قُضي بإزالته، لا يلبثون ان يشعروا بأنه حدث نقص في المدينة". ولم تقتصر فوائد البرج المادية على ما يدفعه السياح من رسوم الصعود في مصعده وفواتير المطاعم الموجودة داخله، وانما هناك "فائدة كبرى من جهة التلغراف اللاسلكي. وربما كان لهذه الفائدة الفضل على ذلك البرج ببقائه منصوباً في مكانه".

الأكثر قراءة

لبنان 6/7/2026 8:05:00 PM
الجيش الإسرائيلي يزعم: "تضم الشبكة عدة أنفاق شيدت لاستيعاب مئات المسلحين في الوقت ذاته، وتحتوي على غرف مكوث معدّة للإقامة والقتال لفترات طويلة"...
لبنان 6/7/2026 12:00:00 AM
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تجاوز كل الأصول الديبلوماسية وأصدر رداً وقحاً على رئيس الجمهورية، فكتب عبر "إكس": "بناءً على تصريحات السيد عون، قد يظن المرء أن إيران هي التي احتلت خُمس لبنان".
لبنان 6/6/2026 11:21:00 PM

أهالي بلدة مغدوشة تلقوا اتصالات من الجيش الإسرائيلي تضمنت تحذيراً من وجود عناصر لـ"حزب الله" بين النازحين

حول العالم 6/6/2026 10:49:00 PM
عامل كندي أصبح مليونيراً بين لحظة وأخرى بعدما تلقى اتصالاً أثناء عمله أبلغه بفوزه بجائزة يانصيب تتجاوز 2.4 مليون دولار كندي