"المسحراتي" ظاهرة، رمضانية قديمة، وتقليد تراثي عريق عبر العصور والأجيال منذ زمن بعيد، ارتبط في شكل وثيق بشهر رمضان وصار ملازماً له.
فبمجرد ذكر رمضان، على الفور يجول في الأذهان "المسحراتي"، خصوصاً أن طبلة "المسحراتي" لها إيقاع خاص في ذاكرة المعمّرين، لأنه يعيدهم الى أيام خلت عندما كانوا يتسحرون على أنغمام طبلته وصوته الشجي.
فشهر رمضان ارتبط بالسحور والتسحير، وتالياً بـ"المسحراتي"، الذي عُرف عبر مراحل مختلفة بصور ومظاهر متعددة، حتى أصبح شخصية فولكلورية وتقليداً رمضانياً تراثياً عريقاً، يلون ليالي الشهر ويضفي عليها أجواء جمالية في منتهى الروعة.
المسحراتي في بيروت
تأثرت بيروت وتفاعلت خلال الحقبة الماضية وفي عصرنا الحاضر بظاهرة "المسحراتي"، الذي صار مع مرور الزمن يشكل جزءاً أساسياً من تراث رمضان الشعبي وتقليداً ملازماً له. فما أن يهل هلال رمضان حتى يتطوّع أحد أبناء المحلة بأخذ المبادرة للقيام بمهمة "المسحراتي"، بعدما يكون ارتدى زياً خاصاً، فيجول في الشوارع ليلاً ضارباً على طبلته بقضيب من "الخيزران" ومرسلاً صوته الشجي بأناشيد دينية ومناداته للناس بأسمائهم ودعوتهم لتناول طعام السحور.
طبل الزغلول
من المعروف أنه لم يكن يتولى أمر التسحير إلا من يجد في صوته رقة تجعل إنشاده محبباً وبيانه حسناً وإشارته لطيفة. كان المسحر في بيروت القديمة يعرف كل سكان الحي، لذلك فأنه في جولاته بطبلته كان ينادي كل صاحب دار باسمه أو بكنيته "يا أبا فلان" فإذا أجابه قال له: وحد الله. اشتهر في بيروت أوائل القرن الماضي، وفق المؤرخ عبد اللطيف فاخوري، مسحر مصري الأصل اسمه أبو عبد الزغلول تميز برقة الصوت وسلامة الذوق. ومن أناشيده في التسحير: "سلامي على ناس يوم الحرب ما ولوا، نصبوا خياماً لهم على البحرين ما انبلوا، في أول الليل حلوا شعورهم حلو، وفي آخر الليل في حرم النبي صلوا".
يروى أن المسحر الزغلول كان يتردد الى محل السكن الجديد وينشد الأناشيد الرمضانية، فكان داود القرم وزوجته فرجيني نعمان من المعجبين بصوت الزغلول وإلقائه، ويطلبان من جارتهما أن تدعوه للمرور يومياً في المحلة التي كانا يقطنان فيها.
فرقة مسحراتية
جرت العادة قديماً في كثير من أحياء بيروت أن تجول جوقة من "المسحراتية"، هي عبارة عن مجموعة من المنشدين أشعار التسحير على أنغام الرق والمزاهر، فتخرق أصواتهم سكون الليل لتُسمع مناجاتهم في كل المنازل.
ومن الأمثال البيروتية القديمة المرتبطة بالمسحراتي قولهم: "سمّوك مسحّر، قال، خلص رمضان". ومن القصص الطريفة التي تروى عن "المسحراتية" في بيروت قديماً، أن كل فرد منهم كان يجول اعتباراً من الساعة العاشرة ليلاً من مكان الى آخر، بحيث أصبح في كل ربع ساعة يمر واحد منهم، ما تسبب بالازعاج للناس. فما كان منهم إلا أن شكوا هذا الوضع للضابطة وللبلدية لوضع حد لما كان يحصل. وقد نجحت حملتهم عندما أوعز رئيس البلدية في ذلك الحين من العام 1886، محي الدين حمادة الى "المطبلين" بأن يلازم كل منهم محلته ويجول بها ولا يتعداها الى غيرها.
أشكال التسحير
والتسحير أخذ أشكالاً ووسائل مختلفة، تبعاً للتطور والتقدم الزمني، أول هذه الأشكال والوسائل تمثلت بالأذان والفوانيس من على مآذن ومنارات المساجد والجوامع. ومن ثم اعتمدت الطلقات المدفعية المدوية في سماء المدن العربية والاسلامية لإيقاظ الصائمين.
وبدايات التسحير تعود الى عهد النبي، يوم كان الصائمون يعرفون جواز الأكل والشرب بآذان بلال، ويعرفون الإمساك عنه بآذان إبن أم مكتوم.
أول ظهور المسحراتي
ومع اتساع رقعة الدولة الإسلامية تعددت أساليب تنبيه الصائمين، اذ ابتكر المسلمون وسائل جديدة في الولايات الإسلامية من أجل التسحير.
فيذكر المؤرخون أن "المسحراتي" ظهر إلى الوجود عندما لاحظ والي مصر "عتبة بن إسحاق" أن الناس لا ينتبهون إلى وقت السحور، فتطوع هو بنفسه لهذه المهمة، اذ كان يطوف شوارع القاهرة ليلاً لإيقاظ أهلها وقت السحر".
وفي عصر الدولة الفاطمية أصدر الحاكم بأمر الله الفاطمي أمراً لجنوده بأن يمروا على البيوت ويدقوا الأبواب بهدف إيقاظ النائمين للسحور، ومع مرور الأيام عين أولو الأمر رجلاً للقيام بمهمة المسحراتي.
وقد تطورت بعد ذلك ظاهرة التسحير على يد أهل مصر، اذ ابتكروا الطبلة ليحملها "المسحراتي" ليدق عليها بدلاً من إستخدام العصا. هذه الطبلة كانت تسمى "بازة" وهي صغيرة الحجم، يدق عليها "المسحراتي" دقات منتظمة، وهو يشدو بأشعار شعبية وزجل خاص بهذه المناسبة.
أما في العصر العباسي في بغداد فكان "أبو نقطة" أشهر من عَمِلَ بالتسحير، عندما كان موكلاً إليه إيقاظ الخليفة الناصر لدين الله العباسي.
تطور شخصية المسحراتي
بعد ذلك، أخذت شخصية "المسحراتي" بالتطور، وأُدخلت الآلات الموسيقية في أساليب التسحير، لحض الناس على الصيام والقيام، كما إعتمدت الأناشيد، والمدائح، والأدعية في نداءات التسحير.
وقد تنوعت الأساليب التي إستخدمها "المسحرون" على مر الزمن، اذ أُفيد أن الأندلسيين إستعملوا في قرطبة "البوق" خلال التسحير. ثم إنتقل بعد ذلك "البوق" إلى مدينة فاس، الذي أُطلق عليه اسم "النفير"، فحلّ في ما بعد محل الطبل في المغرب.
وأُطلق على من كان يتولى التسحير بالبوق "النفار".
ويذكر أخيراً أنه كان يُفترض بـ "المسحراتي" أن تتوافر فيه شروط ومواصفات لا بد من أن يتمتع بها حتى يحظى بشرف تولي أمر التسحير. يحب أن يكون ذا ثقة عند الناس وحسن السمعة وأن يتمتع بصوت جميل وأن يجيد الإنشاد وشعر التسحير وأن يعرف كل سكان المحلة التي يجول فيها.
وما أن يهلّ هلال رمضان حتى يجول "المسحراتي" بعدما يكون إرتدى زياً أبيض خاصاً في الشوارع والأزقة ضارباً على طبلته أنغاماً منتطمةً ومرسلاً نداءه لإيقاظ الناس، خارقاً سكون الليل بصوته العذب.
نبض