بينما تتواصل المعارك في حمص القديمة، وتحتدم في حي الخالدية، أعلن الجيش النظامي سيطرته على مسجد خالد بن الوليد، ونقلت وسائل الإعلام المرئية صوراً تظهر تعرضه للخراب نتيجة تساقط الصواريخ في محيطه، ونتيجة المعارك التي شهدتها باحاته الداخلية والخارجية. طاول القصف ضريح الصحابي القائم في الزاوية الشمالية الغربية من حرم المسجد، ونشرت شبكة "شام" الاخبارية وصفحات أخرى على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً تظهر حجم الدمار الذي لحق بهذا الضريح.
لا يحتاج خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي إلى تعريف. هو واحد من الصحابة، وأحد أشهر رجال مرحلة الفتوحات الإسلامية الكبرى، وصاحب لقب "سيف الله المسلول". استعاد الرواة سيرته مراراً، واستفاضوا في نقل تفاصيلها. في البداية، وقف خالد بن الوليد إلى جانب المكيين في موقعة أحد، وحارب النبي ومحمد ورفاقه، ثم اهتدى إلى الإسلام، وشهد مع الرسول فتح مكة، وأبلى فيها، وقال عنه النبي إنه "سيف من سيوف الله". قاد بعدها الحملات ضد عدد من القبائل العربية في ما يُعرف بـ"حرب الردة"، ثم شارك في الفتوحات، فحارب في المعارك الأولى التي جرت في العراق، وواصل مسيرته في هذا الميدان، وكان له الأثر الكبير في محاربة الفرس، وهزم الروم في أجاندين، وبعدها في اليرموك، وافتتح دمشق، وقيل إنه "كان يحتفظ في قلنسوته التي يقاتل بها بشعر من شعر رسول الله"، "يستنصره به وببركته، فلا يزال منصورا"، كما نقل ابن الأثير في "أسد الغابة في معرفة الصحابة". ظلّ خالد منصوراً، وقال لمّا حضرته الوفاة: "شهدتُ مائة زحف أو زهاءها، وما في بدني موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة أو رمية، وها أنا أموت على فراشي كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء، وما من عمل أرجى من لا إله إلا الله، وأنا متترس بها".
توفي خالد بن الوليد في حمص، "وقيل: بل توفي بالمدينة سنة إحدى وعشرين، في خلافة عمر بن الخطاب"، وتحدث المؤرخون عن ضريح يحتضن رفاته في حمص. في "معجم البلدان"، تحدث ياقوت الحموي عن المزارات والمشاهد الواقعة في حمص، وذكر "مشهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فيه عمود فيه موضع إصبعه رآه بعضهم في المنام"، و"دار خالد بن الوليد رضي الله عنه وقبره فيما يقال، وبعضهم يقول إنه مات بالمدينة ودفن بها". رأى ياقوت إن القول الأخير هو الأصح، وأضاف معلّقاً: "وعند قبر خالد قبر عياض بن غنم القرشي رضي الله عنه الذي فتح بلاد الجزيرة، وفيه قبر زوجة خالد بن الوليد، وقبر ابنه عبد الرحمن، وقيل بها قبر عبيد الله بن عمر بن الخطاب، والصحيح أن عبيد الله قُتل بصفّين فإن كان نقلت جثته إلى حمص فالله أعلم. ويقال إن خالد بن الوليد مات بقرية على نحو ميل من حمص، وإن هذا الذي يُزار بحمص إنما هو قبر خالد بن يزيد بن معاوية، وهو الذي بنى القصر بحمص، وآثار هذا القصر في غربي الطريق باقية". في "آثار البلاد وأخبار العباد"، تحدّث القزويني عن حمص، ورأى أنها "أصحّ بلاد الشام هواء وتربة"، "وبها قبر خالد بن الوليد، رضي الله عنه، مات بها وهو يقول في مرض موته: تباً للجبناء، ما على بدني قدر شبر إلا وعليه طعنة أو ضربة، وها أنا أموت على الفراش موت العير".
قبر وزاوية ومسجد
في زمن حروب الفرنجة، مرّ الرحالة الأندلسي ابن جبير بحمص، وقال في وصفها: "هي فسيحة الساحة، مستطيلة المساحة، نزهة لعين مبصرها من النظافة والملاحة، موضوعة في بسيط من الأرض عريض مداه، لا يخترقه النسيم بمسراه، يكاد البصر يقف دون منتهاه، أفيح أغبر، لا ماء ولا شجر، ولا ظل ولا ثمر، فهي تشتكي ظمأها، وتستقي على البعد ماءها، فيجلب لها من نهيرها العاصي، وهو منها بنحو مسافة الميل، وعليه طرة بساتين تجتلي العين خضرتها، وتستغرب نضرتها، ومنبعه في مغارة يصفح جبل فوقها بمرحلة بموضع يقابل بعلبك، أعادها الله". "وبقبلي هذه المدينة قلعة حصينة منيعة، عاصية غير مطيعة، قد تميزت وانحازت بموضوعها عنها. وبشرقيها جبّانة فيها قبر خالد بن الوليد، رضي الله عنه، هو سيف الله المسلول، ومعه قبر ابنه عبد الرحمن، وقبر عبيد الله بن عمر، رضي الله عنهم". بعد ابن جبير، مر الرحالة ابن بطوطة بحمص في زمن المماليك، وكتب في وصفها: "مدينة مليحة، أرجاؤها مونقة، وأشجارها مورقة، وأنهارها متدفقة، وأسواقها فسيحة الشوارع، وجامعها متميز بالحسن الجامع، وفي وسطه ماء. وأهل حمص عرب لهم فضل وكرم. وبخارج هذه المدينة قبر خالد بن الوليد سيف الله ورسوله، وعليه زاوية ومسجد وعلى القبر كسوة سوداء".
شيّد مسجد خالد بن الوليد في عهد السلطان الظاهر بيبرس، وضمّ قبره المزيّن بكسوة سوداء، وشهد هذا المسجد للمكانة الرفيعة التي احتلها الصحابي في نفوس المسلمين. في "بغية الطلب في تاريخ حلب"، استعاد ابن العديم مسيرة خالد بن الوليد ومآثره في المعارك والحروب، ونقل عن محمود المارديني الزاهد رواية تعبّر عن الشهرة التي حظي بها الضريح الخالدي في القرون الوسطى. يقول الراوي في هذا الحديث: "جئت قبر خالد بن الوليد بحمص أزوره فرأيت عنده رجلاً من الأكراد، وهو يكثر البكاء والنحيب ويرفع صوته عند ذلك، فقلت له: ما لك هكذا؟ فقال: جرى لي مع صاحب هذا القبر أمر أوجب ما ترى. فسألته عنه، فقال: جاءنا الفرنج مغيرين على حمص وأحدقوا بالمدينة، وغلقت الأبواب بأسرها ولم يبق غير باب واحد، فجئت إلى هذا القبر وقلت: اللهم بحرمته عندك، هب لي شجاعته هذه الساعة، ثم خرجت لا أخاف من أحد، فلم يكن للفرنج في عيني من المقدار شيء، فحملت فيهم وقتلت فارسين، وأسرت فارسين، وأخذتهما وخيلهما، ودخلت بذلك إلى الملك العادل نور الدين محمود، فهذا الذي حملني على ما ترى".
حظي مسجد خالد بن الوليد بشهرة واسعة، وبات درة جوامع حمص، وجرى تجديده في القرن التاسع عشر على يد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني الذي بويع بالخلافة في عام 1876، وكان في الرابعة والثلاثين من عمره. تولى عبد الحميد الثاني العرش في ظروف دولية معقدة للغاية ترافقت مع اضطرابات عديدة في أجزاء كبيرة من دولته المترامية الأطراف، وتعرضت سلطته لتحدٍّ جديد مع دق طبول الحرب العثمانية الروسية، وقد انتهت هذه الحرب بهزيمة العثمانيين وتوقيعهم معاهدتي صلح تخلوا بموجبهما عن بعض أراضي الدولة في البلقان. أدرك السلطان صعوبة وضع دولته، فعطل الحياة النيابية في عام 1878، لكنه لم يلغِ الدستور ولم ينحه. وسعى إلى تحديث الدولة، فأضفى على حركة التغريب صفة رسمية، وعُرف عهده بعهد التنظيمات، وهو العهد الذي يعنى تنظيم شؤون الدولة وفق المنهج الغربي. في موازاة هذه الإصلاحات، اهتم السلطان بالأقاليم العربية، وفضّلها على العديد من المناطق التركية، واعتمد سياسة جديدة تمثلت في ضخ رؤوس الأموال لإنشاء المشروعات الضخمة، مثل مد سكة حديد بين بيروت ودمشق، وانشاء السوق التي عُرفت بـ"الحميدية" في دمشق، وتطوير مرفأ العاصمة اللبنانية ليكون المرفأ الرئيسي على شرق البحر الأبيض المتوسط. في تلك الحقبة، تولى أناس عرب مناصب رفيعة في اسطنبول، وهذا أمر نادر، إن لم يكن جديدا في ظل السلطنة. على الصعيد العمراني، عاشت بلاد المشرق العربي في تلك الحقبة العثمانية عصرا ذهبيا رغم التقلبات السياسية التي عصفت بها، وعرفت حركة عمران واسعة أدت إلى رسم أهم أقسامها. جُدّد مسجد خالد بن الوليد في ذلك الزمن العثماني الأخير، وصار رمزا من رموز حمص.
الطابع المملوكي والطراز العثماني
يقبع ضريح خالد بن الوليد في الجهة الشمالية الغربية من حرم المسجد، وهو مبني من الرخام الأبيض، وتظلله قبة مزخرفة. ويجاوره ضريح ابنه عبد الرحمن. في زمن ابن جبير، كان قبر الصحابي مزيّنا بكسوة سوداء. وهو في زمننا مزيّن بكسوة خضراء تعلوها عمامة، وفقا للتقليد العثماني الذي ساد في أنحاء ديار الخلافة. يجمع المسجد بين الطابع المملوكي والطراز العثماني، ويتجلى ذلك في بنائه الهندسي وحلله التزيينية. له مئذنتان عاليتان وتسع قباب بيضاء متباينة الحجم، أعلاها القبة الوسطى. يتألف الصرح من صحن واسع وأربع قاعات تقع في جانبه الشرقي، منها قاعة مخصصة للوضوء، وأخرى جرى تجهيزها كمتحف يضم أهم محفوظات المسجد، وقاعتان للتدريس. تحيط به حديقة خارجية، ويتميز بناؤه العام بالتناوب بين اللونين الأبيض والأسود في حجارته.
تظهر الصور الفوتوغرافية الملتقطة في العهد العثماني حال المسجد في تلك الحقبة، وتظهر الصور الملتقطة في العقود اللاحقة توسع الحديقة المحيطة به، وما رافقها من حركة عمران غيّرت وجه المنطقة بشكل جذري. في المقابل، تكشف الصور الملتقطة حديثاً عن الضرر الذي تعرض له الضريح والمسجد مع احتدام المعارك في منطقة الخالدية وجوارها.
نبض