رحلت سلوى روضة شقير في عز الشتاء بعدما بلغت المئة من العمر. عمر مديد مضى معظمه في العمل في مجال الفن، واستطاعت من خلال ما أنتجته، أن تحفر لنفسها إسماً بارزاً ضمن قائمة التشكيليين اللبنانيين المعروفين، من ذوي الشهرة وأصحاب البصمات الواضحة في دفع الفن التشكيلي اللبناني نحو آفاق جديدة تتطلع نحو الحداثة، التي كانت بدأت في الغرب لقرن مضى أو أكثر.
في العام الماضي، كان أقيم احتفال للفنانة في مناسبة بلوغها السن المذكورة في متحف سرسق، افتتحه حينذاك وزير الثقافة الذي سلّم الفنانة درع وزارة الثقافة، كما أُقيمت بعد ذلك حلقة نقاش حول أعمالها ومكانة هذه الأعمال في تاريخ الفن المحلي، وفي المنطقة العربية عموماً، وتحدث اختصاصيون في فن العمارة وتاريخ الفن.
تتفق الآراء حول إعتبار سلوى روضة شقير، المولودة في بيروت في 24 حزيران من العام 1916، كأحد رواد الفن التجريدي في لبنان، وهي التي حاولت، كما حاول سواها أيضاً ولو عبر مداخل مختلفة، إيجاد الصلة ما بين الحداثة والتراث. هذه المسألة اعتبرت واحدة من المسائل المثيرة والشائكة على إمتداد القرن الماضي، وكان كثيرون أدلوا بدلوهم في السعي إلى إيجاد حلول لها، فنجح البعض في مرافق معينة، ولم تؤدّ جهود آخرين إلى نتائج مقنعة. في عودة إلى التاريخ الشخصي للفنانة، نشير إلى أنها إلتحقت بالكلية الأميركية للبنات (الجامعة اللبنانية الأميركية حاضراً) في بيروت، العام 1934، وتركزت دراستها على العلوم الطبيعية. في تلك الفترة، التقت بالفنان مصطفى فروخ وترددت إلى النادي الفني الذي كان أسسه في الجامعة الأميركية ببيروت، ومن ثم واصلت تدريبها الفني تحت إشراف الفنان عمر الأنسي، والفنانان المذكوران اعتبرا من أبرز العاملين في مجال المناظر الطبيعية والرسوم الشخصية، ضمن منحى واقعي، لم يكن ليتناسب مع النهج الذي اتبعته شقير لاحقاً.
بداية الدرب الفني
لم يساهم اعتراف أساتذة الفنانة بموهبتها في ممارستها الرسم في توجهها مباشرة نحو الفن، إذ لم تسلك درب الإحتراف إلاّ في الثلاثينات من عمرها، بينما توزعت اهتماماتها في ذلك الحين بين التدريس والتجوال في مصر، إضافة إلى إهتمامات سياسية، إذ التحقت بمجموعة من المناضلين القوميين العروبيين في النصف الثاني من أربعينات القرن المنصرم، وشاركت في نشاطات النادي الثقافي العربي، الذي ضم أعضاء من مثل قسطنطين زريق وجورج حبش. بدأ الاهتمام الفعلي بفن النحت بعد تخصصها في باريس، حيث أقامت معرضها التجريدي الأول في "غاليري كوليت اللندية"، العام 1951، ولم تتركز رحلتها النحتية إلاّ في بيروت، حيث أقامت معرضها الثاني في مدرسة الآداب العليا، وهو المعرض الذي وصفه الفنان عارف الريس بأنه أول معرض تجريدي هندسي في لبنان. وإذا كانت سلوى روضة شقير قد توصلت إلى اقتناعاتها في ممارسة دورها كفنانة، فلأنها كانت تؤمن منذ البداية بضرورة استخدام الفن كوسيلة لتقييم الشعوب والارتقاء بها، وذلك بهدف دحض مزاعم التفوق الثقافي الغربي.
حول التوجهات الفنية
اتجهت شقير إلى النحت التجريدي من دون أن تشعر بذلك، كما تقول، وكانت شغوفة بالمادة وبالتآليف الهندسية المتلائمة مع الروحية الشرقية، إذ حاولت، منذ بداياتها، البحث عن خصائص العلاقات الفلسفية والجمالية المتبادلة بين تقنيات الفن التجريدي الغربي الحديثة، وروحية المظاهر التجريدية العربية التي يتضمنها الفن الإسلامي في تنويعاته الهندسية والزخرفية. اعتقدت الفنانة أن أفضل الأعمال الفنية هي تلك "الأشكال النبيلة" التي تدمج "إيمان الناس وعلومهم وفلسفتهم" بشكل وثيق، ودعت المسؤولين الحكوميين إلى تعزيز دور الفن لدى الجمهور من خلال الدعم المادي والمعنوي، وبقيت ملتزمة هذا الرهان التربوي طوال مسيرتها الفنية. أما في ما يختص باقتناعاتها الفكرية والحضارية، فقد صرحت بأن الحضارة العربية الإسلامية تتفق بشكل أفضل مع الإحتياجات العالمية المعاصرة. وفي رد هجومي على موسى سليمان، قالت إن التقاليد المعروفة لعلماء الصوفية، والتقليد السردي للأدب العربي ما قبل الإسلامي، أثبتت أن العرب طوروا فهماً فريداً للوجود يتجاوز الخضوع للقيود الزمانية والمكانية، وهو فهم شهدت به فيزياء الكم والإبتكارات العالمية الحديثة.
اشتُهرت الفنانة بمنحوتاتها المركبة من قطع عدة تتفكك أو تتراكم حتى اللانهاية، مثلما تتفكك أو تتراكم أبيات القصيدة العربية. كما دافعت طول حياتها عن خصوصية فنٍّ عماده الشكل، كما الشعر عماده الكلمة. أما الطريق الأقرب إلى نفسها فهي التجربة الصوفية التي وجدت فيها مرجعاً "روحياً"، وفي ما يختص بالشكل النهائي، كما فهمته الفنانة ذات الولع العلمي، فهو شكل تجريدي، كما سبق ذكره، لا يوصف بالخطوط والمساحات والألوان، بل أنه مجموعة المعادلات القائمة بين عناصر العمل وبين العمل ومحيطه.
بقيت أفكار سلوى روضة شقير، ولفترة طويلة من الزمن، غير مفهومة سوى لحلقات صغيرة من متذوقيها، ابتدأت بمحترف الفن التجريدي في باريس ثم أخذت تتسع لتشمل محبي الفن من جميع الأجيال والجنسيات. في ما يتعلق بتجربتها الفنية، استمرت على طول الخط في طرح الأسئلة حول طبيعة الواقع والكون، التي دفعتها نحو أعمال فنية تغمرها الحماسة، وإلى إنتاج منحوتات ثلاثية، وحتى رباعية البعد، تستفيد من تطورات فيزياء الكم وعلم الأحياء، لتدمج اكتشافات هذين الحقلين في أعمالها الفنية. هكذا، عالجت العلاقة بين الجمود والجوهر والحركة، وبين الثبات والإنسياب، والتوليد والتحريف، واللحظة واللانهاية. وفي استيحائها الدائم للعلوم المتطورة والفقه الإستلامي على السواء، سعت الفنانة إلى تجسيد مبادئ متعلقة بالشكل الفني، تؤدي إلى تفاعلات شاملة على نطاق كوني، أما في بلورتها لمعادلات هندسية – لونية، فقد عملت كأنها "إزميل عقلي" ينحت مساحات تدعو المشاهد إلى اختبار إمكانات لانهائية كمظهر من مظاهر الألوهية. ومن خلال ما صنعته سلوى روضة شقير خلال عمرها المديد، يمكننا القول إنها من الفنانين القلائل الذين آمنوا بضرورة التفاعل ما بين التراث والطبيعة والعلم من أجل صوغ مفاهيم فنية، أكان في مجال النحت أم في سواه، قد تؤدي إلى وضع مفاهيم متطورة لفن النحت المعاصر.
¶ فنان وناقد تشكيلي وأستاذ جامعي.
نبض