استيقظتُ في الخامسة صباحاً. شاهدتُ فيلماً قصيراً. انصرفتُ إلى العمل. في المترو صادفتُ شابّةً بثوبٍ قصير. جلستُ قُبالتها. رفعتْ ثوبها القصير فرأيتُ ركبتيها الورديّتين. أحببتُهما وأحببتُ الشابّة، مع أنّني، منذ وقتٍ قصير، لم أعد أطيق النظر إلى البشر. في المكتب وبّخني المدير على تغيّبي يوم الجمعة. كان نَفَسي أمامه قصيراً. كان هو، نفْسه، رجلاً قصيراً. ذراعاه قصيرتان. رقبته قصيرة. أصابعه قصيرة. سرواله قصير. تخيَّلتُ أنّ كلّ الأشياء فيه قصيرة، ثمَّ حاولتُ ألاّ أتخيل كيف يمارس رجلٌ قصيرٌ الحبَّ! بعد انصراف المدير، شاهدتُ الفيلم القصير (مجدّدا). ترجمتُ الفيلم القصير. غادرتُ المكتب عند الظهر من أجل الغداء. تمشّيتُ بضع خطوات قصيرة. دخلتُ إلى الكافيتيريا. طلبتُ فطيرة الجبن مثل المعتاد. أكلتُ واقفةً لأنّ الكراسي قصيرة. عدتُ إلى العمل. انعزلتُ في المكتب. شاهدتُ الفيلم القصير. قرأتُ الترجمة. وجدتُ جُمَلاً كثيرةً قصيرة. قلتُ مع نفسي: روحُ الفيلم هكذا؛ قصيرة. تسلَّلتُ إلى حجرة التدخين. دخَّنتُ. تمنّيتُ لو أنّ كلّ السجائر تصير قصيرة، قصيرة مثل الخنصر. في المكتب اتّصلتُ بأبي. أبي يظنّ أنّني لن أتأقلم مع ظروف العمل لأنّني، في رأيه، لستُ إنسانة اجتماعية. لقد تأقلمتُ، بل وتفوّقتُ جدّاً. حتّى وإنْ كانتْ كلّ محادثاتي مع الآخرين قصيرة. أغلقتُ الخطّ. أبي رجلٌ وسيمٌ وطويلٌ أَحبّ امرأةً قصيرة هي أمّي. أمي تقول إنّ الحياة قصيرة وينبغي لي أن أفعل كلّ شيء قبل أن أفقد حماستي. الحماسة شيءٌ قصير كذلك. أبي يقول إنّ الحياة تكون أجمل عندما نستسلم ولا نخطِّط لأيِّ شيء. لا أملك إلا تفسيراً واحداً في شأن أمّي وأبي: أحدهما يكافح والآخر يحبّه. رتّبتُ أوراقي على المكتب. قصائد قصيرة. قصص قصيرة. مقالات قصيرة. نبتة ذابلة قصيرة. أقلام رصاص قصيرة. شرائط بالأسود والأبيض قصيرة. برنامج المعرض لهذا الفصل البارد القصير. علمتُ، لاحقاً، أنّ زميلاً لي تعرّض لحادث سيرٍ خطير. قد يموت في كلّ لحظة. إنّها نهايةٌ غير سعيدة لحياةٍ ثمينة وقصيرة. لستُ متعاطفةً ولا أجبر نفسي على أن أكون كذلك. رغماً منّي، تظاهرتُ بقليلٍ من الإنزعاج والخوف. شيءٌ طبيعي كيلا أبدو شخصاً سيّئاً وبلا مشاعر. حزنتُ، للحظاتٍ قصيرة، أمام الزملاء. في مكتبي تذكّرتُ الفيلم القصير ثمَّ ابتسمتُ بشجاعة. كنتُ أريد أن أكون هناك. داخل الفيلم القصير. (أجلسُ مثل البطلة بشكلٍ مريح. أسرد على المخرج بعض التفاصيل القصيرة عن حياتي. يسألني إنْ كنتُ أودّ شرب القهوة. أُخرِج من حقيبتي كتاباً. مرآةً. بطاقةً بريديَّة. تفاحةً. دفترَ يوميّات. تذكرةَ سفرٍ جديدة. خاتماً. محفظةً. قلماً. علبة سجائر. قد يقول المخرج: هدوء إنّنا نصوّر... فيلماً قصيراً. في الأخير، سيكتشف المخرج أنّ هذه الأشياء ليست لي. أنّ التفاصيل القصيرة والحياة، بأكملهما، ليستا لي). قبيل انتهاء الدوام، توصّلنا، جميعاً، بإيميلٍ من المديرِ. إيميل قصير. يقول، في أسطرٍ قصيرة، إنّ علينا أن نكون متعاطفين مع مارك، وأنْ نعبّر لأسرته عن مدى تضامننا معهم في مصابهم. المدير رجلٌ قصير لكنّ إحساسه بالآخرين عالٍ جدّاً. عند بوّابة الخروج، سألتني مادلين: هل تظنّين أنّ حالة مارك ستتحسّن؟ لا، إنّه سيموت. أردفتُ قائلة. غادرتُ العمل بمعنويّات مرحة. كم أودّ لو نموت جميعاً! لو يأتي بشرٌ جدد، إلى هذا الكوكب، بعقولٍ سليمة. إنّها حقيقةٌ قاسية. في المترو لم أصادف شابّةً بثوب قصير. لم أنظر إلى أحد. لا يوجد شيءٌ في الأساس حتّى أنظر إليه. العالم فارغ. أمضيتُ العشيَّة كاملةً، في شقّتي، أرقنِ تقريراً عن معرضٍ أقيم الشهر الماضي. تلذّذتُ كأس نبيذٍ أبيض. بدأتُ أفكِّر في طريقةٍ تجعلني أتحوّل إلى حيوانٍ مفترس بذيلٍ قصير، أذنين قصيرتين، ولسان قصير. فكّرتُ كيف أتخلّص من الأسماء العالقة بذاكرتي؟ كيف أكفُّ عن الذهاب إلى الفراش خائفة؟ أخذني التفكير إلى أن مللتُ من الحقيقة. تذكّرت الفيلم القصير ثمَّ غفوتُ. كان المخرج يجلس غير بعيد: هدوء أنّنا نعيش... حياةً قصيرة!
نبض