تسهيلاً لفهم النظريات المرهقة، ثمة مقاربة عملية تبسّط المكتوب على الورق. هذا للتلامذة، ممن يعانون استيعاب تحولات المسافة والأرقام والحياة. يُعامل الشعب في بعض الكوميديا السورية بالمثل. فالمختار اختزال لنظرية الرئيس الأبدي الذي لا يرحل.
تُعلّق صوره في كل الأماكن، متعاظمٌ دائماً ويرى الناس قذارة. نتحدث عن باسم ياخور في دور مختار "أم النار"، صاحب الشأن الأكبر في القرية والقرى المجاورة. وفي مسلسل "حدود شقيقة" عبر "الجديد"، نتعرّف الى شخصيات العمل فنجدها في أغلبيتها معتادة على ألا تكون كائناً. الذي هو كائن اسمه المختار، ينهض من النوم متى يشاء، فثمة فارق ما بين القيادة والطبقة الكادحة. من مواصفات القائد ان يخشى "المؤامرات" التي قد تخلعه عن العرش، وإلا شُبّه بالشعب، ولا قدّر الله ذلك.
نظرية "المؤامرة الكونية" جزء من المشهد الكوميدي، يكثفها باسم ياخور بعينيه الجاحظتين ومصطلحاته الفوقية، وأناه المنتفخة. ثم يتحدث عن أوضاع عادية وأخرى استثنائية تمرّ بها القرية (الأمة): "المختار لا يقابل الجماهير في الظروف العادية، فكيف الحال بالاستثنائية؟". (!) عسى التعجّب ينفع.
يختصر ياخور عملاً من كتابة حازم سليمان واخراج أسامة شهاب الحمد، والاختصار مفيد وإنما ليس دائماً. على الجهة المقابلة حيث تنتظر البقية، نجد مختار "أم النور" غبريال يمّين من دون صلاحيات أو هيبة. جديرة بنجم "نيال البيت" وعشرات الأعمال المسرحية مكانة أكبر ودور نوعي مختلف بعض الشيء عما قد يؤديه ممثل بخبرة أقل. كأن يشكّل منافساً قوياً للمختار وتكون له ضرورة لإعادة حساباته، وسبباً خارجياً كي يقلق (تيسير ادريس في دور سليم، صهره، يتحيّن الفرص ليصبح هو المختار). العمل، حتى اليوم، يفرد لياخور المساحات الشاسعة كلها وغلّة الموسم، حتى جاء معظم المَشاهد التي يغيب عنها دون الانطباع الذي نتوقع.
خفيفة الظل ليليان نمري في دور سميرة العاشقة لرجل من خيالها. كاد ثقل اللهجة المنصوص عليها في العمل يشكل عائقاً أمام عفوية الموقف الكوميدي، تحديداً لجهة الأسماء اللبنانية المشاركة. ولكن وجوهاً، مثل نمري ومجدي مشموشي وبرناديت حديب مثلاً، قادرة على اختراق جدار الصوت لو تطلّب المشهد محاولة.
والممثل جمال العلي في دور حسن، اليد اليمنى للمختار ومستشاره في الشروق والغروب والتوقيت المناسب للالتفات الى شؤون الأمة، دليل الى ان الحاكم يمسك رقاب العباد وفق املاءات أخرى. الثنائي المختار- حسن، يسهّل فكّ البيانات السرية لمعضلة القيادة: الرجل الواحد الذي يظهر في الاعلام (ساحة القرية) راسماً مستقبل الجماهير، غالباً يتلو ما يوائم "أجندة" الآخرين (هم أحياناً أدنى منه مركزاً وأضواء وشهرة). لذلك نجد المختار عاجزاً عن بتّ اي موقف من دون مشورة.
تُكتب الخطب التاريخية، وتُقدَّم على ورقة لتُقرأ في اللحظات المصيرية، كخطاب المختار أمام الحشد بعدما انتشرت في القرية شائعة وفاته، فإذا بخطأ "تقني" يحول دون قراءة الورقة الصحيحة، فيلقي في الجماهير جُملاً لا صلة لها بما يسمّى "دحض الشائعات المغرضة".
شيء من المرور على بعضهم أشبه بمتعة. شاعر البلاط نعمان (جمال شقير) وابن المختار مهران (أحمد الأحمد). يطلب المختار من نعمان قصيدة لرفع المعنويات، فيلاقيه بالتوت وبعض الفاكهة، وأحياناً بالموت حين تختلط عليه الأوراق. الابن مهران صورة الحاكم الحقيقية: قليل النظافة، أشبه بالقابع في غيبوبة، يرفضه الأصدقاء والمجتمع. كانت الأقلية في القرية تخطط للتظاهر ضد "أبدية" المختار، فإذا بشعار "لا للذل" يُكتب "لا للظل" قبل ان تُلغى التظاهرة!
[email protected]
Twitter: @abdallah_fatima
الأكثر قراءة
نص المرسوم رقم (98) لعام 2026 على تعيين عبد الرحمن بدر الدين الأعمى أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية... جاء تعيينه خلفاً لماهر الشرع، وذلك في إطار توجهات لتعزيز مبدأ فصل العلاقات العائلية عن المسؤولية العامة.
نبض