أجد في أعمال علوية صبح الروائية، "مريم الحكايا"، "دنيا"، و"اسمه الغرام"، تحقيقا إبداعيا لتطلعاتنا العربية إلى العالمية، ولإبراز ذلك وتجليته جماليا ونقديا، أُقْصِرُ دراستي على "دنيا"، الصادرة لدى "دار الآداب"، وعلى أبعادها الثلاثة الكبرى الواسمة للأدب الرفيع العالمي المتحضر: الكشف عن النفس البشرية، كشف المشكلات الاجتماعية، وكشف القضايا الروحية والفلسفية.
الرواية جديرة بتصنيفها باعتبارها من الآداب العالمية، من الرواية المنطوية على طاقة جمالية كبرى، كاشفة لما ينغل في المجتمع اللبناني، ولما يمور في هذا المجتمع من مشكلات اجتماعية إنسانية معقدة تعقد الحياة الإنسانية المعاصرة ذاتها، وهي بذلك تكشف عن تمثل واع لقضايا الروح وفلسفة الحياة التي يحياها هذا الإنسان العربي، في مجتمع محتقن بالاحترابات والصراعات من كل نوع، لا تُنْسي هذا الإنسانَ رغائبه ومطامحه وتطلعاته واستيهاماته الجنونية في أن يحيا الحياة التي يرغب. فكيف قام التمثيل الروائي باسترفاد حيوات هذا الإنسان اللبناني العربي؟ ما الذي يسم "دنيا" بميسم التحضر والعالمية؟ وكيف نجحت الرواية - هاته في محاكاة الواقع محاكاة جمالية؟ وما هو التصور الفكري والجمالي الذي تنطوي عليه؟
الكشف عن النفس البشرية
إذا كان "الفن هو الجيش الذي يتقدم الإدراكُ الإنساني بواسطته تقدما عنيدا نحو المستقبل، بمساعدة تقنيات تتميز على الدوام بجدتها وضخامتها"، على ما تقول سوزان سونتاغ في كتابها "ضد التأويل ومقالات أخرى"، فإن رواية "دنيا" تحتشد بهذا الإدراك الإنساني العميق، وتنطوي على تقنيات جمالية روائية لافتة بنوع التمثيل الذي تقترحه وبطرائق التشغيل الفني لهذا التمثيل الروائي. أولى هذه التقنيات وأكثرها لفتا، تقنية "الملاءمة الجمالية"، ونعني بها تضافر عالَمَي الواقع والفن تضافرا تمازجيا ينصهر فيه "الأفق الجمالي" ويجلو "الواقع المعيش" فيصبح هذا الأفق، بكل ما يتسم به من سمات التشويق الآسر، الذي يراود ما هو شائع وعرضي وعابر ومنفلت، جوهريا في رؤيتنا للعالم. تتبدى هذه "الملاءمة الجمالية" في التساوق الشائق بين تعقيد الحياة التي تحكي عنها الرواية، وإلباس هذا التعقيد لبوسات التجريد الفني الروائي، الذي يترقرق مع المنامات والهواجس والأحلام والعتمة المتربصة التي تجثم على المدينة، "كأن الحكاية منام! حتى الآن لا أعرف. الوقت تجاوز منتصف الليل. الأوراق البيضاء التي قرأتها صارت مصبرة تلالا واكواما إلى جانبي على الكنبة. خلال الليالي الأخيرة لي في هذه الغرفة، وفي هذا المبنى بالذات كنت أقرأ فصول الرواية، ما إن أنتهي من إطعام مالك وتنظيفه بالصابون والماء وفرك أسنانه بالمعجون، وغسل فمه في سريره، وإعطائه الدواء لينام نظيفا وشبعانَ مثل الأطفال. ولم يتبق لي منها سوى النهاية التي أخاف أن أقرأها. وإن لم أقتل الكاتبة في الفصل الأخير، فالحكاية لن تكون حكايتي. فأنا أعرف كيف أثأر قتلا، وعائلتي تأخذ بالثأر لأسباب أقل بكثير من كشف أسرار النساء. ترى من التي كتبت أسراري على هذه الأوراق الناصعة البياض مثل وجهي؟ سألت نفسي هذا السؤال وقد حيرتني الكاتبة. أنا التي تروي وصديقتي وجارتي فريال تأخذ عني الكلام أحيانا. والكاتبة كتبت كل ما كنا نحكيه أنا وفريال كل مساء إحدانا للأخرى من أسرار وحكايات بعد أن ينام مالك بسلام. وما أثار استغرابي أنها كانت تحلم بمناماتي في مناماتها، مثلما كنت أحلم أنا بمنامات أبطال الحكاية".
تتكئ "دنيا" على تقنية "الملاءمة الجمالية" فتجعل "حياة الرواية" متشابكة ومعقدة اعتمادا على التمثيل الروائي بما يشابه "تعقيد الحياة"، التي تحكي عنها الرواية، وها إن التباسات الملاءمة الجمالية تنهض على التجريد الفني، إلى حد الإغراء في الإخفاء، فلا نعود ندري من الساردة ومن الروائية، وأيهما تتحكم بروائية الرواية؟ فالتناوب الحكائي يقوم على الإظهار حينا والإخفاء حينا آخر، فليست دنيا وحدها من يجهل" المصير"، وإنما نحن القراء المنغمسين في هذا العالم الروائي الحافل المحتشد بالحياة وكشوفاتها النفسية البشرية، من نجهل أيضا هذا "المصير" المرتقب والمنتظر والوشيك الوقوع في كل آن.
قد يكون متيسرا وفي متناول أي كان الحديث عن "أبطال" هذه الرواية، لكن هذا اليسر يخفي مكرا فنيا جماليا كامنا في اللعبة الجمالية. فمالك البطل المشلول منذ بداية الرواية، هو أيضا الرجل المتسلط كما تقول الرواية في أعطافها التالية لهذه البداية، والبداية ذاتها موشومة بهذا التداخل والتمازج بل والانصهار الفني بين من تحكي وقائع الرواية ومن تكتب تلك الوقائع. الحكي (السرد) والكتابة الروائية متواشجان كأنهما شيء واحد (من المنظور الجمالي)، لأن هذه الكشوفات النفسية البشرية التي تتدفق في الرواية هي كشوفات يشارك فيها القارئُ الروائيةَ المتخيلة والحقيقية معا. فالتباس الحكي ومعه الكتابة الروائية، ينمّان على تجديد في الإبداع الروائي العربي، ينتقل من تلك التجريبية - الروائية المألوفة في إنتاجات روائيي الستينات وما تلاها من عقود- تجديد يُرِينا أن الرواية العربية في بداية الألفية الثالثة تزْخَرُ بالجديد الوثاب الناهض على مقولات جمالية مستخلصة من هذه الحياة الجديدة التي يحياها الإنسان العربي المعاصر. إنها رواية "الحقيقة" التي طالما هفا إليها كل أدباء الحداثة في الآداب الإنسانية كلها.
كشف المشكلات الاجتماعية
تقول سوزان سونتاغ بحق: "ما من نوع أدبي بحاجة ماسة إلى المراجعة والتجديد المستدامين أكثر من الرواية". رواية الحرب اللبنانية استطاعت تحقيق تراكم في الإصدارات الأدبية، بوّأها في العالم العربي مكانة مهمة، أثارت دارسي الرواية بمختلف صنوفهم وأجيالهم. بيد أن رواية "دنيا" تقوم على معادلة فنية جديدة في تمثل مجتمع الحرب بلبنان، لذا نرى الجديد فيها ليس تقنيا فحسب، بل وأساسا في جمالية التمثيل الروائي الذي تسترفده هذه الرواية في محاكاة واقع المجتمع اللبناني إبان احترابه السياسي والاجتماعي، إن في فترة الحرب الأهلية أو في الفترة التالية لها وما خلفته تلك الحرب من ندوب نفسية واجتماعية غائرة عند الجميع، ممن عانوا من تلك الحرب ومن دمارها الخطير. بيد أن تصور علوية صبح لحال المجتمع اللبناني، الفني النقدي الجمالي الثائر على الأوفاق والمواضعات الاجتماعية، يجعل مساهمة الرواية في كشف المشكلات الاجتماعية، ذات خصوصية روائية ينبغي الالتفات إليها وإيلاؤها ما تستحقه من اهتمام في المتابعة والاستقصاء، وخصوصاً استقصاء الأبعاد الروائية الفنية الجمالية، وما تكتسيه من دور في تعريفنا بما ينغل في المجتمع اللبناني من مشكلات حادة، لها من الخصوصية بمقدار ما لها من التفسير والكشف للمشكلات الاجتماعية.
تتبدى كشوفات "دنيا" الاجتماعية في العلاقات والوشائج التي تربط الأفراد والجماعات في ما بينهم بروابط التكافل الاجتماعي أو الاقتتال والتسلط والقهر، وهي ظواهر اجتماعية تنم على التغير العام في النسيج الاجتماعي وتجعل الأسرة كما الأفراد نماذج لاستجلاء هذه المشكلات الاجتماعية: مشكلات الزواج والعلاقات الزوجية ومكانة الأفراد الأسرية ووضعيات المرأة والرجل في هذه الأسرة وفي ذاك المجتمع. إلا أن القارئ الحصيف لا بد أن تثيره هذه النبرة الحداثية التي تسري في أوصال الرواية مثلما يراد لها أن تسري في أوصال العلاقات الاجتماعية. وتكمن الحداثة، هنا، في الانتصار لما يسميه برتراند راسل بالفردية (أو الفردانية) وهو يحلل هذه المقولة الحداثية الفلسفية في كتابه المهم، "الفرد والسلطة"، وإذا ما استحضرنا رواية "دنيا" ألفينا الفرد، رجلاً أكان أم امرأة، رازحا تحت قهر السلطة بكل أشكالها (اجتماعية وسياسية ودينية)، وتعمل الرواية على الإعلاء من سلطة الفرد في مقابل السلطات الأخرى المناوئة لحرية الفرد ورغباته وتطلعاته وأحلامه بحياة جميلة جديرة بالعيش.
تكشف علوية صبح المشكلات الاجتماعية التي تمزق الفرد وتطيحه والأسرة في أتون الحمى الاجتماعية. فلا عجب إن كانت هذه الرواية تشخص المشكلات الاجتماعية بقدرات فنية عالية. رواية "دنيا" تُعْنى بالفرد المنسي، المنبوذ، المُقْصى، غير المرغوب فيه، وليس البطل مالك إلا واحدا من هؤلاء، وهم كُثْرٌ في الرواية، ومع ذلك لا يتشابهون وإن تقاطعت مصائرهم وتلاقت في الندوب التي تحفرها الوقائع والحوادث الصاخبة في نفوس الشخوص التي تعاني دوما من هذه الندوب، وتلاحقها وتطاردها شروخ الحياة في متاهاتها الكبرى والصغرى سواء بسواء. فدنيا البطلة تعاني إحباطات شتى، وصراعات في القيم التي تتمثلها من المجتمع الذي ولدت ونمت وعاشت فيه، المجتمع الذي يُعْلي قيم الحداثة المتجددة.
كَشْفُ القضايا الروحية والفلسفية
إن الميسم الجمالي الأكبر الذي يسم "دنيا"، هو ثورتها على الرواية التي تسرد قصة فقط، وترسم شخصيات استنادا إلى التقاليد الروائية الشائعة منذ القرن التاسع عشر، وكل ما تشجبه هذه الرواية يقوم، بديلا منه، تمثيل جديد للواقع باستكناه ما هو معتم في أغوار الروح والنفس البشرية، وهي إذ تفعل ذلك في الرؤيا الفلسفية التي تشيدها، تفعل ذلك أيضا في التقنيات الجمالية التي تتأسس عليها هذه الرؤيا، ومن هنا ذلك التلاحم المنصهر الذي يسميه الفيلسوف هانز جورج غادامير بـ"انصهار الأفق الجمالي" في كتابه "الحقيقة والمنهج".
■ باحث وناقد وأستاذ جامعي مغربي.
نبض