رسالة من البطريرك ساكو إلى الصدر: لم أدعُ للتطبيع

استوصوا بالقبط خيراً فإنّ لكم فيها نسباً
Smaller Bigger

هذا العنوان الذي اخترته استقبل به رسول الله المسلمين العائدين من أرض الحبشة هو لسان كل مسلم.


"ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا وقولوا آمنّا بالذي أُنزل إلينا وأُنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون (خاضعون لله)".
"ولتجدنّ أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إناّ نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون...".
"ولما جاء عيسى بالبيّنات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبيّن لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون..."، "وقفّينا على أثرهم بعيسى ابن مريم مصدقاً لما بين يديه من التوراة وآتيناه الانجيل فيه هدى ونور...".
وبعد نزول الوحي ومجاهرة رسول الله بالدعوة وتعرّضه وأصحابه لأذى قريش ألم يشر على بعض أصحابه بالهجرة الى الحبشة، وكان عليها ملك نصراني هو (النجاشي) قائلاً لهم: "لو خرجتم الى أرض الحبشة فإنّ فيها ملكاً لا يُظلم عنده أحد".
قصدت في بداية هذه المقالة أن أبيّن قبل الحديث عن الانفجار الذي هز قلوبنا وجوارحنا، في الكنيسة البطرسية في مصر، أن الإسلام لم تكن لديه مشكلة مع اليهود ولا مع المسيحيين منذ ظهور الاسلام. حارب الاسلام المشركين ومن آزرهم، لكنه وادع أهل التوراة والانجيل من يهود ونصارى وترك لهم خيار البقاء على دينهم ولم يقاتل إلاّ من تصدّى له وحاربه منحازاً الى المشركين وعبدة الأصنام، وهذا ما فعله بعض اليهود. أما النصارى فلا نعرف حادثة واحدة في زمن النبي تروي صداماً بين المسلمين والنصارى العرب من المقيمين في بلاد العرب.
وبالعودة الى ما جرى بالأمس من عمل اجرامي في الكنيسة البطرسية ونفّذه عقل شيطاني لا صلة له بالانسان ولا يمت الى الدين بأي صلة. إنه عمل مرفوض بكل المقاييس لا يمكن تصور أي إنسان مؤمن ينتمي لأي دين سماوي أو حتى أرضي يأمر بقتل الأبرياء أياً تكن الأسباب والمبررات.
هذا التفجير البربري المرفوض والمستهجن يصب في خانة الانحراف عن الدين والإيمان لأنه يتعرض للإنسان وما يرمز اليه من قيم. فهو داء لا تمكن معالجته إلاّ باجتثاثه من جذوره فهو كالسم الزعاف يتجرعه الجميع بسمومه وأحقاده، وهو إن دلّ على شيء فإنه يدل على أنّ هؤلاء القتلة المنحرفين الضالين أضاعوا الهدف وأعادوا سيرة البرابرة في القتال والتدمير والقضاء على كل من يؤمن بالله رب العالمين.
إنّ تعايش المسلمين والمسيحيين كان طوال التاريخ الاسلامي صورة مشرقة، بالرغم من بعض الممارسات الصغيرة من هنا وهناك، والتي لم تؤثر ولم تبدّل في الصورة المشرقة بين الديانتين والتي ستبقى ناصعة البياض بفضل المؤمنين وأصحاب العقل وأولي العلم الميامين. فالوجود المسيحي في العالم العربي بكل امتيازاته ومعاني ثقافته ودور عبادته خير دليل على أنّ هذا الوجود لم يتعرض للعنف، إلا في حالات ضيقة جداً، ومنذ انتشار ظاهرة الإرهاب ومشتقاته وأدواته.
إنّ جريمة الاعتداء على الكنيسة البطرسية ليست مستنكرة فحسب، وليست موجهة ضد إخواننا المسيحيين الأقباط في مصر وقبلها في العراق، إنما هي موجهة ضد المسلمين أولاً لأنّ تعاليم الاسلام التي جاء بها القرآن الكريم مغايرة تماماً لكل ما يحصل من ممارسات غير إنسانية. فمتى كانت فئة تتحمل وزر أخرى؟
إذا قارنا ما يحصل عندنا اليوم من طفرة المذاهب بما حدث خلال حقبة الحروب الدينية في أوروبا نقول مع ما قاله العلامة السيد هاني فحص: "... بعد أن انتهت تلك الفترة المضطربة، نظر الأوروبيون الى مستقبلهم فكفّوا عن نبش القبور وبنوا ثقافة تضامنية قائمة على القانون وحرية الاختيار والتحرر والمواطنة وبناء ثقافة مشتركة من أجل عيش مشترك خالٍ من الأوهام ما يعني أنهم أسقطوا 500 سنة من الحروب الدينية في ما بينهم...
المطلوب من أهل الديانات الثلاث ومن المذاهب الاسلامية على أقل تقدير التأمل في الحقيقة الروحية والتسامي والحوار وطلب المعرفة بالشراكة والمحبة".
ولا بد لي في ختام هذا المشهد المؤلم الجسيم للحدث الكبير إلاّ أن أقول لمن تجرّأ واعتدى على إنسان يؤدي عبادته وصلاته داخل بيت الله: "أدخل الى ذاتك ترى الله في ذاتك فكيف يمكن لتلك الذات أن تقتل الله؟".
أين هذا الوعي من التخبط باسم الدين؟

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 5/20/2026 3:21:00 AM
أحمد الشرع يعتذر لأهالي دير الزور بعد تصريحات والده المثيرة للجدل
آراء 5/19/2026 4:27:00 AM

المسّ بركائز وثيقة الوفاق الوطني –سواء بطريقة مباشرة عبر طرح مشروع "المُثالثة"، أو بطريقة ملتوية عبر المناداة بتطبيقٍ ملتوٍ للطائف تحت شعار تطبيقه "كاملاً" – قد يُدخل البلاد في سجالٍ يدفع بها نحو الحرب الأهلية...

لبنان 5/19/2026 10:50:00 AM
يتحول الطقس تدريجياً إلى متقلب مع أمطار متفرقة ورياح ناشطة تصل أحياناً ٧٥ كلم/س مع ارتفاع لموج البحر ويستمر حتى مساء يوم الخميس
لبنان 5/19/2026 2:15:00 PM
اعتماد أحكام القانون الرقم 194 الصادر عام 2011 بالنسبة إلى المبعدين، واعتبار أحكامه نافذة