وضع الإمام محمد بن عبد الكريم الشهرستاني مصنفات عدة، أشهرها "كتاب الملل والنحل". نشر المستشرق الإنكليزي وليم كيورتن هذا الكتاب في لندن عام 1846، ونشره من بعده الشيخ محمد بن فتح الله في خمسة مجلدات صدرت في القاهرة عام 1946، وتلت هذا الإصدار طبعات أخرى لم تأت بجديد. اليوم، تقدّم "منشورات الجمل" هذا الكتاب في طبعة جديدة حققها وقدّم لها سعيد الغانمي، ملتزما الضبط العلمي الموثق. يعود الشهرستاني إلى الواجهة، ويبهر بموسوعيته الفريدة التي تشهد لثراء الثقافة العباسية وتعدديتها العظيمة في عهدها الأخير.
جاء في كتب الحديث: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة فواحدة في الجنة وسبعون في النار، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة، والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة واحدة في الجنة واثنتان وسبعون في النار. قيل يا رسول الله من هم؟ قال الجماعة". يقابل هذا النص حديث آخر يُعرف بـ"حديث الافتراق"، ونصّه: "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قيل: ومن هي يا رسول الله؟ قال: الجماعة"، وفي راوية أخرى: "ما أنا عليه وأصحابي".
افترق الناس مللاً ونحلاً، وخرجت من كل ملة فرقة تقول إنها وحدها الناجية. دخلت السلطة الحاكمة في هذا السجال، وباتت مؤسسة الخلافة راعية "المناظرات الكلامية". في "الأخبار الطوال"، يروي المسعودي أن الخليفة المأمون "كان نجم ولد العباس في العلم والحكمة، وقد كان أخذ من جميع العلوم بقسط، وضرب فيها بسهم، وهو الذي استخرج كتاب إقليدس من الروم، وأمر بترجمته وتفصيله، وعقد المجالس في خلافته للمناظرة في الأديان والمقالات". في عهد المأمون، انحازت الدولة إلى مذهب المعتزلة، وناصرته، وأعلنت أن القرآن مخلوق وإن كان منزلاً، وأن عقيدة القدر لا تلغي الحرية الإنسانية. اضطهدت الدولة في تلك الحقبة المسلمين من أهل السنّة والجماعة الذين لم يقبلوا الاعتزال، فكانت "المحنة" التي استمرت حتى عهد المتوكل. سار الخليفة الواثق على خطى عمه المأمون، و"شغل نفسه بمحنة الناس في الدين فأفسد قلوبهم وأوجدهم السبيل إلى الطعن عليه"، كما نقل المسعودي في "التنبيه والإشراف". امتدت ذيول المعركة "الكلامية" حتى بدت شرطاً من شروط افتداء الأسرى المسلمين من الروم، فكان مندوبو الخليفة يسألون كل أسير: "كلام الله مخلوق أم لا؟"، فمن قال "مخلوق" أطلقوه، ومن قال "غير مخلوق" تركوه في أيدي الروم.
انشغل أهل العلم والكلام بهذه المعارك، وانقسمت الفرقة الواحدة فرقاً متحاربة تكفّر كلٌّ منها الأخرى. في "البصائر والذخائر"، تطرّق أبو حيان التوحيدي إلى تكفير المعتزلة بعضهم للبعض الآخر "لخلاف عارضٍ في بعض فروع الشريعة"، وقال "أبو هاشم يكفر أباه أبا علي الجبّائي وأبو علي يكفّر ابنه"، و"أن أختاً لأبي هاشم تكفّر أباها وأخاها، وأما أصحاب أبي بكر ابن الإخشيد، كالأنصاري وابن كعب وابن الرمّاني وغيرهم، فكلّهم يكفّرون أبا هاشم وأصحابه"، وتساءل: "وما أدري ما هذه المحنة الراكدة بينهم، والفتنة الدائرة معهم. أين التقوى والورع والعمل الصالح ولزوم الأولى والأحوط؟". على رغم هذه الحروب المستمرة، تعايشت الملل والنحل المتقاتلة وتلاقحت بشكل مثمر، وعرف الفكر الإسلامي تعددية مدهشة في المذاهب والعقائد. تغيّرت الأحوال بين حقبة وأخرى، وتحوّلت الفرقة الحاكمة فرقة مضطهَدة مع تحوّل سلطة الدولة عنها. انتهج الخليفة المتوكل سياسة معاكسة لسياسة أسلافه، فهجر الاعتزال ورفع المحنة، و"أحسن الصنيع لأهل السنّة، بخلاف أخيه الواثق وأبيه المعتصم وعمّه المأمون" الذين "قرّبوا أهل البدع والضلال من المعتزلة وغيرهم"، كما كتب ابن كثير في "البداية والنهاية".
الدين والحكمة
تتلمذ أبو الحسن الأشعري في البصرة على يد الإمام المعتزلي الجبائي، ثم تركه وجاهر بخلافه معه، وانتقل إلى بغداد، وأسّس مذهباً جديداً عُرف باسمه. شنّ الحنابلة حرباً على الأشعرية من موقع المدافعين عن الأفكار السلفية، ووقع الأشعرية يومذاك ضحية للحرب التي استهدفت المعتزلة والفرق التي عُرفت باسم "الروافض" و"المبتدعة" و"الباطنية". في تلك الفترة العصيبة، كتب الإمام أبو القاسم القشيري رسالة حملت عنوان "شكاية أهل السنّة بحكاية ما نالهم من المحنة"، وفيها ردّ على الذين اتهموه بالخروج عن الجماعة والسنّة. نهضت الأشعرية سريعاً من كبوتها، وأضحت في العصور الوسطى المتأخرة أحد المذاهب الكلامية الأكثر انتشاراً في العالم الإسلامي، وحظيت في عهد السلاجقة بدعم رسمي واسع بعدما تبناها الوزير نظام الملك، وجاء ذلك بعدما عانت من عداء الدولة البويهية لها. في زمن السلاجقة، برز عدد كبير من الأئمة والعلماء، منهم محمد بن عبد الكريم الشهرستاني الذي ترك مجموعة من المصنّفات الكلامية تشهد لتعمقه في علم الكلام، أشهر هذه المصنّفات "كتاب الملل والنحل" الذي تميّز فيه بخروجه عن دائرة الفرق الإسلامية، وعرضه لعقائد أهل الكتاب من اليهود والنصارى وأشهر فرقهم، وتعريفه بـ"من له لهم شبه كتاب"، من فرق المجوسية والأثنينية والمانوية. كذلك، تناول الشهرستاني في بحثه فرق "أهل الأهواء والنحل"، واستعاد الميراث الفلسفي في أربعة أبواب، فاستعرض نتاج "الحكماء السبعة"، ثم "الحكماء الأصول" و"متأخري حكماء اليونان" وبعدهم "المتأخرين من فلاسفة الإسلام"، وختم كتابه بفصل حول "آراء العرب في الجاهلية"، وفصل حول "آراء الهند".
طُبع الكتاب للمرة الأولى في لندن عام 1846، وحقّق الطبعة الأولى المستشرق الإنكليزي وليم كيورتن الذي اعتمد ثلاث مخطوطات كاملة من محفوظات المكتبات البريطانية. بعدها، أصدر الشيخ محمد بن فتح الله الكتاب في القاهرة عام 1946 في خمسة مجلدات، مع مدخل طويل احتلّ نحو مئتين وخمسين صفحة، ومجموعة من الفهارس في أكثر من مئة وثمانين صفحة. في النصف الثاني من القرن العشرين، صدر "الملل والنحل" في طبعات أخرى لم تأت بجديد كما يبدو. اليوم، تضيف "منشورات الجمل" إلى هذه الطبعات طبعة جديدة تلتزم "الضبط العلمي الموثق"، وتسعى إلى "تخليص الكتاب من الآثار التي ابتذلته وأفقدته نضارته النقدية"، كما جاء في كلمة التصدير. حقّق هذه الطبعة الجديدة سعيد الغانمي، معتمداً اثنتي عشرة نسخة، أهمّها نسخة بخط الشهرستاني نفسه، وهي من محفوظات مكتبة الإسكوريال في اسبانيا. وضع المحقّّّق مقدمة للكتاب تناول فيها سيرة الشهرستاني وآراءه الكلامية ثم كتاب "الملل والنحل" وكيفية تحقيقه. تنقل هذه الطبعة الجديدة النص الأصلي بعد ضبطه وتوثيقه بشكل علمي متين، وتفتح الباب أمام المختصين لتفنيد محتوياته وتبيين معانيها.
يمثل كتاب الشهرستاني موسوعة تختزل معارف العصر العباسي في حقل الملل والنحل والبدع والأهواء بفرقها المتعددة التي يصعب احصاؤها. كتب المؤلف في مقدمة كتابه: "شرطي على نفسي أن أورد مذهب كل فرقة على ما وجدته في كتبهم من غير تعصب لهم ولا كسر عليهم، دون أن أبيّن صحيحه من فاسده وأعين حقه على باطله، وإن كان لا يخفى على الإفهام الذكية في مدارج الدلائل العقلية لمحات الحق من نفحات الباطل". تشهد هذه الكلمات لمنهج الباحث في البحث، وتعبّر عن "حيادية" نادرة من قبل إمام من أئمة الأشاعرة الشافعية. يقارن سعيد الغانمي بين منهج الشهرستاني ومنهج "زميله" الشافعي عبد القاهر البغدادي، صاحب كتاب "الفرق بين الفرق". يستعرض الأول آراء "خصومه" بتجرّد، ويبتعد عن منطق "التكفير"، مكتفيا بـ"التخطئة والتصويب"، مميزاً بين التكفير الذي يعبّر عن "حكم شرعي" و"التصويب" الذي يعبّر عن "حكم عقلي". في المقابل، يعتمد البغدادي أسلوب التكفير، ويتجلّى ذلك بشكل صارخ في تأكيده أن "ضرر الباطنية على فرق المسلمين أعظم من ضرر اليهود والنصارى والمجوس عليهم، بل أعظم من مضرة الدهرية وسائر أصناف الكفرة عليهم، بل أعظم من ضرر الدجال الذى يظهر في آخر الزمان، لأن الذين ضلّوا عن الدين بدعوة الباطنية من وقت ظهور دعوتهم إلى يومنا أكثر من الذين يضلّون بالدجّال فى وقت ظهوره لأن فتنة الدجّال لا تزيد مدتها على أربعين يوماً وفضائح الباطنية أكثر من عدد الرمل والقطر". يدين الشهرستاني بعض فرق الشيعة بشكل لا لبس فيه، غير أنه يتجنب التكفير، وهذا ما جعل البعض يتهمه بـ"مداهنة الاسماعيليين". وذهب البعض الآخر إلى القول بأنّ له ميولاً سرية نحو هذه العقيدة، ومنهم ابن تيمية الذي رأى أن الشهرستاني بالجملة "يظهر الميل إلى الشيعة، إما بباطنه وإما مداهنة لهم"، و"أكثر ما ينقله من المقالات من كتب المعتزلة، وهم يكذبون بالقدر".
قبل ابن تيمية، لاحقت تهمة الإلحاد الشهرستاني في حياته، واتهمه البعض بمجاراة الإسماعيليين، ومنهم الإمام محمود الخوارزمي الذي قال فيه: "لولا تخبطه في الاعتقاد وميله إلى هذا الإلحاد، لكان هو الإمام. وكثيراً ما كنا نتعجب من وفور فضله وكمال عقله وكيف مال إلى شيء لا أصل له واختار أمراً لا دليل عليه لا منقولاً ولا معقولاً، ونعوذ بالله من الخذلان والحرمان من نور الإيمان. وليس ذلك إلا لإعراضه عن نور الشريعة واشتغاله بظلمات الفلسفة، وقد كان بيننا محاورات ومفاوضات فكان يبالغ في نصرة مذاهب الفلاسفة والذبّ عنهم".
سبق الشهرساني في الكتابة عن "الملل والنحل" بفروقها الكثيرة العديد من العلماء، وعُرف هذا العلم بـ"علم المقالات". ألّف المتكلم المعتزلي زرقان كتاب "المقالات" في زمن تبنّي الخلافة العباسية مذهب الاعتزال. ومن بعده وضع أبو مطيع مكحول بن الفضل النسفي كتاب "الردّ على أهل البدع والأهواء"، معتمداً في تصنيفه على "حديث الافتراق" الشهير، فجعل الفرق في ست مجموعات تتفرع اثنتين وسبعين فرقة، وجعل من "الجماعة" الفرقة الثالثة والسبعين. اعتمد المتكلمون الأشاعرة هذا التقسيم، ومنهم الشهرستاني الذي تميّز بخروجه عن منطق التكفير الذي شاع في عصره. أعجب ارنست رونان بمنهج الشهرستاتي، فامتدحه وقال: "ما كان في غير الإسلام لِيُمكنَ وضع كتابٍ في القرون الوسطى ككتاب الشهرستاني، تُعرَضُ فيه بإنصاف حال الفرق الدينية والفلسفية التي تقتسم العالم في ما بينها، فيعترف فيه بالنواحي الطيبة من كل دين". على مثال رونان، بالغ البعض في الحديث عن "تجرّد" الشهرستاني و"حياديته"، فالكاتب يبقى شافعياً تقليدياً، وهو "يتسامح" مع الفرق الإسلامية وحدها، ويكفّر الباقين وفقاً للرأي السائد في عصره، ويتجلّى هذا الموقف في قوله: "وإنما ذكر هذا في الإسلاميين من الفرق، وأما الخارجون عن الملة فقد تقررت النصوص والإجماع على كفرهم وخطئهم، وكان سياق مذهبه يقتضي تصويب كل مجتهد على الإطلاق، إلا أن النصوص والإجماع صدّته عن تصويب كل ناظر وتصديق كل قائل".
تثير فصول "الملل والنحل" الكثير من الأسئلة، ويحتاج كلّ باب من أبوابها إلى بحث مستقل. يصيب الشهرساتي في كثير من المواقع، كما يخطئ في الكثير من المواقع، وتظهر بعض الأخطاء الفادحة في حديثه عن الفرق اليهودية والنصرانية، على سبيل المثال لا الحصر. بالرغم من هذه العيوب، تشكل هذه الموسوعة خزانة عملاقة من المعلومات تشهد لثراء المكتبة العباسية وتعددية مراجعها الثقافية المدهشة في زمن تقاتل فرق الملل والنحل وأهل البدع والأهواء.
نبض