بينما يكثر الكلام عن "داعش" والتساؤل عن مصدرها فينظر البعض إليها على أنها نتاج عمل استخباراتي صهيوني، يرى آخرون أنها وليدة مؤامرة أميركية لتفتيت المنطقة، يكشف فواز جرجس عن الأسباب الحقيقية وراء خلق "داعش" ونموها، في كتاب يتميز بالرصانة والاتزان بعيداً من نظريات المؤامرة ويعطي إجابات منطقية وواضحة وموثقة. ¶
الكتاب بنسخته العربية "عنوانه: "داعش" إلى أين؟ جهاديو ما بعد القاعدة"، عنوانه الانكليزي هو: "داعش": تاريخ"، وذلك لأن "داعش"، برأي الكاتب، تختزل مرحلة من تاريخ المنطقة، بما فيها من مشاكل تمخضت عن نمو التنظيم. فبحسب تعبيره، "داعش لم تسقط من السماء"، ولكنها وليدة ظروف تمر بها المنطقة ومشاكل متراكمة منذ سنين.
ويقتفي الكاتب أثر التنظيم، إلى "القاعدة في العراق" التي أسسها أبو مصعب الزرقاوي وضعفت جراء الصحوات واتجهت إلى العمل السري. وساعدت سياسات المالكي المذهبية واجتثاث حزب "البعث"، "القاعدة" على استقطاب المجندين. كما أن الصراع الجيوستراتيجي والجيوطائفي في المنطقة شكل ما يشبه "الهدية الإلهية" لـ"داعش". ففي رأيه أن كثراً من السُنة قدموا يد العون لـ"داعش" لما رأوا فيها من رد "موازٍ و فعال" للهيمنة الإيرانية، على رغم أنهم لا يوافقون على أساليبها الهمجية. واستفاد التنظيم من استياء السنة من تلك الهيمنة لحشد المؤيدين، واستطاع من جراء هذا الإحباط السني أن يبرز أبو بكر البغدادي ويكون خلفاً للزرقاوي، ويستقطب عناصر بعثية إلى تنظيمه.
كما يفسر جرجس، خلافاً لما يظنه كثيرون أن منظمات استخباراتية وراء تمويل "داعش"، أن "داعش" مستقلة التمويل، فتمويلها من خلال فرض الضرائب أو عوائد الأصول التي تحت سيطرتها أو العمليات الإجرامية. ويشرح كيف تمكنت "داعش" من التغلغل إلى حد ما في المجتمعات المحلية في المناطق التى تحت سيطرتها. كما يفند الأيديولوجيا ويبين سر جاذبيتها للشباب، خاصة من المجندين الأجانب من البلدان الغربية، ويقدم تحليلاً عميقاً لايديولوجيا "داعش" والنصوص التي تعتمدها.
فبينما نفاجأ بوحشية التنظيم، يعرض الكاتب رؤية "داعش" للعالم بما يفسر تصرفاتها الهمجية. ويشرح صلتها بالمنظمات الجهادية وكيف استطاع البغدادي سحب البسط من تحت أقدام "القاعدة"، المنظمة الجهادية الأم.
ويخلص إلى أن "داعش" هي نتاج صراع الهويات في المنطقة وفشل الدولة العربية الحديثة. ويستخلص أنه ما دامت الظروف التي أدت الى نشوء "داعش" موجودة، لا سيما المنافسة الإقليمية بين ايران من جهة والمملكة العربية السعودية من جهة أخرى، فالمنافسة بين النظام المعتنق المذهب الوهابي وايديولوجية ولاية الفقيه لن تؤدي سوى الى زيادة الاحتقان الطائفي، مما يصب في مصلحة "داعش".
ويعرض الكاتب أمراً لم يحلله غيره من الذين كتبوا عن "داعش" أن استعمال صدام حسين عامل الدين وإطلاقه حملة "الإيمانية" في التسعينات، جعلت من أعضاء القوات المسلحة يقبلون على ممارسة الشعائر الدينية. كما صور صدام حربه خلال أزمة الكويت حرباً على الأنظمة الكافرة. وعلى الرغم ان التسعينات لم تشهد نشاطاً للمتطرفين، فإن تدمير الولايات المتحدة للدولة العراقية أعطى إطاراً سهّل ترويج فكرة الجهادية لاعضاء الحزب المنحل. ويشرح أن النظام الطائفي الذي وضعه الأميركيون خلق الجو المناسب للصراع المذهبي. فاجتثاث "البعث" دفع بأعضاء الحزب إلى حمل السلاح تحت عنوان مقاومة الاحتلال. ويتابع أن الزرقاوي حول مقاومة الاحتلال صراعاً طائفياً من خلال القيام بعمليات إرهابية على الشيعة. ويفسر الكتاب كيف انتقلت الجهادية السلفية في العراق من الزرقاوي إلى البغدادي، وكيف تعلم البغدادي من أخطاء الزرقاوي، وبذلك استطاع من فلول "القاعدة" إعادة بعث التنظيم.
ويضيف جرجس أن السياسات الخاطئة في العراق، لا سيما الإبقاء على المالكي مما سمح له بعكس سياسة "الصحوات" وتفعيل ممارسات مذهبية ضد السُنة، دفعت بـ"البعث" المنحل في أحضان التنظيم المتطرف. كما أن الحرب السورية والفوضى التي خلقتها، والضغينة على النظام العلوي الذي نكل بالسُنة، أوجدا أرضاً خصبة لـ"داعش" لتنمو وتتمدد، وبذلك كانت الرقة المحافظة الأولى تسيطر عليها "داعش". ويتطرق الكتاب إلى الصراع بين القوى الجهادية، فيعرض كيف تمددت "داعش" على حساب "جبهة النصرة"، ويطرح الشرخ الذي حصل بين أبو محمد الجولاني، زعيم "جبهة النصرة" والبغدادي. ويخلص إلى أن "الربيع العربي" لم يفشل، و لكن أجهضته الأنظمة التي ترفض التغيير، وبذلك أدخلت الطائفية والإقليمية والعشائرية لتغير مسار الثورات من مطالبة بحرية وكرامة إلى اقتتال طائفي. وبذلك يقول الكاتب إنه ليس من الموضوعية بشيء كما يرغب المنظرون أن يُرجعوا "داعش" إلى عامل الانتفاضات العربية فقط.
ويرى أنه لا يمكن محاربة "داعش" بالقوة فحسب، فهي، وإن خسرت على الأرض، تختفي إلى حين وتلجأ إلى العمل السري حتى تسنح الفرصة لتعود وتظهر على السطح بشكل مختلف كما حصل مع سابقتها "القاعدة" التي ضعفت من جراء سياسة "الصحوات" في العراق، لكنها اغتنمت فرصة "الربيع العربي" حتى تنبعث بشكل أعنف وأقوى تمخض عن "داعش". وهنا يذكر جرجس أهمية القضاء على مسببات الإرهاب، ومنها حل القضية الفلسطينية التى تمثل السردية المركزية التي يستعملها كل الجهاديين في العالم. كما يشير إلى السياسات الحالية لمحاربة "داعش"، ومنها مراقبة الحدود التركية التي يتسلل منها المقاتلون الأجانب الذين يمثلون شريان الحياة للتنظيم، لكونهم يحاربون بدافع أيديولوجي وليس مصلحياً، بخلاف المجندين من المناطق التي يسيطر عليها "داعش" والذين انضموا إلى التنظيم بسبب الحاجة وليس العقيدة.
والقضاء على "داعش" بشكل نهائي، بحسب الكاتب، يتطلب "تجفيف الحاضنة الاجتماعية" التي يستمد منها التنظيم قوته. وبينما فصل الكاتب الأسباب التي أدت إلى ولادة التنظيم ونموه، عاد بالتحليل سنوات الى الوراء. لكنه بالنسبة إلى الحلول، اكتفى بإعطاء أفكار عامة. خلاصتها أن القضاء النهائي على "داعش" يتطلب حلاً سياسياً ومصالحات وطنية ومذهبية وتجديد مناهج التعليم، كون الأفكار هي الخط الأول للدفاع في وجه الأفكار الرجعية، وكل ذلك يمثل مشروعاً نهضوياً شاملاً يتطلب أعواماً من العمل الدؤوب.
¶ فواز جرجس أستاذ في العلاقات الدولية وأستاذ غير متفرغ في دراسات الشرق الأوسط المعاصر في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية
الناشر: "مركز دراسات الوحدة العربية"، أيار 2016
العنوان بالإنكليزية ISIS: A History
ترجمة محمد شيا
الأكثر قراءة
اتّسمت الحلقة الثانية من مرحلة المواجهات بأجواء حماسية، مع استمرار النجوم المدرّبين رامي صبري وداليا مبارك والشامي في اختيار الأصوات المتأهلة إلى المرحلة المقبلة.
مشهد عكس الشغف اللبناني بالحياة والفن والموسيقى، والتقاطع الثقافي بين لبنان وإيطاليا.
نبض