يشير الأستاذ إبرهيم حيدر ("النهار" 14 حزيران 2016) إلى أنّ تقليص منهج الفلسفة في المرحلة الثانوية يشكّل "رسالة سلبية إلى المتعلمين والمدرسين"، وأنّه بُني على رأي عيّنة من المدارس لا تعبّر بالضرورة عن رأي غالبية المعنيين بالمادة في القطاع التربوي. وعقّب الأستاذ منير صادر ("النهار" 6 تموز 2016) طارحاً ضرورة التجديد في هذه المادة. أودّ أن أضيف إلى هذا النقاش، مشيداً بهذه الخطوة عسى أن يكون القرار تمهيداً لإعادة النظر في هذه المادة من حيث الهيكلية والمنهج وآليات التدريس.
قمت بالإطلاع على محتوى منهج الفلسفة في الهيكلية الجديدة للتعليم والقديمة بواقع الحال بعد مرور أكثر من عقدين على إقرارها)، وكذلك اطلعت على كتاب الفلسفة (التعليم الثانوي - السنة الثالثة) الصادر عن المركز التربوي للبحوث والإنماء المتعلق بفروع الإجتماع والإقتصاد والعلوم العامة وعلوم الحياة (دون فرع الآداب والإنسانيات الذي يستدعي مقاربة أخرى). وعاينت هذا الكتاب من وجهة نظر غير متخصص في الفلسفة، ولكن في تطبيقاتها العملية في ما يتعلق بالأخلاق (أخلاقيّات العمل). لا شك في أنّ هذه المناهج تعكس جهوداً مشكورة لمن وضعها، غير أنني لاحظت الأمور التالية - على سبيل المثال - التي تستدعي إعادة النظر:
(1) التركيز على الجانب النظري:
¶ إنّ الحرص على تغطية مفاهيم فلسفية متعددة أدى إلى تشعب المحاور والموضوعات. ولعله كان من الأفضل اختيار محاور وموضوعات أقل، وعرضها بطريقة تشمل الابعاد التطبيقية. لو أخذنا الفصل المتعلق بالحاجات والدوافع لوجدناه سبعة محاور يغلب عليها الجانب النظري من دون أي إسهاب في ما تعنيه تلك المضامين في الحياة العملية. ولو اعتبرنا أنّ طالب الفروع الثلاثة أعلاه سيتوجه غالباً إلى حقول الهندسة بفروعها، أو العلوم (الأحياء/ الكيمياء/ الفيزياء/ الطب)، أو إختصاصات أخرى مثل علم النفس/ علم الإجتماع/ التربية/ علوم سياسية/ الإقتصاد/ إدارة الأعمال، لوجدنا أن الأمثلة التطبيقية الملائمة لهذه الإختصاصات تكاد تكون معدومة.
(2) التركيز على التغطية الأفقية من دون التغطية العمودية المعمّقة.
¶ يحتوي المنهج على أفكار الكثير من الفلاسفة بطريقة يصعب فيها - إلاّ عبر الحفظ - الإلمام الصحيح بكل هذه الأفكار والآراء مجتمعة. ففي فصل اللغة أيضاً ترد أسماء وأفكار: أندريه مارتينيه، رومان ياكوبسون، ديكارت، كولر، فون فريش، بافلوف، داروين، أومبردان، مرلو بونتي، سوسور، آلان، لاكان، فاليري، برغسون، لافيل، الخ. هل هناك حاجة ملحة لطلاب غير متخصصين في الفلسفة، ولن يتخصصوا فيها أن يتعرفوا الى كل تلك الأسماء والمفاهيم التي لا تساعد في بناء التفكير النقدي أو في بناء منهجية تفكير راقية في الإختصاصات التي سينشدونها؟
¶ ينطبق هذه الأمر على فصل الأخلاق حيث يظهر الحرص على شمولية الطرح على حساب الإنتقائية المدروسة. ففي هذا الفصل تعرض مدارس مذهب اللذة (دوسيرين/ أبيقور) الاوديمونية (افلاطون/سبينوزا/ الديانات)، النفعية (بنثام/ ستوارت ميل)، الشعور مع الآخر (شوبنهور/ كومت)، الإنسجام مع الطبيعة (نيتشه/ برغسون)، أخلاق الواجب (كانط)، أخلاق الحرية (سارتر). قارِن هذه المقاربة مع مع ما يتمّ اعتماده في بعض الجامعات في موضع أخلاقيات العمل - على سبيل المثال - حيث يتم التركيز بشكل معمّق على ثلاث مدارس أساسية (نظرية الفضيلة لأرسطو - أخلاق الواجب لكانط - النفعيّة لستيوارت مل) ومن ثم تأخذ تطبيقاتها الحيز الأكبر من المنهج الدراسي. تسمح هذه الطريقة في عرض المدارس الأساسية، ثم عرض تطبيقاتها في حالات عمليّة ترسخ تلك المناهج وتزيد قدرة الطالب على فهم الإختلافات بينها وتمييز نقاط قوتها ونقاط ضعفها في الواقع العملي.
ما الذي يفيد الطالب في دراساته العليا وفي خبراته العملية؟ أرى أنّ هناك ثلاثة أمور تهمنا من هذه المادة: (1)تنمية ملكة التفكير النقدي، (2) بناء المقدرة على صياغة حجج فلسفية في إطار تطبيقي، (3) فهم الأخلاق بأبعادها التطبيقية. أزعم أنّ المنهج الحالي ومضامينه - مع الشكر لكل من ساهم فيه - لا يسمح بتحقيق أي من هذه الأمور بالشكل المناسب.
أحسن معالي الوزير بإلغاء بعض المحاور للعام الفائت، وأقترح إعادة النظر في هذه المادة بلجان تضم بالإضافة إلى اساتذة الفلسفة متخصصين تربويين من خارج هذا الحقل لإغناء البرنامج من ناحية المضمون وطرائق التدريس وربط المفاهيم الفلسفية بتطبيقاتها العملية بما يتوافق مع تطلعات الطلاب العملية ونضوجهم الفكري والنفسي.
أستاذ أخلاقيات العمل في كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال، الجامعة الأميركية في بيروت
نبض