محمود عباس يُحرج نفسه ثانيةً. كرر "أبو مازن"، خلال خطابه أمام البرلمان الأوروبي، الترهات ذاتها التي وردت في الخبر الذي انتشر في وسائل الإعلام الفلسطينية وجاء فيه أن "رئيس مجلس المستوطنات" أمر بتسميم مياه الشرب وآبار الفلسطينيين في الضفة الغربية. وبعد يوم تراجع عن تصريحاته عبر بيان صدر عن ديوانه.
ولكن الضرر قد حدث، اتُهِم عباس بالترويج والتحريض المعادي للسامية، وهذه تُهمة مُستهلكة ومتوقعة تُبعد الأنظار عن الظواهر الخطيرة الحقيقية التي تُميز القيادة الفلسطينية العُليا، الانقطاع وعدم الإصغاء للواقع الحقيقي اليومي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني، غياب التنسيق وتبادل المعلومات والأفكار بين وزارات السلطة والسلطة التنفيذية، الاعتماد على مُقربين مُتملقين وعلى الإعلام المحلي الذي لا يتحقق من المعلومات، وفي أحيان كثيرة لا يُدقق فيها ويُبالغ كذلك عندما تكون الحقيقة عن سياسة إسرائيل وذات طابع تجريم كبير.
ووفق وكالة "رويترز"، لم تكن الجُملة التي قالها مُتضمَنَة في النسخة الرسمية لخطابه (المُمل وغير الواضح)، الذي وزعه ديوانه مُسبقًا. يبدو أن ذلك كان مُرتجلاً، كما الحال في اجتماعات حركته أو لقاءاته مع الطلاب الجامعيين الإسرائيليين، عندما صرح أن "التنسيق الأمني مُقدس". وفق ما ورد في "النيويورك تايمس"، فإن ذلك النبأ قد ظهر في موقع أحد مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية، لم يُذكر أي واحد منها، ومن هناك وصل إلى موقع وكالة الأنباء التركية الرسمية "الأناضول" وإلى صحيفة في دبي.
رصد مركز متابعة وسائل الإعلام الفلسطينية تقريراً بثه التلفزيون الفلسطيني الحكومي جاء فيه أن جمعية حقوق المواطن في إسرائيل "كشفت" عن فتوى أطلقها حاخام اسمه شلومو ملمد. ولكن ليس هناك مجلس اسمه "مجلس المستوطنات"، ولا يوجد حاخام يُدعى شلومو ملمد.
لو كان عباس على اطلاع على الواقع، لتحدث في بروكسيل عن المياه، المشكلة المُلحّة التي يواجهها شعبه في فصل الصيف، كتوضيح للواقع اللامعقول الذي يعانيه الفلسطينيون، كان يمكن أن يقول "نحن (ومعنا أوروبا)"، "مُتمسكون باتفاق أوسلو بعد 17 سنة من انتهاء مدته، كممر لإقامة دولة فلسطينية. ولكن، انظروا كيف تستغل إسرائيل صبرنا لتستمر بفرض سياسة الخصخصة غير الإنسانية لمصدر المياه الوحيد الذي لدينا".
كان يُمكن أن يتحدث عن شركة "مكوروت"، التي تُقنن كمية المياه المُخصصة لمنطقة سلفيت لتأمين الطلب المتزايد على المياه في المستوطنات، بدلاً من الحديث عن تسميم المياه.
صحيح أن هناك الكثير من الحاخامات الذين أدلوا بأقوال مريعة عن العرب أو غير اليهود عموماً، وكذلك في إطار تنكيل مواطنين إسرائيليين بالقرى الفلسطينية في الضفة الغربية، واجهنا إلقاء الجيف في آبار المياه، لكن، يكفي القليل من المنطق لإدراك أن ذلك الخبر عار عن الصحة. يشرب اليهود والفلسطينيون من مجمع المياه ذاته. إن "تسميم المياه" معناه الإضرار بالجميع. يُمكن القليل من الوعي التاريخي أن يفيد هنا، ويجعل عباس ينتبه عندما يستخدم كلمات مثل "مياه"، "تسميم" و"يهود".
ولكن، هكذا الحال عند الاعتياد على مفهوم الحاكم الواحد الذي هو الآمر الناهي، الذي يخرق قرارات القيادة العامة (وغير المُنتخبة)، التي ترفض المرة تلو الأخرى إجراء انتخابات في "فتح" ومنظمة التحرير الفلسطينية، والذي يستفيد من صمت البرلمان والذي لا يسمح بوجود عملية ديموقراطية لانتخاب وريث أو ورثة، ليوفر على شعبه فراغاً خطيراً في السلطة عندما يرحل.
نبض