"معركة مفتوحة" من الرّياض إلى جدة

02-07-2016 | 00:49

"النهار" تحاور المؤلف الموسيقي عبدالله المصري: سعيتُ أن أكتب نفسي وأن أكتب وطني في جماله وحزنه وخصوصيته وتنوعه

"النهار" تحاور المؤلف الموسيقي عبدالله المصري: سعيتُ أن أكتب نفسي وأن أكتب وطني في جماله وحزنه وخصوصيته وتنوعه
Smaller Bigger

يُعتبر عبدالله المصري (من مواليد 1962) أحد أبرز ممثلي جيله من المؤلفين الموسيقيين الذين برزوا بعد الحرب الأهلية اللبنانية. حصل على الدكتوراه في التأليف الموسيقي من كونسرفاتوار تشايكوفسكي العريق في روسيا ويقيم حالياً في الكويت حيث يدرّس في جامعتها. قُدمت أعماله في منابر عالمية، من قاعة البولشوي في موسكو، إلى ليفربول فيلهارمونيك، ودار الاوبرا المصرية، والقطرية، وغيرها مع أوركسترا راديو موسكو، وليفربول الملكية، ونانسي السمفونية.تتميز لغته الموسيقية بالتجديد المستوحى من صميم المزاج العربي اللبناني، بعيداً عن موجة الموسيقى التجريبية السائدة، وتعكس أعماله التجريدية، والقصصية، والدرامية، والبساطة التأملية، وتتنوع في قوالب موسيقية عدة.


وصفه منصور رحباني بأنه "أهم سمفونيست عربي سمعته"، وكذلك نوّه بأعماله الدكتور وليد غلمية في مناسبات متفرقة. أجرينا هذا اللقاء معه لمناسبة تقديم عمله "كونسرتو البيانو" قبل أسابيع قليلة مع الفرقة الفيلهارمونية اللبنانية بقيادة لبنان بعلبكي ومع رامي خليفة على البيانو في بيروت، ومنحه وزير الثقافة ريمون عريجي درع الوزارة بالاضافة الى رامي خليفة ولبنان بعلبكي. كتب عنه مارسيل خليفة في هذه المناسبة على صفحته الـ"فايسبوكية": "موهبة فطريّة تكرّست في كونسرفاتوار تشايكوفسكي العظيم حيث صاغ الموسيقى من قسوة الحرب ودافع عن جمال عابر وعن حياة جميلة تعبر كالفراشة على سوار جسر خشبيّ. عثر على الطنين في كوز صنوبرات صليما وأدرك بحواسه وهي تملي على الموسيقى عفويّة مدهشة ومفاجئة. فكيف ينام هذا الصبي في منام حسّه المرهف وفي أعمال الموسيقى، لا نعرف كيف حدث ذلك ومتى!؟".


■ كيف تقدم لنا كونشرتو البيانوالآن وكنت قمت بتأليفه منذ أكثر من عقد؟
- أخشى الكلام عن الموسيقى لان ذلك قد يسطح العمل. حاولت ان اكون تلقائياً وصادقاً ولم أخضع لإغراءات الأفكار المسبقة أو الرغبات المطلوبة، كما لم ارد تكرار ما قيل وما سُمع في عظمة موسيقى البيانو. سعيت أن أكتب نفسي في هذا الكونشرتو وأن أكتب وطني: جماله وحزنه، خصوصيته وتنوعه. وأود أن أشكر رامي خليفه على إخلاصه للنص، وعطائه وادائه الرائعين للعمل عندما سجلناه للمرة الأولى مع أوركسترا غلوباليس السمفونية في موسكو قبل 13 سنة كما في الحفل الاخير مع الاوركسترا الفيلهارمونية في بيروت.


■ عزفت أوركسترا غوتنغين السمفونية، المانيا، الحركة الثالثة من "كونشرتو العود" بقيادة كريستوف ماثياس مولر ومشاركة عازف العود المصري نهاد السيد، الذي أنجزتَ تأليفه في العام 2011. ما هي دلالات آلة العود في هذا العمل؟
- هي في هذا العمل صوت عربي جريح في زمن آلام هذا الشعب وتخبطه بثورات مصدَّرة بشعارات رنانة نتيجتها الخراب.انها تواجه مجموعة آلات الاوركسترا السمفونية ولا تنتمي اليها،كما هي بعيدة عن موروثنا الشرقي. الآلة فيها تفاصيل موسيقية غريبة وقاسية من جهة، وطربية وتعبيرية من جهة أخرى. وقد كتبت صيغة أخرى للكونشرتو نفسه مع آلة البزق، الى جانب العود، لإضافة رنين وبريق أظنهما إيجابيين ويناسبان زخم الأوركسترا السمفونية.


■ كيف تبدأ عملية التأليف الموسيقي؟ ما هي نقطة الارتكاز بالنسبة إليك؟
- تبدأ عملية التأليف بتكون الفكرة العامة للعمل الموسيقي، وهي عادة تكوين فلسفي سيكولوجي، مرتبط برؤية معينة أثرت فيّ. تتمحور هذه المرحلة حول إبتكار البذرة السمعية الأساسية للعمل الذي هو مسار معقد وطويل ودائم وقابل للتغيير والتعديل.


■ هل يجذبك التأليف الموسيقي للرقص؟وهل تبحث عمن يشاركك الرؤية الفنية على غرار شراكة سترافنسكي ودياغيليف مثلاً؟
- نعم، لديَّ أفكار أتمنى أن تبصر النور. لا أحب المقارنات، فالظروف مختلفة بالكامل، ولكن أتمنى أن أوفق بمصمم باليه محترف وذي رؤية ثورية أيضاً.


■ وماذا عن التأليف الموسيقي للأطفال، وخصوصاً اننا نشهد حالياً حركة ناشطة في أدب الاطفال؟
- أظن آخر من كتب تأليفاً موسيقياً محترفاً يخص الطفل هو بروكوفييف. هناك كم هائل من الميوزيكل وأفلام الكرتون الرائعة، ويبقى المشهد سيد الموقف. لديّ مشروع باليه مشهدي أتمنى إنجازه مع رسّام ومفكر مبدع شاب إسمه مجد كردية، وقد بنينا بعض الاسكتشات المبدئية. لكن التنفيذ بعيد قليلا لضيق وقتي بسبب عملي الاساسي طبعاً وعدم القدرة على التفرغ.


■ صدر لك منذ عامين القصيد السمفوني، "مطر"، للسوبرانو والبيانو والأوركسترا، مع أميمة الخليل، ورامي خليفة، والأوركسترا السمفونية "كابيلا روسيا" بقيادة فاليري بوليانسكي، وقد اعتبره العديد محطة محورية في المشهد الموسيقي العربي المعاصر. كيف تشكّلت العلاقة بين النصين اللغوي والموسيقي، وخصوصاً أنك تتعامل مع قصيدة ذائعة الصيت وتمثّل أحد رموز الحداثة الشعرية العربية؟
- يمكن الموسيقى أن تكشف الملامح والمشاعر التي لا يستطيع أن يبرزها الشعر في ذاته. هنا تكمن قدرة إبداع المؤلف الموسيقي. سعيت الى هذا الأمر في"مطر" وحوّلته الى قراءة سمفونية لنص بدر شاكر السيّاب الشعري. من استمع الى العمل لمس ذلك، وكلما أعاد السمع أدرك خلفيات جديدة وجدية مرتبطة بهذا النص الشعري المعاصر.


■ لمن تقرأ من الشعراء والكتّاب العرب؟
- أحب الأدب القصصي أكثر من القصيدة. في وطننا العربي أقف بإندهاش عند قصيدة محمود درويش وشعريته العبقرية وأتمنى للتأليف الموسيقي ان يحذو هذا الطريق الثوري الرؤيوي. محمود درويش هو بيكاسو الشعر العربي المعاصر.


■ كيف رسمت هوية الغناء التعبيري ضمن البناء الدرامي لهذا القصيد السمفوني؟
- كنت واثقاً من ضرورة وضوح النطق العربي السليم والمنطقي أولاً. من هنا لم تكن المساحات الصوتية لإدهاش المستمع بقدر ما هي فكرة لبناء الجمل الموسيقية المتطابقة مع تعبير النص الشعري. وكانت تتوارث في ذاكرتي عبقرية صوت فيروز. وكتبت هذا العمل لصوت أميمة العظيم الذي شكّل مع بيانو رامي خليفة ثنائيا متحدا في غاية الابداع والخصوصية.


■ ماذا يمثل لك صوت فيروز وأسلوبها في الغناء؟ وكيف اختلف مفهوم الاغنية ومكوناتها مع الأخوين رحباني؟
- لن يتكرر صوت فيروز ولا أعلم الأسباب. صوتها خليط عظيم من إمكانات لا متناهية من التعبير عن جزئيات الأحاسيس والانفعالات الانسانية وعلى المستويات كافة.لديها المقدرة أن تشحن المستمع خلال دقيقتين بحالات من الإنفعال والتأثر بشكل لم يستطعه أحد من قبل. التنوع في مساحة صوتها من أقصى البساطة في أغنية لأبسط الناس الى أقصى الطرب للنخبة، ومن أقصى الغرب ورصانته الى أوسط الشرق وسكره المفرط، لم نجده عند أي من "العمالقة"من عظماء الغناء التقليدي المحلي أو الاوبرالي. أبسط ما يمكن قوله انه لم ينجح كل من حاول إعادة تقديم أغانيها أو حتى تقليدها. أما بالنسبة الى الأغنية بمفهومها الذي طوره الاخوان رحباني فهي أعظم ما ابتكِر في الوطن العربي في القرن العشرين. انها قوس قزح من الألوان، والتنويع، والملامح، والأحاسيس في كل المناسبات الانسانية والوطنية. انها قالب مختصر يحمل العطر المنفرد الذي لم يتكرر برغم بساطة مظهره ولكن بعبقرية عمقه. سنستمتع لعقود بهذا الجمال الذي لن يتكرر وأظن أنأحد أسراره هو صوت فيروز.


■ أهديت عملك "مرثاة" (Elegy)للكمان والتشيلو والبيانو في العام 1989 الى عاصي رحباني. لماذا؟
- عاصي ومنصور وفيروز هم زمن وتاريخ خالدان لثقافتنا اللبنانية العربية. رحيل عاصي هزّ كياني، كما هز كيان كل مثقف ومواطن عاش في زمنهم. غاب عاصي وكنت أقصد الثلاثي من حيث الإهداء.


■ هذا العمل غير متوافر حالياً في الاسواق. هل من فرص جديدة في زمن الانفتاح توفر في رأيك للمؤلف الموسيقي العربي إمكان نشر نتاجه أو حتى الحفاظ على أرشيف أعماله من الضياع؟
- يستطيع الآن في زمن الميديا الجميع الإستماع، ولكن مع الأسف ما من منتج لتوثيق الأعمال وأرشفتها بشكل منهجي.المنتج همّه الإنتاج. هنا تقع المصيبة. عندما يظهر المنتج يصبح هَمّ الكثيرين كيف يكتبون ويقدمون الموسيقى كمشروع وليس كعصارة فكرية إبداعية. أظن ان هذه العملية هي سيف ذو حدين ويصعب التكهن،"إنو لحّق حالك كتبلك شي قطعة تيقدمولك ياها وبيطلعلك قرشين". لا يزال عدد غير قليل من أعمالي ينتظر ظروفاً متاحة للإنتاج متل السمفونية الثانية وكونشرتوهاتالعود،والكمان، والتشيللو وبعض مؤلفات الحجرة.


■ هل فرص الوصول الى الأوركسترات والمهرجانات المحلية والاقليمة أفضل؟ ما هي تجربتك في هذا الاطار؟
- لا مع الأسف. لا أؤمن بهذه المهرجانات لأنها في الأغلب مشاريع سياحية غير ثقافية. وعندما تتحول رؤية المنتجين والمشرفين على بعض منها من خلال التصويب الصحيح الى اختيار البرامج ذات الطابع الثقافي، فلا بأس عندها بالمشاركة. أيضاً عندما يتم اعتبار ما هو سطحي ومتسرّع عملاً أوبرالياً ويُنظَّر له بأقلام مثقفين كُتّاب، ينتفي الأمل في نهوض فكر موسيقي معاصر.

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 4/13/2026 12:00:00 PM
مصر تحت صدمة وفاة البلوغر بسنت سليمان بعد بث مباشر مأساوي من شرفة منزلها
لبنان 4/15/2026 6:55:00 PM
 تمّ إخلاء الفندق من النزلاء كإجراء احترازي...
مجتمع 4/15/2026 12:28:00 PM
"أقدمت على قتل طفلَيها خنقاً بواسطة وسادة أثناء تواجدهما على سريرها داخل منزلها في محلة صحراء الشويفات"