العملُ المسؤُولُ رَفيقُ الحكمةِ، تنزِّهُهُ الإرادةُ الصَّلبةُ، وتضعُهُ في كُنْهِ الصَّلاح، ولا عجبَ، أَن يُقبِلَ الناسُ على ترديدِ اسمٍ طليعيٍّ، في غمرةِ الأَحداثِ، يَتَولَّى سِرَّ الدَّولةِ، وإعادةَ هيكليَّتهِ مؤَسَّسَةٍ، أَرادَها أَلَّا تغيبَ عن مَيدانِ المسؤوليَّةِ.
المؤَسَّسَةُ تلكَ، عنيتُها ولم أَعنِ الآنَ سواها، الأمن العام.
الأمنُ العام ولبنانَ، رفيقا عهدٍ في تاريخِ الوطنِ الحديث.
رافق الإستقلالَ، فكان السَّيفَ القاطعَ في حِمايةِ الأَرضِ، والذَّودِ عن الممتلكات، ثمَّ اجتازَ المَهمَّاتِ الكُبرى، وهو يَقبِضُ على السَّلامةِ الموكلَةِ إِليه، والسَّهَرِ على المواطنيَّةِ، وعلاقَةِ المرءِ بدولتِهِ، والسَّعي الدّؤوبِ الى تحصينِ الكيانِ مِن الأخطارِ المُحدقةِ به مِن كلِّ حَدْبٍ وصوبٍ، وَوَلاءِ المواطنِ لأَرضِهِ.
في هذا المقامِ، احتوَتْ شَهوةُ الإِفصاحِ اللّواء عبّاس ابرهيم، المدير العام للأَمنِ العامّ في تقديم كتاب « سِرُّ الدّولة » لِلإِعلاميّ الكبير نقولا ناصيف، حين قالَ:
"الأَمن العام قدرُ الفينيق ومقدرتُهُ، ذاكَ الطائِرُ الأسطوريّ الذي أَتقن فنّ التمرّد على رمادِهِ، والانبعاث حيًّا مِن بين الحطامِ والرّكام وأَعادَ نفسَهُ إلى مسارِ مصيره". (1)
هذه المؤَسَّسةُ الهادفةُ، ما عَرَفَتْ إِلَّا الاضطلاع والإمعانَ في تحَمْلِ المسؤوليَّةِ على الأرضِ، فوافَتِ الحقَّ مجالَهُ، وإنْ حاولوا إِضعافَها منذُ ثلاثينيَّاتِ القرنِ الماضي، فجاءَ مَن يُنقِذُها، بفعلِ الثّباتِ، ومواصلةِ العطاءِ ، بإِرادةٍ قويَّةٍ ، ورباطةِ جأشٍ ، وخيرُ دليلٍ على ذلك، اللّواء عبّاس ابرهيم، وَهُو الصَّدْقُ الذي رَفَعَ مستواها بسَعَةِ معرفتِهِ وذكائِهِ وَشَرَفِ الخدمةِ، حتّى صَحَّ فيه قول الشاعر الدكتور ميشال كعدي:
عينٌ على وطنٍ، عينٌ عَلَى قَدَرٍ لَبَّيكِ أَرضي، فأنتِ المُصطَفَى، الحَرَمُ
بِاليُمنى تَلْهو رِماحُ العِزِّ في لَهَبٍ باليُسرى تَعلو غصونُ الأَرزِ والعَلَمُ
وإِذا كتابُ الإِعلاميّ الذي شَهِدَتْ له الأَقلامُ الجريئةُ الأَديب نقولا ناصيف ، يُثبِتُ مناقبيَّةَ الأمن العام، مروراً بمحطّاتٍ عبرَ تاريخِها وسيرتِها، مركِّزاً على فصولٍ في تاريخ الأَمن العام (1945 - 1977).
هذه المؤَسَّسةُ الرائدةُ في عمرِ الوطن، حَسْبُها أَنّها شاركَتْ في سياساتِ لبنانَ وقراراتِهِ، ولنْ أَغورَ في التاريخِ أَكثر، يكفي أَن أَذكرَ ما قامَ به اللّواءُ ابرهيم في المدَّةِ الأَخيرةِ، وَلَمَّا يَزَلْ.
الكاتبُ ناصيف في كتابِهِ "سِرّ الدّولة" جالَ في مطاوي التاريخ اللّبنانيّ، معتمداً على التفتيشِ والتنقيبِ لِتِبيانِ حقيقة هذه المؤَسَّسةِ القادرةِ في الوطنِ.
مؤَسَّسةُ الأَمنِ العامّ، تُعتَبَرُ أكثرُ المؤسَّساتِ الوطنيّةِ، تماساً بالنّاسِ الحاضرين والقادمين، وعبرَها تَتِمُّ العلاقةُ اليوميّة بالبشر.
نجحَتْ مؤهَّلاتُ المؤلِّفِ.
كما أَنَّه قَدِرَ، أَنْ يَرْويَ لنا موضوعاً تاريخيّاً، وفصولاً في تاريخِ الأَمنِ العامّ، معزّزةً بالوثائقِ والمدوّناتِ والتقاريرِ والمذكّراتِ والتسجيلاتِ قد انْتَشَلَها مِن خزائِنِ النسِّيانِ، ثُمَّ مَسَحَها مِنَ الغبارِ، لِيُطْلِقَها إِلى عالَمِ النُّورِ.
أَعلَنَ الكاتبُ حكايَةَ الأَمن العامّ بموضوعيَّةٍ وأُسلوبٍ جليّ، وذلك بتسلسلٍ منطقيٍّ، أَمانةً للتاريخِ والحقيقةِ، وقد عَرَضَ ثوابتَ تمتازُ بأَشياءَ كثيرةٍ.
أَضافَ الى المحتوياتِ دقَّةً رافقتها الأَخلاقُ. والأخلاق للإنسان ليسَت شيئاً بعيداً عن ذاتِهِ.
على أَنَّهُ اعتمَدَ، أَن يكشِفَ أَسراراً، وَيُخَبِّىءَ أَسراراً، أَبقاها في الأَدراج. والأسرار عند الأحرار وديعة.
أُدْرِجَ الكتابُ في خمسةِ أَقسامٍ، أَو خمسةِ عهودٍ، مروراً بعهدِ القيّمين آنذاكَ، ادوار أَبو جوده، وفريد شهاب، وتوفيق جلبوط، وجوزف سلامه، وأَنطوان دحداح.
كتابُ "سِرّ الدّولة"، قَصَدَ كاتبُهُ أَن يجعلَ الماضي حاضراً، وباباً على المستقبل.
أَمَّا السِّرُّ اليومَ، مع اللّواءِ عبّاس ابرهيم، رَفْعُ المداميكِ للمستقبل، والأَخذُ بمؤَسَّسةِ الأَمنِ العامّ، لتكونَ لكلّ لبنانَ.
كما أَنَّهُ أَرادَها العينَ السّاهرةَ، والفكرَ النَّيِّرَ، الثاقبَ، والأُذُنَ السَّموعَ اللّاقطةَ، للأَحداثِ قَبْلَ وصولَها ووقُوعِها.
اللّواءُ ابرهيم، رجلٌ هادىء، بَلى! والنهرُ العميقُ هُوَ الأهدأ، قليلُ الكلام، يقولون، هذا صحيحٌ، لكنَّ الوطنيّة بذل وعطاءات وتضحيات، لا ثرثرة وكلمات جوفاء، ثمّ "كل العصافير الجميلة لا تُجيد الغناء!"
حسبه أنّه قَدَّمَ الحُلولَ للمُشكلاتِ اللُّبنانيًّةِ، الطارئَةِ والمتراكمةِ، وَوَضَعَ نفسَهُ في خدمةِ الدَّولةِ وهويَّتِها الوطنيَّةِ، واعتبرها نقطةَ انطلاقٍ ناجحةٍ معَ الجيشِ اللّبنانيّ، وقوى الأَمنِ الداخليّ وأَمنِ الدّولة.
وفي أَيّ حالٍ، ما قَبِلَ مؤَسَّسةَ الأَمنِ العامّ إِلَّا العمودَ الفقَريّ، لبنيةِ الدّولةِ اللُّبنانيًّة، على رغم الهزَّاتِ، والعواصفِ التي تكتنفُ الرّقاعَ عندنا، وكأَنّي به، اعتادَ على الخطوبِ والأَعاصيرِ، حتّى صَحَّ فيه قولُ "يا جبل ما يهزّك ريح".
هذه رسالةُ المدير العامّ للأَمنِ العامّ اللّواءُ عبّاس ابرهيم.
وعَوْدٌ على بدءٍ، فكتابُ "سِرّ الدّولة" لناصيف نشهدُ له، ولريشتِهِ الولوع بالانضباط.
نشهدُ لكتابه، بأَنَّهُ أَثَرٌ نوعيٌّ، بإِمكانِهِ أَن يأخذَ مكانَهُ بجدّيَّةٍ في المكتبةِ اللُبنانيّة، وأَن يكونَ مرجِعاً، في قيامِ البناءِ والتأسيسِ في البلادِ.
نقيب المحامين ووزير سابقاً
(1) - كتاب "سِرّ الدولة"، للإعلامي نقولا ناصيف، ص10
الأكثر قراءة
نص المرسوم رقم (98) لعام 2026 على تعيين عبد الرحمن بدر الدين الأعمى أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية... جاء تعيينه خلفاً لماهر الشرع، وذلك في إطار توجهات لتعزيز مبدأ فصل العلاقات العائلية عن المسؤولية العامة.
نبض